في الخامس والعشرين من اغسطس عام 79 للميلاد قام العبيد في منزل فخم يقع في مدينة هيركيولانيوم بانقاذ ما يمكن انقاذه عندما ثار بركان فيزوفيوس واخذ يقذف سيلاً من الحمم الطينية، لم يعر العبيد، اي اهتمام بالتماثيل البرونزية للاباطرة والرياضيين والفلاسفة التي تزين اكبر المنازل التي كانت تنتشر حول خليج نابولي، فقد كان اهتمامهم منصبا على صندوقين خشبيين، احدهما صغير والآخر كبير، لدرجة انهم قاموا بحملهما عبر ساحة البهو المحاط بالاعمدة، وهم في طريقهم ربما الى الشاطيء، ولكنهم اضطروا هنا وسط الاعمدة الرخامية ان يتخلوا عن الصندوقين ويهربوا للنجاة بحياتهم. وفي التاسع عشر من اكتوبر عام 1752 للميلاد، عثر علماء الآثار الذين كانوا يشقون نفقاً عبر المنزل بأوامر من ملك البوربون في نابولي تشارلز الثالث ـ عثروا على الواح غريبة الشكل تشبه قطع الفحم بالقرب من صناديق التعبئة المتفحمة، القطعة الاولى تم رميها في البحر، ثم تم العثور على المزيد منها، فأعاد عمال الحفر تفكيرهم في الامر.. وانكسر واحد من الالواح فكانت آثار الكتابة بادية في الداخل، وادرك عمال الحفر ان هذه القطع هي لفائف من ورق البردى تفحمت ولكنها لم تدمر عندما غمرتها موجات الحمم الطينية، وان هذا الطين نفسه الذي تصلب بعد ان برد، هو الذي حفظها. كانت تلك الالواح التي تم التعامل معها بخشونة من قبل الحفارين البوربويين، الذين نقبوا في جزء واحد من المنزل، هي أوراق البردى الاولى التي يتم اكتشافها من العالم القديم.. واصبح المنزل يدعى منذ ذلك الحين بـ «فيلا البردى»، ومع مرور السنين، اتضح ان الالواح كانت تحتوي على اعمال مفقودة لشعراء وفلاسفة، ومعظم النصوص التي فكت شيفرتها كانت باليونانية، ولكن نظراً لان الفيلل الرومانية ذات المكانة المشابهة كانت تضم في الغالب مكتبتين يونانية ولاتينية فإن من المحتمل ان تكون هناك اسرار اخرى بانتظار ان يتم اكتشافها. وفي الوقت الذي تربض الفيلا من القرن الاول قبل الميلاد في وضع مهمل، فإن تحالفاً يضم ثمانية من أبرز الاكاديميين البريطانيين والأميركيين ينظمون حملة للقيام بعملية تنقيب فورية، ويعتقد هؤلاء الاكاديمين ان الطين الجاف الذي لايزال يملأ الجزء الاكبر من القصر يحمل في جوفه مكتبة مفقودة ستسمح لنا كنوزها بقراءة أعمال ادبية مجهولة بالنسبة لنا منذ 2000 عام. نسخ معاصرة وكتب الاساتذة رسالة الى صحيفة «التايمز» في مارس الماضي يقولون فيها: «يمكننا ان نتوقع العثور على نسخ معاصرة بحالة جيدة من روائع معروفة واستخراج اعمال غابت عن البشرية طوال الفي عام، كنز ذو اهمية ثقافية عظيمة لايمكن تخيله» ويقولون ايضا انه لا يوجد مكان آخر في العالم يعطي فرصة أكبر لاكتشاف المسرحيات المفقودة لسوفوكليس ويوريبيدس والحوارات المفقودة لارسطو وغيرها الكثير من الاعمال الادبية لكتاب معروفين وربما لاشخاص لم يسبق لاحد ان سمع بوجودهم. تستمد المكتبة المفقودة اهميتها من كونها شاهداً على ثقافة حضارتين من اعظم الحضارات في العالم، ويقول روبرت فاولر، استاذ اللغة اليونانية في جامعة بريستول، في اجابته على سؤال حول ما يعنيه فقدان هذه النصوص: «تخيل اننا عرفنا مكاناً يحتمل ان يحوي 50 مسرحية جديدة أو حتى اكثر من مسرحيات شكسبير. ولكن لسبب أو لآخر، لانها مكلفة جداً أو لأن الوصول اليها صعب، اتفق الناس على تركها في مكانها. وافترض انه، وبينما لم نفعل شيئاً، ومع مرور الوقت، قدر لنا ان نفقد كل تلك المسرحيات، فإن الاجيال المقبلة ستحكم علينا بقسوة أليس كذلك؟! ان لوائح البردى الموجودة في «بلازو ريال»، وهو مسكن ملوك البوربون، تبدو مثل قطع خشنة من الفحم، وهي لا تثير الاعجاب ابداً إلا اذا اقتربت منها بما فيها الكفاية بحيث تفهم الخطوط الصغيرة التي تظهر ان كل واحدة منها عبارة عن لفافة من الورق المتفحم، وهي ملفوفة باحكام ومحترقة بشكل كبير، بحيث يبدو من المستحيل فكها وتؤكد الاستاذة فرانشيسكا لونجو اوريشيو، التي تشرف على المسكن، ان الامر مستحيل بالفعل، فهذه اللفائف هي الاسوأ في المجموعة، ولا نملك المعرفة اللازمة لفتحها. ونظراً لان الرطوبة هي العدو اللدود للبردى، فإن معظم اللفائف التي عثر عليها جاءت من مناطق صحراوية مثل مصر. غير ان القليل منها هو الذي عثر عليه، وجميع النصوص التي لدينا من الاعمال الادبية القديمة تم نسخها عبر العصور، والاعجوبة في «فيلا البردى» هي ان ثوران بركان فيزوفيوس الذي دمر مدينة بومبيي وهيركيولانيوم انقذ اوراق البردى، وفي هيركيولانيوم، عملت الحمم الطينية المتحركة بسرعة 60 ميلاً في الساعة وبدرجة حرار 300 درجة مئوية على تفحيم ودفن اللفائف في آن واحد عملياً. تتألف مجموعة نابولي من 1826 جزءاً، يقدر بأنها تشكل قسماً من 800 لوح من البردى، تم تدمير معظمها عندما استخدم علماء البوربون السكاكين لقطع اللفائف، التي يعود اقدمها الى القرن الثاني قبل الميلاد، وهي مصنوعة بنفس الاسلوب الذي تبناه الفراعنة، فهي مؤلفة من الواح بقياس 7 x 8 بوصات موصولة ببعضها البعض الى طول 10 ياردات، وفي وسط كل لفافة قضيب خشبي يحمل اسم المؤلف وعنوان العمل باللاتينية أو اليونانية، ومعظم اللفائف التي تم فك رموزها هي للمفكر والشاعر الاغريقي فيلوريموس الذي عاش في القرن الاول قبل الميلاد. ضرار عمير