للوهلة الأولى لا يمكن تصديق قصة حياة هذه المرأة التي شهدت الصحارى الصومالية طفولتها الأليمة وشهدت عاصمة الضباب، أوج تألقها حيث غدت من أشهر وأثرى الكتاب في لندن بعد ان كانت تعيش في بادية الصومال، انها الكاتبة وعارضة الأزياء سابقاً واريس ديري التي هربت من عائلتها وهي لم تتجاوز بعد الثالثة عشرة من عمرها كي تتجنب الزواج من شخص كان عمره يناهز عمر جدها. وبعد ان غادرت الصومال، وصلت ديري إلى لندن لتعمل كخادمة لأحد أقاربها الاثرياء هناك، ثم اشتغلت عاملة تنظيف في أحد المطاعم، قبل ان تصبح عارضة أزياء شهيرة، ثم احدى فتيات جيمس بوند ثم سفيرة خاصة للأمم المتحدة قبل ان ينتهي بها المطاف كواحدة من أشهر مؤلفات لندن التي تسجل اعمالها أفضل المبيعات، مثل كتابها الأخير «فجر الصحراء» الذي صدر في بريطانيا مؤخراً. وديري تعتبر من السيدات اللواتي من الصعب فهمهن من أول وهلة، فهي تقول انها لا تعرف سنها على وجه التحديد لأن أهلها لا يهتمون بمثل هذه الأشياء، ومنظرها الخارجي يعطي لك شعوراً بالجمال الدفين والحرية، وكذلك بعض القوة النابعة من واقع تربيتها في البادية. وتمتلك ديري قدراً كبيراً من الجاذبية النابع من قدرتها على تحدي الصعوبات التي قابلتها والتغلب عليها، وتصف ديري هذا الأمر «بقوة الروح» وتقول في هذا الشأن «على المرء ان يؤمن بقدراته وحينذاك لن يقف شيء أمامه». تلك القوة هي التي ساعدتها على البقاء وساندتها عندما كانت على شفا الموت حين هروبها في الصحراء التي كانت تعيش بها وساعدتها في مواجهة المصاعب التي مرت بها في عملها في مجال عرض الأزياء. كتبت ديري عن كل تلك الصعوبات والمحن في كتابها «زهرة الصحراء الصومالية» الذي كان بمثابة سيرة ذاتية لحياتها وبيعت منه عند نشره عام 1998 حوالي 1.75 مليون نسخة، وتصدر الكتاب بذلك قائمة أفضل الكتب مبيعاً في بريطانيا وقتها. وفي كتابها الأخير «فجر الصحراء» كتبت ديري عن رحلتها المرعبة العام الماضي للبحث عن أمها التي تعيش في قرية فقيرة في الصومال. وتؤكد ديري انها تجد غذاءً روحياً في الشجاعة التي تتمتع بها عائلتها وكذلك روح الدعابة والاخلاص الموجود بين أفراد العائلة على الرغم من المصاعب التي يواجهونها في هذا البلد الافريقي الفقير. وكتبت ديري عن المعاناة الشديدة والفقر المدقع الذي يعانيه الشعب الصومالي، وكذلك المشكلات التي يتسبب فيها الأسلوب المعيشي السائد بين القبائل الصومالية والاتجاه إلى التقوقع الذي يتبع من قبل أفراد تلك القبائل والذي يُبقي على حالات الانقسام والفرقة التي يعاني منها البلد بوجه عام. ومن أشهر الاشياء التي تضيق بها ديري ذرعاً هو ان المرأة لا تتمتع إلا بالنزر اليسير من الحقوق، ويهيمن عليها الرجل بشكل كامل. وتقول ديري ان الأمر الآخر الذي يساعدها على التحدي الآن هو ابنها أليك البالغ من العمر خمسة أعوام والذي تصفه هي بأنه «نور حياتي» فبعد ان انفصلت عن أبيه تعيش ديري الآن معه في ويلز، وتقول انها غير متيقنة من مستقبلها وما إذا كانت ستستمر في بريطانيا أم لا، فالحياة كما تصفها بالنسبة لها عبارة عن رحلة يداوم فيها المرء على التنقل، «فأنا بعد كل شيء بدوية في الأصل».