عندما كنا صغارا، كنا نلعب لعبة رعاة البقر والهنود الحمر أحيانا وكنا نفضل دور رعاة البقر، كنا قد علمنا انفسنا ان الهنود هم هنود «حمر» (مصطلح هندي أميركي لم يكن قد تم تداوله بعد) وليسوا بعيدين مثلنا عن الهنود في الهند، نحن الذين كنا نلعب الدور الزائف في كراجات الدور التحتاني من بناية تقع في ملبار هيل في جنوب الهند. كانت تلك هي اللحظة التي اكتشفنا فيها ان كولومبس هو الذي اكتشف اميركا. كانت تلك هي فداحة الحادثة والجزئية غير المسلم بها نسبيا على الرغم من عدم تفاهتها التي لعبناها! في الكثير من الاماكن والعديد من الطرق تحاكي مومبي، وما زالت اميركا. ولكن ذلك لا يعني القول بأنه كان تقليدا، فأميركا يجب ان تكون هناك في شوارعها لا في اي مكان آخر. لكن هذه المحاكاة تجعلها تختلف ايضا عن اي مدينة هندية اخرى، تعطيها طابعا خاصا من السوداوية والحزن المقدر عليها ان تفي به هناك. أولا هناك فتنة المباني الشاهقة التي تتجمع حول ناريمان بوينت كما يمكن ان تسميه «حي الاعمال» في مومبي حيث مبنى الخطوط الهندية ومبنى الاكسبريس وأبراج الاوبيروي. هذه أرض متنازع عليها اتذكر عندما كانت ناريمان بوينت لا تزال مركزا، شريطا من الارض تنتهي على نحو مفاجيء الى منطقة صخرية ثم البحر. لكن المباني الشاهقة موجودة في كل مكان من جنوب مومبي. بعضها كان شهيرا تماما كالمشاهير من الناس، بعضها كبعض المشاهير كانت له سمعة اقل من المعصومة عن الخطأ، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات انتصبت بناية اطلق عليها اسم كانتشوتجنجا صممها مهندس معماري يدعى تشالرز كوريا على تلة شديدة الانحدار في شارع بيدار وكانت تبدو على شكل صندوق عملاق مستطيل لونه ابيض ضارب الى الصفار مع ثقوب كبيرة فيه اما داخله فأحمر صارخ. ولفترة طويلة من الزمن لم يسكن شققها احد. كانت البناية تنتصب فوق موقع متنازع عليه. وعلى الرغم من ذلك فقد تحولت الى نجم، وإن لم يكن احد لم يتلفت اليه بعض الشيء، وجزء من الافق الذي يتحرك صاعدا وهابطا: مبان حديثة وقديمة، حفلة الانس التي تحييها الصورة الظلية لمومبي طوال الليل. وبعد سنوات وقف المستأجرون في البلكونات ومع ذلك فأنت ضمير غير معني بأن ترى حقيقة الناس وهم يقيمون في مباني مدينة مومبي الشاهقة. هناك اكثر من اشارة خفية الى وجود نيويورك هنا. هذه المباني الطويلة الشاهقة هي بالمعنى الحرفي اشياء ظهرت فجأة كمحدثي النعمة، وبالتحديد تشبه المتسلقين الذين ظهروا على مسرح الحياة الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وارتفاعها يوحي بتفوق الشهوة المادية على مراوغات المظهر المهذب للحقبة الاستعمارية. غير ان هناك ايضا شيء من كاليفورنيا في اشراقة الشمس السرمدية في البحر، في اشجار النخيل. متعة الجسد وهو يقف في الشمس. وكذلك، كل هذه الشواطيء في تشوباتي وجوهو ومارف هذا ما عدا شاطيء جوفرنر الخاص، الذي كان يزوره أطفال المدرسة الكاتدرائية مرة في السنة. وكانوا يركبون على ظهور الجياد الصغيرة، اما الرجال الذين كان بعضهم دجالون او نصابون او مختلسون فكانوا يتقافزون على الرمال، شبه عراة وكأنهم يعودون مرة اخرى الى طفولتهم. ان الصورة التي تتبلور في ذهني هي هذا الخليط الذي تتكون منه مدينة مومبي خليط من الطفولة والنضج، من البساطة والبراءة والقسوة، خليط هو ايضا كما صرت اعرف الآن أميركا على نحو مميز. فنتازيا الطفولة ودراية البلوغ، البراءة والعنف، تعيش كلها في المكان نفسه، وحتى في العقل والجسد ايضا.لقد تعرفت على اميركا من خلال القصص الهزلية. ولم يكن والداي قد علماني الانجليزية قبل دخولي المدرسة. ولاننا كنا نقيم خارج اقليم البنغال في مومبي،فقد كانا شغوفين بتعليمي اللغة البنجالية على نحو يجعلني قريبا منها.اما كيف ثم قبولي في المدرسة وأنا لا أعرف الانجليزية فهذا مما لا اعرفه. لكن المديرة عرضت على والدتي اقتراحا غير عادي من قسمين هو ان تجعلني اتعود على اللغة من خلال قراءة سلسلة كتب ليديبيرد والقصص الهزلية. اما كتب ليديبيرد فقد اخذتني الى عالم من العائلات والمناظر الطبيعية في داخل بريطانيا، وقد استمر هذا الاسلوب في تعلم اللغة الانجليزية مع سلسلة كتب اندبليتون التي يحتوي عالمها المشرنق المتنوع على المغامرات الوحشية الغريبة والسلوك المتملق لبعض الشخصيات ونماذج من الكعك وسلال الرحلات.هذا العالم على الرغم من قربه منا تاريخيا الى حد بعيد، إلا انه كان بعيدا بينما كانت الكتب الهزلية الاميركية التي تعلمت منها القراءة قادرة بعض الشيء على التغلغل في حياتنا اليومية في مومبي على نحو لا يترك مجالا للفصل بينهما؟ ولم نكن قادرين على تمييز النقطة التي تنتهي فيها احداهما لتبدأ الاخرى. كانت افضل تلك الكتب التي تباع في المكتبات التي تعير الكتب لمشتركيها هي الكتب الصادرة عن آركي كومكس دايجست، الخيط الرفيع الذي يفصلنا عن ريفرديل. ولم يكن شراء الكتب الصادرة شهريا مثل منشورات جول كي للقصص الهزلية وريتشي ريتش التي تحتوي على الشخصيات الكرتونية لم يكن رائجا. كان هناك ايضا ابطال خارقون عاشوا حياة فاترة مملة كمستخدمين في المباني الشاهقة الضخمة، وبالنسبة لهم كان مجرد وضع النظارات يمنحهم هالة لا يمكن اختراقها من الاعتيادية ويضمن لهم حالة من التخفي السهل، او عاشوا حياة عزلة كزعماء اقوياء اثرياء في قصور ضخمة ذات كراجات ارضية ليس فيها إلا سيارة واحدة، او كما هو حال الرجل المطاطي الذي تحول من رجل كئيب بشع الى شخص موهوب في محاربة الجريمة. ولو ان جريجور سامسا قد ولد في اميركا هل كانت قدرته على التحول تجعل منه رجلا شهيرا، مثل الرجل العنكبوتي او هالك غير المعقول؟لقد ولدت طفولتنا الاميركية في مومبي في مرحلة الحرب الباردة؟ عندما كان احد طرفي العالم يعيش تحت مظلة حاجبي بريجينيف الغليظين الهائلين. وكنا نحن في ذلك الجزء. فعلى الرغم من ان الهند بلد ديمقراطي الا انه كان بلا شك حليفا سياسيا واستراتيجيا لروسيا، وقد منحتنا العلاقة بروسيا فكرة الاستقامة الاخلاقية والاقتصادية، بينما منحتنا اميركا نوعا من التسلية كانت محظورة. بالنسبة لوسائل التسلية السوفييتية كانت هناك الافلام المثيرة للدهشة. كنا نذهب الى السينما لمشاهدة افلام سوفكسبورت لسببين. الاول هو ان الافلام الروسية تأسست على تقاليد فنية سينمائية اكثر وعيا من اي من تلك التقاليد الموجودة في هوليوود. اما الثاني فكان اقل سموا فقد قادت صداقتنا السياسية الى نوع التدليل لنخبة الرقابة الوطنية على الافلام. وفيما كانت مشاهد العربي في افلام السوفكسبورت في غالبيتها مسموحا بها، كان حذف المشاهد في افلام هوليودد مضحكا، وحتى مهنيا جعل امرأة تبدو كما لو انها نسيت ان تزر قميصها او تبدو كما لو انها تعاني من حالة تشنج عضلي. العري في الافلام الاميركية كان محجوبا عنا بواسطة جدار من الاحتشام من الصعب اختراقه حتى بالمقارنة بالستار الحديدي. ابطال خارقون لكنهم ايضا أنذال وعلى مدى اجيال كان هنري كسينجر هو الرجل المكروه اكثر في الهند. وفي سنة 1975 كان سانجاي غاندي قد تجاوزه في الكره الا ان تلك البدلة البيروقراطية وهذه النظارة الغليظة واللهجة الثقيلة كانت دائما تجعل الهنود يرتعدون. ومع ذلك فإن الشباب والشابات كانوا يصطفون في طوابير من اجل الحصول على نماذج طلب للتقدم بها الى البحرية الاميركية. كانت الطوابير طويلة والوقوف فيها مضنيا؟ وبعد ذلك كانوا يغادرون الى الولايات المتحدة ثم يعودون في الاجازات. الرجال يرتدون البنطلونات القصيرة وقمصان تي شيرت مع لوجو من جامعات مغمورة.وحتى آباءهم بدأوا يرتدون البنطلونات القصيرة. وعلى النوافذ الخلفية للسيارات في مومبي، كانوا يعلقون ملصقات تحمل اسماء هذه الجامعات التي لم يسمح بها من قبل، والتي كان على الآخرين ان يحفظوا اسماءها في أوقات الازدحام المروري. فما الذي كان يدفع بهم الى الذهاب هناك؟ هل كانت الرغبة في النجاح والتماثل وهي الاشياء التي لم تكن اوروبا قادرة على منحهم اياها؟ وهل كانت القدرة والرغبة في الاندماج مع هذه الجموع في مانهاتن او الاستقرار في بعض الضواحي، او اعادة وضع انفسهم في الفراغات الفسيحة ما بينهما؟ عن «جرانتا»