لقد تميز القرآن بدعوته الى اعمال العقل والتدبر سبيلا الى ادراك صدقه وأنه حق لا مرية فيه اي اتاح لكل عاقل ان يتبين صدق القرآن وصدق نسبته الى الله بنفسه وعقله، بعد ان يسر القرآن لذلك فقال: عز وجل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وقال سبحانه وتعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) وقال عز من قائل: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وقال تبارك وتعالى: (كتاب أنزلناه اليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)..! وأول ما يدعونا القرآن الى تدبره والتفكر فيه ما اشار اليه من ايات الله في كونه، الذي هو كتاب وقرآن مفتوح يدل على صحة النسب الالهي للقرآن الكريم، اذ لا يعلم اسرار الكون التي اشار اليها القرآن الا خالق الكون من عدم ومنزل القرآن على النبي الامي، ودعا الانسان الى تبين هذه النسبة واكتشافها بعقله ولبه فقال عز من قائل: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى ان يكون قد اقترب اجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) وقال سبحانه وتعالى: (أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماءً مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج).. وامتدح رب العزة من يلقى بنظره وعقله الى آيات الله، ووصفهم بالفكر والعقل والعلم، فقال عز وجل: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) وقال سبحانه وتعالى: (ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لقوم يتفكرون) وقال عز وجل: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون. ان في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) او في قوله جل وعلا: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ان في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته ان تقوم السماء والأرض بأمره. ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم). ومن هنا نجد القرآن ذاته يطلب من الانسان ان يحاول اكتشاف نسبة القرآن الالهية الصحيحة فضلا عن تدبر آياته المكتوبة بين دفتي المصحف باستقراء آيات الخلق وبراهينه على الخالق الباريء المصور سبحانه وتعالى يقول: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). فإذا لجأ العلماء في الفلك مثلا الى استجلاء حقائق الفضاء، فيما يتصل بالمجرات والنجوم ومجموعاتها وكواكبها وأقمارها وشهبها ونيازكها ثم ما يتصل بالكرة الأرضية ومجموعتها الشمسية وقمرها وغلافها الجوي وسحبها وأمطارها وغير ذلك، فيكونون بذلك قد أطاعوا أمر الله وبحثيا عن الحق. واذا قام علماء البيولوجيا او الفسيولوجيا بالبحث عن الحق في تكوينات الاجسام الحية وخلاياها ووظائفها وكشف أسرارها وما يحفظها وما يفسدها. يكون اولئك دون ريب قد اطاعوا ربهم في استكناه أسرار الوجود الانساني التي لم تكن معلومة لأحد من قبل. وكشف عنها البحث شيئا فشيئا..!! وهكذا نجد ان البحث العلمي في آفاق الكون وطباق الارض وكيان الانسان طاعة وليس معصية يساء الى من يقوم بها ويسوء الناس فعله، وانما يجب ان يشكر جهده ويعظم على رؤوس الاشهاد، بأنه يدل الناس على عظيم فضل الله وبديع صنعه..! وبديهي ان مثل هذه الدراسات قد يقوم بها، وقد قام بأغلبها غير المسلمين في الشرق او في الغرب لسبقهم العلمي ووفرة الامكانات المادية والتقنية التي لا توجد بأيدي المسلمين الذين تخلف بهم الزمن وان كان ذلك في حد ذاته شاهدا على انتقاء الغرض فيما توصل اليه أولئك العلماء من نتائج لا سيما ان اكثر العلماء الذين تحققت على أيديهم نتائج تؤيد الاشارات القرآنية دون علم منهم، لم يكن واردا في حسابهم انهم بذلك يؤكدون صدق القرآن، او يعطون البرهان على صدق النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن متضمنا اشارات الى حقائق علمية لم تخطر على بال احد من الجيل الذي عاصر نزول القرآن او الذي يليه او الذي يليه..! ونبينا صلى الله عليه وسلم كان اميا لا يقرأ ولا يكتب وهذه حقيقة ثابتة مما يدحض كل من زعم بأنه تعلم قرآنه عن رجل من أهل الكتاب والا فأين في كتب اهل الكتاب ما يشير الى هذه الاشارات العلمية الموجودة في القرآن مما يدل على نسبتها الى منزل القرآن سبحانه وتعالى وليس البشر..! وغني عن البيان ان المسلمين الاوائل آمنوا بالقرآن ورسول القرآن ايمانا صادقا تفتحت عليه القلوب دون بحث عن مؤيدات أو التماس براهين على صدقه سوى اعجازه في ذاته اذ ان آياته المحكمة البينة تقرر انه منزل من حكيم يخاطب عقل الانسان وقلبه ووجدانه ببناء منطقي وبياني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..! غير أننا وفي عصورنا الأخيرة اصبح القرآن بحقائقه لا يخاطب قوما مهرة في علوم البلاغة العربية سيعجزهم بمنطقه اللغوي المعجز، وانما سيخاطب اقواما ليسوا عربا بالمرة، وهنا رغم ان القاعدة انه كتاب تشريع ونظم وأخلاق ومعاملات أسست على نوره حضارة لا تجد مانعا يحول دون عرض اشاراته الى الحقائق المستقرة علميا لدى علماء بني الانسان، كإشارته مثلا الى اثر عسل النحل في شفاء بعض الامراض شفاء حاسما، او اثباته لاضرار الجماع وقت الحيض او اشارته الى مراحل خلق الجنين في رحم أمه، او ذكره ان الماء هو اصل الحياة وقوامها، أو ذكره ان الرياح هي التي تنقل حبوب اللقاح في النبات من المذكر الى المؤنث، او ذكره ان الجبال تدور مع الأرض حين تدور حول نفسها، او ذكره ان الشمس ضياء وأن القمر نور، او ذكره ان الجبال هي أوتاد الأرض لحفظ اتزانها، او ذكره لأمواج البحار وطبقاتها وظلامها الدامس، او ذكره لالتقاء مياه البحار المختلفة مع مياه المحيطات او التقاء البحار والأنهار، او ذكره لسبب حدوث البرق من السحاب وذلك عند التأليف والالتحام بين السحاب والسحاب، او ذكره لحدوث الصدع بالأرض لاخراج ما يعتمل بباطن الأرض من صهار وحمم تخرج من هذا الصدع كبركان، او ذكره واشارته الى نزول الحديد من اجرام الفضاء الخارجي عن الأرض، او حتى اسرار تشريعاته العلمية كتحريمه لأكل لحم الخنزير او الميتة او الدم او شرب الخمر او نكاح المحارم او حتى ذوي القرابة المكتسبة عن طريق الرضاع ودخول لبن الأم المرضع جسد الاطفال في سنيهم الأولى لتتكون في أجسادهم امشاج واحدة، او اشارته الى تميز كل انسان وانفراده ببصمة اصابع يده عن غيره حتى لو كان توأمه، وكذلك اشارته الى اختلاف اصوات الناس ايضا كاختلاف الاصابع ومن أجل ذلك نشأت بصمة الصوت، وغير ذلك كثير من الاشارات العلمية التي أوردها القرآن واكتشف العلم الحديث ان هذه الاشارات تدل على حقائق علمية مؤكدة وليست فروضا او تخمينات وبذلك تتأكد صحة النسبة الالهية للقرآن الكريم لان من نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم لم يكن يستطيع الاتيان بهذه الحقائق من عند نفسه، ولابد انها من عليم خبير، خلق الكون كله بأسراره التي يكشف عنها بقدر ما يستدل الانسان منها على الخلق والخالق وابداعاته وان هذا القرآن منزل منه بالحق ومن ثم يكون لا مناص من الايمان به والاهتداء به تشريعا والتسليم به دستورا، وهذا هو ما بشر به الحق تبارك وتعالى اذ يقول: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ويقول عز وجل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)..! فإذن تأكيد العلم الحديث لإشارات القرآن شيئا فشيئا هو قدر مقدور لإحقاق الحق وتأكيد النسب الالهي للقرآن، في عصر يموج بالعديد من الافكار المضادة للأديان عموما وللاسلام بخاصة وبذر الاتهامات جزافا حوله، وصدق الحق تبارك وتعالى حين قال: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. علي عيد