لم يسبق في تاريخ اسرائيل، في اقتباس بألفاظ مختلفة لعبارة تشرشل، ان ألحق قدرا هائلا كهذا من الاذى على عدد كبير من الاشخاص من قبل قلة من الناس. فمنذ اندلاع الانتفاضة الثانية في اواخر سبتمبر من عام 2000، هزت العشرات من القنابل البشرية الفلسطينية الدولة اليهودية وأحدثت تحولا في حياة سكانها. وحتى قبل عام من الآن، كان ينظر الى العمليات الانتحارية باعتبارها تغير رهيب في الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، وهو تعبير عن التشدد الديني الذي كان يرفضه معظم الفلسطينيين، ولكن في الاشهر الاخيرة، برزت حقيقة جديدة مقلقة، وهي قبول الممارسة واعطائها الصفة الشرعية في اوساط جميع الفصائل السياسية والعسكرية الفلسطينية. وعلى نحو متزايد، بات الفلسطينيون ينظرون الى الهجمات الانتحارية باعتبارها سلاحا استراتيجيا، و«قنبلة ذكية» للمستضعف يمكنها ان تحقق التوازن بصورة عجيبة مع البراعة التقنية الاسرائيلية والهيمنة العسكرية التقليدية، ويبدو ان الفلسطينيين قد قرروا ان العمليات الانتحارية، اذا ما استخدمت بصورة منظمة في سياق النضال السياسي، بامكانها ان تمنحهم شيئا لا يمنحهم اياه اي سلاح اخر الا وهو: القدرة على التسبب بألم مدمر وغير مسبوق لاسرائيل. والحلم في تحقيق هذا التكافؤ الاستراتيجي يعتبر اقوى من أي ضغط بالتوقف والكف عن هذه العمليات، وبالتالي فانه من المستبعد ان يتم التخلي عن هذه الاستراتيجية، على الرغم من ان استخدامها المتواصل يدفع بالشرق الاوسط الى اقرب نقطة على الاطلاق من الهاوية. ان المصادقة الفلسطينية على العمليات الانتحارية كوسيلة حرب مشروعة لم تكن متسرعة. ففي بداية الانتفاضة الثانية، كان اسلوب القتال المفضل لدى الفلسطينيين قائم على الاستراتيجية التي استخدمها حزب الله في طرد الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان بعد 15 عاما من الاحتلال ـ وهي تتلخص في خليط من تكتيكات حرب العصابات كالكمائن واطلاق النار من سيارة مارة والهجمات على مواقع الجيش الاسرائيلي. وكان يعتقد بأن «لبننة» الضفة الغربية وقطاع غزة ستدفع الجمهور الاسرائيلي الى اعتبار هذه المناطق عبئا أمنيا (كما فعلوا مع جنوب لبنان) وأن يمارسوا الضغط على الحكومة للانسحاب مجدداً. كان تقسيم العمل من قبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واضحاً. فجناحه السياسي، المتمثل في حركة فتح، فوض وحداته شبه العسكرية، وعلى رأسه ميليشيات تنظيم فتح مع قطاعات من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بتنفيذ حملة من حرب العصابات ضد المستوطنات الاسرائيلية والأهداف العسكرية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي غضون ذلك، منحت الجماعات المسلحة من حماس والجهاد الإسلامي الحرية لشن هجمات ضد أهداف مدنية داخل اسرائيل. غير ان نتائج حرب العصابات في السنة الأولى كانت هزيلة من وجهة النظر الفلسطينية، خاصة بالنظر الى مدة القتال وحجم النيران. فالقوات الفلسطينية شنت أكثر من الف و500 عملية اطلاق نار على سيارات اسرائيلية داخل المناطق المحتلة، ولكنها لم تقتل سوى 75 اسرائيليا. وهاجمت مواقع للجيش الاسرائيلي أكثر من 6 آلاف مرة ولكنها لم تقتل سوى 20 جندياً. واطلقت اكثر من 300 قنبلة مضادة للدبابات على أهداف اسرائيلية ولكنها لم تفلح في قتل أحد. ولاضعاف معنويات المستوطنين، شن الفلسطينيون اكثر من 500 هجوم بالهاون والصواريخ على تجمعات يهودية في المناطق الفلسطينية وفي بعض الاحيان داخل اسرائيل، ولكن الصواريخ كانت بدائية وغير دقيقة، ولم تسفر إلا عن مقتل اسرائيلي واحد. وعلاوة على ذلك، فان الرد الاسرائيلي على حرب العصابات كان حاسماً. فباستخدام معلومات استخبارية جيدة، استهدفت أجهزة الأمن الاسرائيلية افرادا فلسطينيين مسلحين ودمرت معظم البنية التحتية العسكرية للسلطة الفلسطينية. كما عاد الجنود الاسرائيليون الى دخول «المنطقة أ»، وهي المنطقة التي تم تسليمها نتيجة لمفاوضات السلام في اوسلو الى السيطرة الفلسطينية الحصرية، لتدمير مواقع مشبوهة لتصنيع قذائف الهاون. وفي البداية، قوبلت هذه التوغلات بتعنيف دولي حتى من جانب الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، أدان وزير الخارجية الأميركي كولن باول أول توغل في غزة في ابريل من عام 2001 معتبرا إياه «مفرط وغير متكافيء». ولكن مع مرور الوقت، اصبحت التوغلات المؤقتة ممارسة شائعة لدرجة ان المجتمع الدولي لم يعد يعيرها اهتماماً. وجرب عرفات، المتأثر من انعدام التقدم في النضال، ان يقوم بمقامرة اخيرة في نهاية عام 2001، محاولا تهريب كمية من الاسلحة الايرانية على متن السفينة «كارين ـ إيه». ولكن قوات الكوماندوز البحرية الاسرائيلية استولت على السفينة وحولت حيلته الى كارثة دبلوماسية مخزية. وهكذا انتهت المحاكاة الفلسطينية ل«نموذج حزب الله». وفي غضون ذلك، وبخلاف استراتيجية حرب العصابات، كانت حملة الارهاب التي نفذتها حماس والجهاد الاسلامي تؤتي ثمارها، فقد نجحت الحركات الاسلامية في قتل أو جرح عدد من الاسرائيليين في 350 عملية طعن واطلاق نار وتفجير داخل اسرائيل يفوق العدد الذي تمكنت منه المنظمات الفلسطينية الوطنية في أكثر من 8000 هجوم مسلح في الضفة الغربية وغزة، والتأثير الأقوى جاء من 39 عملية انتحارية أوقعت 70 قتيلاً اسرائيلياً وجرحت أكثر من 1000 آخرين، وإذا قارن أحد هذه النتائج مع الضرر المحدود الذي أحدثته صواريخ سكود العراقية الـ 39 التي أطلقت على اسرائيل في عام 1991 ـ 74 قتيلاً معظمهم بسبب نوبات قلبية ـ فإن من السهل فهم السبب الذي جعل الأساليب الجديدة تسبب هذه النشوة لدى الفلسطينيين. الفلسطينيون يدركون تماماً ما يواجهونه على أيدي الجيش الاسرائيلي رداً على الحملة الارهابية، ولكن معظمهم يعتبرها مع ذلك نجاحاً كبيراً وهم يستقون الراحة والرضا من حقيقة ان اليهود أيضاً يعانون، ولا يعتبر الفلسطينيون الانجاز الكبير للحملة منحصراً في قتل الكثير من الاسرائيليين، وإنما أيضاً في تدهور الاقتصاد الاسرائيلي، وتدمير صناعتها السياحية واضعاف معنويات شعبها، وبحسب استطلاع للرأي أجري في منتصف مايو الماضي، فإن ثلثي الفلسطينيين يقولون ان العنف في الانتفاضة الثانية حقق لهم أكثر مما حققت سنوات التفاوض السابقة. قبل اندلاع الانتفاضة الثانية كان الفلسطينيون يميزون بين الهجمات على المستوطنين وعلى الأهداف العسكرية الاسرائيلية وعلى المدنيين داخل اسرائيل، غير ان تلك الفروق في طريقها إلى الاختفاء الآن، وعلى الرغم من ان التأييد للهجمات ضد المدنيين داخل اسرائيل تراجع بعد التوغلات الاسرائيلية في الربيع الماضي، بمقدار ست نقاط ليصل إلى 52%، إلا ان المعارضة لاعتقال أولئك الذين ينفذون مثل هذه الهجمات ارتفعت بمقدار 10 نقاط لتصل إلى 86% وهو رقم قريب من نسبتي الـ 89%، وهو رقم قريب من نسبتي الـ 89% و 92% من التأييد للهجمات على المستوطنين الاسرائيليين والجنود في المناطق الفلسطينية على التوالي. غير انه وفي أعقاب الحادي عشر من سبتمبر وعندما باتت الهجمات المتعمدة ضد المدنيين الأبرياء تعتبر شيئاً بغيضاً في نظر معظم الناس، تطلب تبني الارهاب كاستراتيجية من الفلسطينيين اقناع انفسهم والآخرين بأن ما يقومون به هو أمر مشروع، وبالتالي فإنهم أوجدوا ما يرونه تكافؤا أخلاقيا بين الأذى الذي تلحقه اسرائيل بالمدنيين الفلسطينيين والهجمات الفلسطينية ضد المدنيين الاسرائيليين، ومن بينهم أطفال. وقاموا أيضاً بتطوير تفسير خلاق لماهية الارهاب، وهو تفسير يركز على الغايات أكثر مما يركز على الوسائل، وهكذا، ابلغ اكثر من 94% من الفلسطينيين مستطلعي الاراء في ديسمبر 2001 بأنهم يعتبرون عمليات التوغل الاسرائيلية في مناطق «أ» اعمالا ارهابية بينما رفض 82% من الفلسطينيين وصف قتل 21 شابا اسرائيليا خارج مرقص في تل ابيب قبل ذلك بستة اشهر بالطريقة نفسها، وقال 94% من المستطلع اراؤهم انهم لن يتورعوا عن وصف استخدام اسرائيلي مفترض لاسلحة كيماوية او بيولوجية ضد الفلسطينيين بأنه ارهاب، في حين لم يبد سوى 26% استعدادهم لقول الشيء نفسه عن الاستخدام الفلسطيني لتلك الاسلحة ضد اسرائيل، وعلى نحو مثير للاهتمام، فان التعريف الجديد يمتد الى خارج حدود الصراع مع اسرائيل فعلى سبيل المثال اعتبر 41% فقط من الفلسطينيين هجمات 11 سبتمبر ارهابا و 46% فقط اعتبروا تفجير لوكيربي على هذا النحو. وكلما زاد افتتان الفلسطينيين بانجازات «شهدائهم» كلما وجدت حركة فتح نفسها تحت ضغط لتبني السلاح الانتحاري ففي العام الماضي، وخوفا من فقدان التأييد الشعبي اذا اعتبر «الشارع» الاساليب الاسلامية اكثر فاعلية من اسلوب فتح، قرر قادة فتح بأن عليهم ان يحذوا حذو الحركات الاسلامية. وخضع الجزء من عرفات، الذي اراد ان يظهر تضامنه مع الولايات المتحدة، والذي كان مصمما على تجنب اي علاقة بالارهاب ضد المدنيين ـ خضع للغضب المعادي لاسرائيل وللحسابات السياسية لمساعديه ولاعضاء «الحرس الشاب» للوطنية الفلسطينية، كما وصفهم خليل الشقاقي، مسئول احد مراكز الاستطلاع الفلسطينية. حدث تبني فتح الرسمي للعمليات «الاستشهادية» في 29 نوفمبر 2001 عندما قام شخصان بتفجير نفسيهما معا على متن حافلة بالقرب من مدينة الخضيرة الاسرائيلية، احدهما كان يدعى مصطفى ابو سرية، وهو من الجهاد الاسلامي وكان الاخر عبدالكريم ابو نافع قد خدم في الشرطة الفلسطينية في اريحا، لكن رابطة الدم مع الاسلاميين لم تدم طويلا، وسرعان ما وجدت كتائب شهداء الاقصى التابعة لفتح والحركات الاسلامية نفسها منخرطة في منافسة قوية حول اي المجموعتين ستتقن استخدام سلاح العلميات الانتحارية، وينظر اليها باعتبارها الاكثر تقديرا بنظر الفلسطينيين بالنسبة للمجهود الحربي واستغلت كتائب شهداء الاقصى معارضة القوى الاسلامية لمشاركة النساء فشكلت فرقا من الفتيات المستعدات للقيام بعمليات انتحارية حملت اسم وفاء ادريس، وهي الفتاة الفلسطينية التي فجرت نفسها مع رجل اسرائيلي في مدينة القدس في يناير، ومن جانبها قامت حركة الجهاد الاسلامي، بتجنيد اطفال بعمر 13 سنة لتنفيذ عمليات انتحارية. لقد بات الاسلاميون والعلمانيون من الفلسطينيين يعتبرون العمليات الانتحارية سلاحا لا تملك اسرائيل ضده دفاعا شاملا. فلمواجهة صواريخ سكود العراقية، طورت اسرائيل ونشرت الصاروخ أرو، وهو نظام دفاع ضد الصواريخ الباليستية بلغت تكلفته ملياري دولار. وفي وجه القنابل البشرية الفلسطينية، تستطيع اسرائيل في احسن الاحوال ان تقوم ببناء سياج حدودي. فالانتحاريون اذكى من صواريخ سكود، والفلسطينيون يدركون انه حتى مع وجود حراس أمن اكثر من المدرسين او الاطباء في اسرائيل اليوم، فإن الانتحاري سيتمكن دائما من الاختراق. واذا كان التاريخ يمثل مرشدا بشكل ما، فإن الحملة العسكرية الاسرائيلية لاجتثاث ظاهرة العمليات الانتحارية لن يقدر لها النجاح على الأرجح. فالدول الأخرى التي واجهت خصوما مستعدين للموت تعلمت بالطريقة الصعبة انه باستثناء الابادة الكاملة للعدو، لا وجود لحل عسكري للمشكلة. ولكن السلطات الاسرائيلية مترددة تماما عن القبول بهذه الحقيقة. فالمجتمع الاسرائيلي ينشد الأمن المطلق ويتشبث بالفكرة القائلة ان القوة العسكرية كفيلة بحل أي مشكلة أمنية تقريبا. واذا كان الفلسطينيون يضعون ايمانهم بالله، فإن الاسرائيليين يضعون ايمانهم بالدبابة. وسواء بوعي او من غير وعي، فإن ايمانهم بفائدة القوة ـ وهو واضح في الحملة الشائعة التي تحمل عنوان «دعوا الجيش الاسرائيلي يكسب»، والتي توصي بمنح حرية اكبر للجيش ـ يعكس خيارا استراتيجيا بعسكرة الصراع بدل تسييسه. ويزعم كبار قادة الجيش الاسرائيلي بشكل متكرر ان الاستخدام الذكي للقوة العسكرية يمكن ان يوجد واقعا جديدا على الأرض، سيتيح بدوره للحكومة امكانية التفاوض على اتفاقيات سياسية في ظل شروط اكثر ايجابية. صحيح انه عندما سمح أخيرا للجيش الاسرائيلي «بكسب المعركة» حققت اسرائيل نتائج تكتيكية مؤثرة. وتمكنت عملية الدرع الواقي التي نفذت أبريل الماضي من تصفية مجموعة كاملة من القادة الارهابيين في الضفة الغربية، وشلت البنية التحتية المالية والتشغيلية للسلطة الفلسطينية وخفضت من ترسانة السلطة الفلسطينية. ولكن، وكما كان الحال في أوقات اخرى من تاريخها، فشلت اسرائيل في تحويل انجازاتها التكتيكية الى مكاسب استراتيجية. فاستخدامها المكثف للوسائل العسكرية، أكسبها ادانة دولية وزاد من تطرف المجتمع الفلسطيني وأوجد مناخا من الغضب مفض الى المزيد من العمليات الارهابية. وبحلول شهر مايو الماضي، وعلى نحو لم يكن مفاجئا، استؤنفت العمليات الانتحارية من جديد. كانت عمليات المحاكاة التي قام بها الجيش الاسرائيلي قبل اندلاع الانتفاضة الثانية قد تنبأت بأن تقود عمليات دخول الجيش من جديد الى المدن الفلسطينية الرئيسية الى سقوط مئات القتلى الاسرائيليين، غير ان الواقع اثبت ان عمليات التوغل في المناطق الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية كانت سهلة تقريباً، ففي اعقاب اغتيال رحبعام زئيفي، وزير السياحة الاسرائيلي، في اكتوبر 2001، شن الجيش الاسرائيلي هجوماً واسعاً على السلطة الفلسطينية ودخل جميع المدن الفلسطينية الرئيسية الست في الضفة الغربية، وكانت المقاومة الفلسطينية شيئاً لا يذكر، ولم تسفر إلا عن جرح ستة جنود اسرائيليين، وعملية الدرع الواقي، وهي ثاني اكبر عملية توغل في «المنطقة أ» واجهت ايضا مقاومة ضعيفة نسبياً، وباستثناء الصراع في مخيم جنين، الذي قتل فيه 23 جندياً اسرائيلياً، اقتحمت القوات الاسرائيلية ست مدن فلسطينية وعشرات البلدات والقرى ولم تتكبد سوى ثلاثة قتلى. ولقد فسر الجيش الاسرائيلي ضعف المقاومة الفلسطينية في المدن كعلاقة ضعف وليس خياراً استراتيجياً. وينظر الاسرائيليون بازدراء للاحتفالات الفلسطينية بـ «الانتصار» بعد انتهاء كل عملية توغل. وهم محتارون من حقيقة ان عدوهم يطلق رصاصاً في الهواء اكثر مما يطلق على الجنود الاسرائيليين، والامر الذي تفشل اسرائيل في استيعابه هو النموذج الذي يختار الفلسطينيون ادارة حربهم من خلاله. وانطلاقاً من اقرارهم بضعفهم التقليدي الدائم، يشعر انصار عرفات بأنه لا توجد حاجة لاظهار مقاومة عنيفة للقوات الاسرائيلية، فهم ببساطة ينتظرون مرور العاصفة بينما يحضرون لدفعة اخرى من «الاستشهاديين» وتتلقى عائلات الانتحاريين الآن اكثر من ضعف التعويض المالي الذي تتلقاه عائلات اولئك الذين قتلوا بوسائل اخرى، وبتعزيز روح البطولة المعارضة بشكل جوهري للروح السائدة لدى الاسرائيليين، فإن حرب التحرير الفلسطينية قد رفعت من منزلة الانتحاري الى اعلى مراتب الشجاعة والتفاني في خدمة القضية الوطنية. ان سوء فهم الاسرائيليين للطريقة الفلسطينية الجديدة في الحرب قد يعود ليلازمهم كالشبح، ومن المحتمل ان يؤدي تصورهم لضعف عدوهم الى زيادة جرأتهم وتشجيعهم على القيام بعمليات انتقامية اوسع رداً على هجمات مستقبلية، ولكن الردود العسكرية الاسرائيلية ستؤدي في النهاية الى استنزاف نفسها، في حين سيكون لايزال لدى الفلسطينيين فيالق من «الاستشهاديين» المستعدين للقيام بواجبهم. وفي الواقع انه، وعلى الرغم من لغة التحدي الاسرائيلية التي تصر على انه لن يكون هناك استسلام للارهاب، إلا ان المرء يمكنه ان يرى العكس يحدث. فالاسرائيليون مستعدون لدفع ثمن اقتصادي ودبلوماسي عال بشكل متزايد مقابل فترات قصيرة من الهدوء. ونتيجة لذلك، فإن المزيد ثم المزيد من الاشخاص يدعمون الوصفات العلاجية مثل الفصل من جانب واحد ـ أي بناء جدران وأسيجة ومناطق عازلة لحماية المراكز السكانية في اسرائيل من الغضب الفلسطيني. ما من شك ان الفصل من جانب واحد سيجعل تغلغل الانتحاريين الى اسرائيل أكثر صعوبة ولكنه ايضا سيزيد من مكانتهم في عيون الكثيرين في المنطقة. وسينظر الى الانتحاريين، على نحو صائب، بأنهم المحفز الذي اخرج الاسرائيليين من أرض محتلة مجدداً، وستتحلى سنوات الألم التي تحملها الفلسطينيون باحساس حقيقي بالنصر. وستعيد سياسة الجدار العازل الاسرائيلية التي ينظر اليها باعتبارها انسحابا، التأكيد للفلسطينيين بأن الحرب نجحت حيث فشلت الدبلوماسية. وعلاوة على ذلك، فإنه وكما هو مدرك حالياً، فإن عزل المناطق بالجدران لن يسهم كثيراً في تخفيض مظالم الفلسطينيين، فبصرف النظر عن مدى طول السياج، على سبيل المثال، فإن العشرات من المستوطنات اليهودية المنتشرة على تلال الضفة الغربية ستبقى بالضرورة خارجه، وبحسب استطلاعات حديثة للرأي، فإن ثلثي الاسرائيليين يؤيدون ازالة المستوطنات المعزولة والتي يتعذر الدفاع عنها لجعل عملية الفصل اكثر قابلية للتطبيق. إلا انه وعلى الرغم من هذه الآراء، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قد كرر رفضه تفكيك ولو مستوطنة واحدة. وقال في حديث له مؤخرا: «ان مصير نتساريم هو مصير تل أبيب» وذلك في اشارة الى المستوطنة الصغيرة المحصنة في قطاع غزة والتي كانت هدفا لهجمات فلسطينية متكررة. ولهذا، فقد وجدت اسرائيل نفسها عند منعطف حاسم في تاريخها، ولكنه منعطف لا يبدو أي طريق ينطلق منه جذاباً بشكل خاص. وعليها ان تجد طريقة ما للدفاع عن نفسها ضد عدو متحمس لالحاق الأذى بها لدرجة انه مستعد لجلب المعاناة والموت على نفسه في خضم العملية. ومن المستبعد ان ينجح الانتقام، ولكن الانسحاب يمكن ان يجلب شيئاً من هذا القبيل على الأقل. وإذا كان هناك أي مخرج من هذا المأزق، فإنه قد يكمن في اقناع الفلسطينيين بأن أهدافهم البناءة يمكن تحقيقها فقط من خلال التخلي عن استراتيجيتهم المدمرة. وسيتعين على اسرائيل بالتالي ان تبدأ بتطبيق سياسة تكافيء الفلسطينيين على مكافحتهم الحقيقية للارهاب وتجنب أية سياسة تغذّي المفهوم القائل بأن الارهاب ينجح في تحقيق أهدافه. ترجمة: ضرار عمير عن «فورين أفيرز»