«نظام الوقف» من النظم الاجتماعية الأصيلة ذات الأبعاد المتشعبة التي عرفتها مجتمعاتنا العربية والاسلامية ومارستها بانتظام منذ فجر الاسلام الى العصر الحديث، وقد اسهم هذا النظام كثيراً بدور فعال في بناء صرح الحضارة الاسلامية والمحافظة عليها على مر العصور. وفي كتابه «الأوقاف والسياسة في مصر» والصادر عن دار الشروق بالقاهرة يبحث المؤلف د. ابراهيم البيومي غانم في نظام الموقف من حيث اصله الشرعي وبنائه المؤسس وتطبيقه الاجتماعي واثره السياسي وتأثره هو بالسياسة وذلك من منظور «العلاقة بين المجتمع والدولة» وعبر وقائع تطور هذه العلاقة وتحولاتها في تاريخ مصر الحديث والمعاصر على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وبنظرة عامة في السجل التاريخي لنظام الوقف في مجتمعاتنا نجد انه من حيث فكرته المعنوية «الصدقة الجارية» ومن حيث أصوله المادية «الأرض والعقارات» يعد قاعدة صلبة من قواعد بناء مؤسسات المجتمع ودعم مرافق الخدمات العامة لذا نجد ان نظام الوقف ارتبط بمجموعة كبيرة من الانشطة والمؤسسات والمشروعات. والوقف وجمعه أوقاف ـ كما يحدد المؤلف ـ هو في شريعتنا وفقهنا عبارة عن مال يخرجه صاحبه من ملكه ويجعله على حكم ملك الله تعالى ويخصص ربحية الانفاق في وجوه البر الخاصة والمنافع العامة. اهو طبقاً لتعريفه الاصطلاحي عبارة عن: «حبس العين عن ان تكون مملوكة لأحد من الناس وجعلها على حكم ملك الله تعالى والتصدق بريعها على جهة من جهات الخير في الحال او في المال» والوقف بهذا المعنى هو وليد فكرة مجردة عبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في كلمتين اثنتين وردتا في حديثه الذي قال فيه: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث» وذكر ان اول الثلاث: «صدقة جارية» واشتهرت هذه الصدقة باسم «الحبس» ولا يزال يطلق عليها هذا الاسم حتى الآن في بلدان المغرب العربي ثم صارت اكثر شهرة في مصر باسم «الوقف» وبمرور الزمن اصبح الموقف نظام متكامل الاركان من اهم خصائصه انه موصول بسبب الى يوم الناس الذي يعيشونه في الحياة الدنيا وبسبب الى يوم الدين الذي ينتظرهم في الحياة الآخرة. وفي تناوله للكتاب ركز د. ابراهيم البيومي على جانبين اساسيين الاول يختص بتأصيل الوقف من حيث اسسه الشرعية واحكامه الفقهية التي شيدت نظامه وذلك عن طريق ايضاح معالمه كنشاط مؤسسي ينبع من صميم الحيز الاجتماعي وينمو فيه ويؤثر على الحيز السياسي ويتأثر به. اما الجانب الثاني فهو يختص بدراسة تطبيقية للوقف وتحويلها من واقع ممارسة محددة من حيث المكان والزمان. معالم التكوين في الفصل الاول من الكتاب يوضح المؤلف كيف ارتبطت نشأة الوقف الاسلامي في مصر بنشأة نظام الولاية الاسلامية فيها وذلك بعد زوال سلطة الحكم البيزنطي وفتح مصر على يد عمرو بن العاص الذي يعد جامعة اول وقف في مصر الاسلامية. وتذكر المصادر التاريخية ان قيس بن كلثوم قد تصدق به ليكون مسجدا للمسلمين وقد حظي نظام الوقف خلال تلك الفترة بالقبول لدى أهل البلاد اذ لم يمض زمناً طويلاً حتى اتسع نطاق الممارسة الاجتماعية له ومن ثم نمت قاعدته الاقتصادية واخذ في التطور من حيث ادائه الوظيفي وتنظيمه الاداري لنمط اساسي لضبط علاقته بالسلطة الحاكمة. ويذكر المؤلف في نهاية الفصل اهم سمات التكوين التاريخي للأوقاف في مصر من منظور علاقتها بالسياسة وهي: سمة التأسيس.. سمة الاستقلال.. سمة اللامركزية. وفي الفصل الثاني من الكتاب «التأسيس الاجتماعي للأوقاف في مصر الحديثة وابعاده السياسية» يتناول المؤلف ثلاثة موضوعات رئيسية الاول يوضح بواعث التأسيس والمؤثرات التي احاطت به في المراحل المختلفة من تاريخ التطور السياسي والاقتصادي لمصر الحديثة حيث اشار المؤلف الى ان عملية تأسيس الأوقاف في مصر الحديثة تأثرت بنوعين من المؤثرات: الاول منهما: «معنوي» يتمثل في الوازع الديني والثاني «مادي» ويقصد بها مجمل الاوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية وبصفة خاصة تلك التي شكلت نمط الملكية في المجتمع ورسمت حدود الحرية المتاحة للتصرف فيها بدون تدخل جانب السلطة الحكومية. اما الموضوع الثاني في هذا الفصل فهو متعلق بحجج انشاء الاوقاف حيث اوضح المؤلف ان حجة انشاء الوقف عبارة عن سند مكتوب يفصح عن تفاعل البواعث المعنوية مع المؤثرات المادية في انشاء الوقف في لحظة زمنية معينة ليؤدي غرضاً ضمن السياق الاجتماعي العام.. ويتكون النموذج الأساسي لحجج الاوقاف من عناصر هي: الاستهلاك، توثيق الحجة، مجلس الاشهاد، اعيان الوقف، الانشاء، شروط الواقف، الخاتمة والأختام والتواقيع. ويشير المؤلف في الجزء الثالث من الفصل الثاني. التكوين الاجتماعي والاقتصادي للأوقاف وتطوره في مصر الحديثة الى ان الاوقاف قد انتشرت على مستوى الممارسة في مختلف اجزاء النسيج الاجتماعي في مصر ولم تنحصر في مستوى اجتماعي او اقتصادي ما والسبب هو ان الوقف في اساسه ليس ممارسة اقتصادية فحسب انما هو في اساسه عبارة عن نزعة روحية ـ أخلاقية نابعة من القيم التي حض عليها الاسلام وبعبارة اخرى فإن الوقف لم يكن ظاهرة طبقية بل انه نظام انساني ضد الطبقية لذا نجد ان جماعة الواقفين او منشئي الأوقاف جاءوا موزعين على مختلف درجات السلم الاجتماعي من ادناه الى اعلاه او من المحكومين ومن الحكام طوال تاريخ مصر الحديثة باستثناء وحيد هو انقطاع اعضاء السلطة الحاكمة من الوقف وخروجهم من جماعة الواقفين منذ قيام ثورة يوليو 1952. واشار المؤلف الى ان عملية التكوين الاقتصادي للأوقاف قد اتسمت بالتراكم المستمر الى ما قبل عام 1952 وذلك اما نتيجة لاضافة اوقاف جديدة او نتيجة لشراء اعيان من الاراضي والعقارات بأموال البدل او من فائض ريع الاوقاف الاصلية والحاق تلك الاعيان بها. اما بعد سنة 1952 فقد تضاءل الاثر التراكمي في عملية التكوين الاقتصادي للأوقاف وخاصة بعد حل الوقف الاهلي ومنع انشاء المزيد منه وصدور قوانين اخرى تتيح لوزارة الاوقاف (المصرية) حرية التصرف في أموال البدل وفي فوائض ريع الأوقاف الخيرية. التعليم والثقافة وفي الفصل الثالث من الكتاب: «السياسات الأهلية للأوقاف في مجال العبادة وبناء مؤسسات العلم والثقافة في مصر الحديثة والمعاصرة يحاول المؤلف استخلاص وتحليل السياسات الأهلية التي كانت تمارس من خلال نظام الوقف مستندة الى قاعدته المادية والى فكرته المعنوية المجردة كأساس للتعبئة وذلك في مجال العبادة وخاصة أوقاف المساجد وما يلحق بها وكذلك في مجال بناء مؤسسات العلم والثقافة بنظامها الموروث وفي مجال دعم مؤسسات التعليم الحديث ونشر الثقافة العامة في مصر ففي هذا المجال اشار المؤلف الى ان سياسة الوقف قد استمرت طوال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا وأن تلك السياسة قد اهتمت في المقام الأول بمؤسسات منظومة التعليم الموروث المتمثلة في الكتاتيب والمعاهد والأزهر الشريف كما اهتمت ايضا ولكن بدرجة أقل بمؤسسات منظومة التعليم الحديث مع محاولة ادخال بعض التجديدات في نظام الوقف من حيث تطوير الاغراض التقليدية التي درج عليها طوال العصور السابقة. واشار المؤلف الى ان الفترة التي تلت الاحتلال البريطاني لمصر حتى نهايات العهد الملكي هي الفترة التاريخية التي شهدت قمة ازدهار «سياسة الوقف» في مجال التعليم الموروث والحديث بالاضافة الى التوسع في توظيف الوقف لخدمة أهداف التحرر من الاستعمار وللمحافظة على الثوابت الوطنية. وكانت الفترة التي ضعفت فيها قوة الدولة هي التي شهدت ظهور العديد من نماذج الوقف التي دعمت المجال المشترك بين المجتمع والدولة وصارت المشاركة بالوقف من اهم آليات المجتمع ليس في مجال بناء مؤسساته الخاصة وتحقيق العديد من الأهداف المعنوية والمادية فحسب وانما في التصدي للتحدي الاستعماري ايضا والحد من تغلغل نفوذه الثقافي والاقتصادي في البلاد وبرزت في ذلك السياق الوقفيات الجماعية التي دعمت التعليم ومؤسسات بمختلف مستوياته في الوقت الذي كانت سلطات الاحتلال تسعى للحد من انتشار التعليم في مصر بصفة عامة. الحركة الوطنية ومن خلال دراسة وبحث وثائق الأوقاف في مجالات: التعليم.. والثقافة العامة.. الصحة.. الاشغال العامة.. مؤسسات الرعاية الاجتماعية اشار المؤلف في الفصل الرابع: «سياسة الوقف وأعمال التضامن الاجتماعي» الى ان اهل مصر قد لجأوا الى نظام الوقف وقاموا بتوظيفه في دعم حركة التحرر الوطني منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى مطلع الاربعينيات من القرن العشرين وذلك بشكل صامت وفي صورة رائعة من صور الجهاد ضد الاحتلال الاجنبي وللحد من نفوذه في مجالات: القانون.. القضاء.. الاقتصاد وقد تركز هذا الجهاد الصامت على فكرة الوقف وتوظيفها ليس فقط لمقاطعة الاجانب وكف ايديهم عن نهب ثروات مصر وانما ايضا لمقاطعة القوانين الاجنبية التي وفدت اليها وعدم الاعتراف شعبيا بالامتيازات الاجنبية التي تمتع بها الاجانب. واوضح المؤلف أنه فيما بين وقوع الاحتلال البريطاني لمصر 1882 وثورة 1919 كان الاقبال على الوقف أحد مظاهر حيوية المجتمع وقوته واشار المؤلف في ذلك السياق الى الوقفيات ذات الدلالة المهمة.. وقفيات كل من على باشا شعراوي وسعد زغلول وعبدالعزيز باشا فهمي فقد قام ثلاثتهم بتمويل ممتلكاتهم الى اوقاف وخصص كل منهم ربع وقفيته للانفاق على اغراض خيرية واخرى اهلية. وفي الفصل الأخير من الكتاب: تطور السياسات الحكومية تجاه الاوقاف قام المؤلف بتحليل تلك السياسات التي ادت الى القضاء على استقلالية نظام الاوقاف وألحقته بالحيز السياسي للسلطة الحاكمة التي جففت منابعه الاجتماعية فتناول سياسة الادماج الاداري داخل جهاز الدولة مع التركيز بصفة خاصة على عملية التوسع في الاشراف الحكومي على الاوقاف وما صاحبها من تطور مؤسسي ووظيفي لوزارة الأوقاف «المصرية» باعتبارها الاداة الحكومية الرئيسية التي تمت من خلالها عملية الادماج الاداري ثم تناول المؤلف الجدل الذي دار حول نظام الوقف خلال النصف الأول ن القرن العشرين من ناحية وسياسة الضبط القانوني لنظام الاوقاف من خلال التشريعات التي اصدرتها الدولة الحديثة وكيف ادت هذه السياسة الى استبدال قانون الدولة بفقه الأوقاف من ناحية اخرى. واخيرا تناول عملية تسييس نظام الاوقاف ومؤسساته لخدمة السياسات العامة للدولة. الكتاب: الاوقاف السياسية في مصر المؤلف: د. ابراهيم البيومي غانم الناشر: دار الشروق ـ القاهرة ـ 1999 عدد الصفحات: 515 صفحة.