تواصل الدراما التلفزيونية السورية توجهها نحو الشخصيات التاريخية، وضمن هذا التوجه يجري الآن تصوير مسلسل تلفزيوني عن الشاعر عمر الخيام. وإذا كان المثقفون العرب، يعرفون الخيام عالماً بالفلك والفلسفة والرياضيات، فإن الأوساط الشعبية العامة تعرف الخيام شاعراً ينضح شعره بالحكمة والموعظة، ولعله الأشهر من الشعراء غير العرب، ولأم كلثوم اسهام مشهود في اتساع شهرة الخيام عندما غنت مقاطع من رباعياته صاغها باللغة العربية الشاعر أحمد رامي، ويقول مطلعها: سمعت صوتاً هاتفاً في السحر نادى من الغيب غفاة البشر وفي القصيدة، بيت نال شهرة كبيرة، وهو: فما أطال النوم عمراً ولا قصّر في الأعمار طول السهر وبلغ الاعجاب بالخيام ان اطلق اسمه على بعض المواقع، وهناك فندق باسم عمر الخيام يطل على ساحة المرجة بوسط دمشق. حياة درامية عاش عمر الخيام في فترة سادها الاضطراب السياسي، وانعكس هذا الوضع على حياته الشخصية والعلمية، ويمكن القول ان حياة الخيام تغني عن أية دراما تحكي عنه، لأنها دراما قائمة بذاتها. ولد الخيام عام 1040 وتوفي عام 1120 ميلادية، وعندما كانت طبول الحرب تقرع كان الخيام منهمكاً بدراسة الفلك والهندسة، وقد رحل إلى سمرقند عندما اختلف مع أستاذه، وهناك قربه الأمير نصر خان، وتعرف على الشاعرة جيهان، وفي سمرقند انقلبت حياته عندما التقى فيها حسن الصباح المناهض للحكم العباسي، ودعاه إلى الالتحاق بجامعته، لكن الخيام آثر الاهتمام بعمله وأدبه فعاد إلى نيسابور بدعوة من الوزير نظام الملك، وهناك اخترع تقويماً بدلاً من التقويم الفارسي القديم مما دفع المتعصبين إلى تأجيج العداء له، ولكنه وقف بصلابة عندما حماه الملك «ملكشاه».وهجر الخيام كل شيء بحثاً عن حبيبته ياسمين، فسافر إلى حلب، ثم بيت المقدس، وعندما قتل نظام الملك فقد الخيام أقوى نصير له، وسنحت الفرصة للمتعصبين كي يصفوا حسابهم معه، فأحرقوا كتبه ودمروا مرصده الفلكي وعاش بقية أيامه مشرداً.ويحاول المسلسل ان يلم بكل هذه التفاصيل من حياته، إذ استند كاتبه إلى مراجع عديدة ليكوّن صورة شبه متكاملة عنه. أسرة المسلسل كتب نص مسلسل «عمر الخيام» غسان الجباعي الذي سبق له التعاون مع المخرج نجدت أنزور، ويقوم باخراجه التونسي شوقي الماجري الذي سبق له ان أخرج في سوريا مسلسلات «تاج من شوك» «أخوة التراب ـ الجزء الثاني» «الأرواح المهاجرة». ويشارك في تجسيد شخصيات المسلسل عدد من نجوم الدراما السورية والعربية حيث يقوم جهاد سعد بدور «عمر الخيام» وفايز قزق بدور «حسن الصباح» وخالد تاجا بدور «نظام الملك» وسمر سامي بدور «توتان» وصبا مبارك بدور «ياسمين» كما يمثل فيه رفيق سبيعي، محمود جركس، أديب قدورة، عزة البحرة، ومن العراق جواد الشكرجي، وكنعان علي.وقد نظمت شركة الشام المنتجة للمسلسل لقاء جمع اسرة المسلسل مع الصحفيين في موقع أثري بحلب حيث كان يتم التصوير الذي يقف خلفه البولوني زيبتشينسكي، وفيه تحدث الكاتب والمخرج ومدير الانتاج وعدد من الممثلين. الدراما التاريخية يقول الكاتب غسان الجباعي ان المسلسل التاريخي يذهب في اتجاهين، الأول إلى الخلف لتأييد التاريخ، واعتباره نموذجاً والثاني المعرفة وبأن يقدم التاريخ ليشاهد المتلقي نفسه وصورته فيه، وعمر الخيام ينتمي إلى الاتجاه الثاني. وأضاف قائلا: يشوب شخصية عمر الخيام الكثير من التشويه وبما ان الشخصية الموازية هي حسن الصباح فقد أصابها ما أصاب شخصية عمر الخيام من تشويه لأسباب سياسية ولاحظ ان شخصية الخيام اشكالية ولا سيما ان الكثير من كتبه أحرقت من قبل هولاكو، كما اتهم بأنه منافق وزنديق وسكير، ولكن عندما ننظر إلى كتبه وشعره نجد انها مقالات عن الجمال، ونجد انه لا يؤمن بالقيم السائدة بل يخترقها. وباختصار يمكن القول انني اعدت اكتشاف الخيام من خلال قراءة حياته وتحليل قصائده وتحليل علاقته مع الصباح ونظام الملك. جوانب معاصرة من جانبه قال المخرج شوقي الماجري: ان شخصية عمر الخيام تكاد ان تكون مجهولة لدى عامة الناس، أو مشوهة، لكنه من خلال بحثنا، نجد انه يمتلك العناصر الانسانية المتمثلة في البحث المعرفي والوجودي ويشعرنا بالمعاصرة وان المواضيع التي نتناولها خالدة. وأضاف: صحيح ان العمل تاريخي والشخصية مؤرخة زمنياً لكن تعاملي مع العمل ينبع من احساسي بأنه يحمل جوانب معاصرة روحياً وانسانياً، وهذا ما يهمني كمخرج، وأشار المخرج إلى ان الجانب التعليمي والمتحفي في الدراما ليس من اهتماماته، مؤكدا في الوقت نفسه على العمل ضمن الاصول العلمية للبحث وتوثيق الشخصيات.وأشار الكاتب والمخرج إلى ان العمل لا يسعى إلى التاريخ من زاوية علمية، ولا تمجيد ذلك التاريخ بقدر ما يحاول استعادة قلق الاسئلة التي لا تزال قائمة، مما يجعل العمل معاصراً أكثر منه تاريخياً. مواقع التصوير مدير الانتاج صلاح طعمة أشار إلى ان مواقع التصوير ستكون متعددة، وتزيد على مئة وعشرين موقعاً، ويجري تصوير أغلب المشاهد في سوريا، وهناك مشاهد في أوزبكستان ولبنان. وذكر ان عدد الشخصيات يزيد على مئتي شخصية رئيسية وثانوية، ويصل عدد المجاميع «الكومبارس» إلى عشرة آلاف شخص. وأكد طعمة ان مسلسل عمر الخيام يعد الأكثر ضخامة بين المسلسلات التاريخية السورية وتزيد ميزانيته على ثلاثمئة مليون ليرة، مشيرا إلى ان الشركة المنتجة لها مشروعها الفني الخاص، وهناك أعمال شعبية مطلوبة، ولاحظ طعمة ان دور المحطات سلبي تجاه الأعمال الضخمة، حيث لا تميز بين الانتاج العادي والانتاج الضخم الذي يحمل قيماً فكرية وفنية. الفنانون يتحدثون وتحدث الفنانون عن أدوارهم وتعاونهم مع المخرج. ورأى الفنان خالد تاجا ان الماجري صاحب مدرسة حديثة في الاخراج في حين ذكر فايز قزق انه شعر بأن المادة الدرامية في المسلسل تحمل جوانب مهمة وانه معجب بالماجري بعد ان شاهد له «تاج من شوك» و«الارواح المهاجرة» حيث يشتهر بكادراته وطريقة معالجته وأسلوبه عالي المستوى. جهاد سعد (عمر الخيام) لم يحضر الفنان جهاد سعد الذي يؤدي دور عمر الخيام اللقاء الصحفي حيث كان مشغولاً ببرنامج تلفزيوني يبث على الهواء، وقد التقيناه فيما بعد وتحدث عن الشخصية التاريخية فقال: لا شك ان العمل التاريخي متعب، حيث نصور في مواقع عديدة، وهناك مجاميع وأحياناً خيول وهذا يتطلب من الممثل التركيز لاعطاء أداء يضع المشاهد في كافة أبعاد الشخصية ولا شك ان المسلسل التاريخي يتضمن مواقف تتيح للممثل ان يعبر عن طاقته بشكل ممتع وبامكانيات كبيرة، وهذه المسلسلات أيضاً تغري الفنان لأن يكون ممثلاً يمتلك أدوات تعبيرية بكل معنى الكلمة. وأشار الفنان جهاد سعد إلى انه مستمتع بأداء شخصية مثيرة للجدل مثل شخصية عمر الخيام، ويحاول ان يمنحها ما يمتلكه من تقنيات معبرة وشحنات تعبيرية.