جلست ماركريت مسكيني على أحد الكراسي في حجرة الدراسة بجامعة ستانفورد على مبعدة آلاف الأميال من بيتها في بلفاست بعينين مغلقتين وهي تلتقط أنفاسها، بقوة. فالأم الايرلندية البالغة من العمر 69 عاماً فقدت ابنها في الصراع الدائر بشمال ايرلندا قبل أكثر من عشرين عاماً. أطلق النار على ابنها الشاب وكانت الاصابة في مؤخرة رأسه. وفي كل يوم، منذ ذلك الوقت، تفكر الأم المفجوعة في شئون الحياة قليلاً ما عدا مسألة مقتل ابنها الذين اردوه قتيلاً، فهذه المسألة هي شغلها الشاغل. وبعد أن أمضت أكثر من عقدين من السنين مثقلة بالحزن الشديد وبفكرة الثأر لابنها من قتلته، تعلمت ماركريت مسكيني ان تصفح عن قتلة ابنها. ليس هذا فقط، بل تعلمت ذلك مع أُمين تجلسان معها في الحجرة. وكل منهما قد قُتل ابنها ـ مثلها ـ في الصراع. النساء جميعهن سافرن من شمال ايرلندا ليأخذن درساً في (فن الصفح وعلمه) على يد الباحث والعالم النفسي بجامعة ستانفورد الدكتور فردريك لوسكين. وقد قيّم الأخير ما يعتبره معظم الناس فضيلة غامضة ـ أي فضيلة الصفح أو الغفران ـ ورفعها إلى مهارة يمكن تعلمها. وهو قد درسها في الحلقات الدراسية الحرة وصفوف الدراسة لعدة سنين مضت. يصل الطلاب الى حجرة درس الدكتور لوسكين وهم يحملون بجهد شكاواهم من محبيهم غير المخلصين، آبائهم المتعسفين، مستخدميهم المزعجين. أصدقائهم القساة. وبعضهم ـ مثل النساء القادمات من شمال ايرلندا ـ يحمل أعباء ثقيلة. ولوسكين نفسه جاء الى هذا العمل ليعالج حقده الخاص الذي بزغ منذ زمن بعيد. يقول: «عندما تزوج صديقي الأثير لديّ من امرأة لم ترتح إليّ فإن صديقي قد تخلى عنّي. لقد كنّا مثل أخوين. وكان تخلّيه عنّي امراً معذباً لي». هكذا غاص لوسكين في كآبة حادة استمرت سنوات. يقول: لقد سمحتُ لشيء قد حدث في عام 1989 ليقّدم لي يوماً أسود عام 1993. وكنت طبيباً نفسياً! تُرى: لماذا لم أصفح عنه لأمضي في طريقي؟». لم يكن لوسكين مقتنعاً كي يتساءل عن عجزه عن ترك صديقه يفرّ من الصنارة. لقد بدأ يدرس كل شيء يجده عن الصفح والغفران. واكتشف ان الهدف القديم قد مضى دون أن يكون هناك عنه كتاب وصايا. حتى الناس الذين كانوا يرغبون في الصفح غالباً ما كانوا لا يملكون فكرة عن كيفية الوصول إليه. في آخر الأمر، أدرك عن عليه وضع خطة ليتخلص من أحقاده. لقد وضع ذلك بشكل تطبيقي. ونجح في ذلك نجاحاً بيناً. يقول: «رجعت البهجة إلى حياتي». وبدأ يشرك الآخرين، في حجرة الدرس، بما قد تعلمه. وفي الوقت الحاضر فإن ألفي شخص يتلقون دروسه في جامعة ستانفورد. اقتنع لوسكين ان تعلّم التخلص من الشكوى ليس، فقط، يُحسن الصحة العقلية والنفسية، لكنه يغيّر الحياة بشكل واقعي. يقول لوسكين: «ان الخطوة الأولى المهمة باتجاه الصفح أو الغفران هي معرفة من أين يأتي الحقد». لقد ولد الحقد عندما حدث شيء ما: ربما لم تدع الى حفلة أو أن صديقك لم يرد على دعوتك. أنت أخذت الأمر باعتباره أمراً شخصياً ولمت المذنب، وخلقت ما يدعوه لوسكين بـ «قصة شكوى» حول الحادثة. وكلما اعدت سرد القصة في داخل عقلك او اعدت سردها الى الآخرين كلما تعمقت احداث القصة في داخلك واصبح من الصعوبة النظر الى الاشياء بطريقة اخرى. يقول: «عندما نلوم شيئا ما او احدا ما لعدم «ظهورنا» بصورة حسنة، فمن السهولة جدا ان ننزلق في دور الضحية سريعة التأثر، الضحية الضئيلة». وما ان تصبح القصة السلبية ذات مرة، جزءا من حياتك حتى يمكنها ان تقودك الى الشعور الى الارتياب والكآبة والخوف والغضب. هذه العواطف التي يمكن ان تكون خطرة على حياتك. وفي كل مرة يخطر الحقد على البال، فان الجسد، في الحقيقة، يستطيع ان يعيد خلق الاحتباس العاطفي والجسدي المصاحب للأذى الأصلي، حيث تصبح متهيجا، وعرضة لارتفاع الضغط الدموي وللضغط الهارموني. الصفح، على أية حال، يمكن ان يحفظ السلام والتوازن. لكن ما ان يطوق الحقد باحكام مرة حتى يصبح ممكنا العمل على انتزاع الحقد من جذوره. تقول دانا كورتيس من كاليفورنيا بالولايات المتحدة: «ذلك أمر لا يحدث بسهولة، لقد انتظرته كي يجيء. صليت من اجل مجيئه، لكن لا شيء يحدث. وبعد ان انهيت حلقة الدكتور لوسكيني الدراسة الحرة صرت اعتقد ان هذا الشيء ـ اي الصفح ـ تحت سيطرتي، وهكذا في نزاعها الطويل الامد مع زوجها الأول وضعت النظرية في موضع التطبيق. تقول: «لقد غضب زوجي علي منذ اكثر من عشرين عاما واستمر على هذه الحال حتى الوقت الحاضر. ولم يتخلص من ضغينته مطلقا. ولكن اصبحت لدي نظرية الآن. انا ذاهبة للتو لأبدد هذه الضغينة، انا لا أملك أية سيطرة على اصلاح العلاقة ولكني ذاهبة لاختار بقاء قلبي سمحا». رغم كل هذه الحماسة للصفح او الغفران، فان هناك من يحط من قدر هذه المسألة. فالعالمة النفسية الدكتورة جين سافر صاحبة كتاب «اصفح او لا تصفح» المنشور عام 1999 تتخوف من ان الصفح او الغفران يسمح للمذنبين من الهرب من الصنارة، وان اولئك الناس الذين يملكون حساسية عالية يندفعون الى الصفح او يكرهون عليه. يقول د. لوسكين: انه اعتقاد خاطئ ذلك الذي يقول: اذا ما صفحت عن أحدهم فانه ينبغي عليك ان تحب أو تتقبل ما فعله كشيء صحيح. والاعتقاد الخاطئ الآخر انه يجب عليك حينئذ ان تسترضيه او تتكلم معه بلطف، يمكنك ان تصفح عن احدهم، وتختار، بشكل شديد الوضوح، ان تقطع علاقتك به. بالنسبة للنساء القادمات من شمال ايرلندا، فان الحلقة الدراسية المفتوحة التي استمرت اسبوعا غالبا ما كانت مؤلمة.. لكن الصراع تم التخلي عنه، وفي النهاية وجدت ماركريت مسكيني نفسها تضحك وتبتسم مع بقية النساء وهو الشيء الذي لم تفعله منذ عقود من السنين.. عندما سردت النساء قصصهن في نهاية الفصل فان شيئا ما قد تغير. لقد تحدثن عن اولادهن المقتولين، ولكنهن قلن انهن يفكرن، اقل مما اعتدن في السابق، بقتلتهم، لقد اصبحن اقل هموما واقل ارهاقا. فقط اسمح لهذه المسألة بأن تمر. قل لنفسك هذه الجملة في اللحظة نفسها وانت تنفس عن تجاهل اجتماعي ألم بك او جرح عميق اصابك، يعرف العالم النفسي د. لوسكين كم هو عسير تحقيق الصفح او الغفران لذا طور معالجة معينة ليجعله اسهل تحقيقا بالنسبة للجميع. تنفس بعمق شديد لتسترخي، وتخيل زمنا ما كنت فيه تشعر انك في موضع رعاية وحب. فكر في الحال التي يجب ان تكون كيف ترغب ان تمضي الأحداث، الامل الذي تكنه للحدث الذي انحرف عن مساره وللعلاقة التي ضاعت. انظر بواقعية للعالم من حولك هل ان ما حدث لك قد حدث للآخرين؟ هل هناك من طريقة يمكن ان تنظر من خلالها للأمر بصورة أقل شخصية وأكثر موضوعية؟ مثلا، واحدة من طالبات لوسكين كانت تحقد على مديرها في العمل لأنه رفض ان ينقلها الى موقع اكثر دفئاً وذلك أمر يمكن ان يكون جيداً لصحتها. وفي حجرة درس لوسكين تعلّمت هذه الطالبة بأن تتقبل حقيقة ان مديرها كان يضع حاجات الشركة فوق حاجاتها الشخصية، وذلك ليس بالحدث غير المعتاد. افهم بشكل جلي انه ليس لأنكَ لم تنل ما أردته فإن ذلك يعني انه ينبغي عليك التخلي عن محاولة نيل احتياجاتك. يقول د. لوسكين: «الهدف من هذه الخطوة ان تقدر ذلك الجزء من نفسك حق قدره، ذلك الجزء الذي فقدته حيث أوذيت. إن كنت تستطيع التماسك من أجل الاهتمامات المحبوبة فإنك تستطيع ان تستعيد قوتك ممن سبّب لك الأذى، وتستطيع ان تقود مستقبلك في طريق شديد الوضوح. الخطوة الأخيرة: خذ على نفسك تعهداً طويل الأجل في أن تتخلص من أحقادك بشكل عملي. كان د. لوسكين دقيقاً في تحديد ذلك. إن مدة اسبوع ـ أو فصل واحد أو فصلين عن الصفح ـ ليست كافية للعمل خلال جريمة قتل وحشية أو للوصول الى نهاية لمساويء الطفولة ومفاسدها. لكن معرفة الادوات لأجل استخدامها مسألة مهمة. عندما تنتابك المشاعر القديمة ـ مشاعر الحقد ـ خذ شهيقاً وأطلق زفيراً لمرتين عميقتين وبطيئتين. ثم تخيّل شيئاً ايجابياً ومدهشاً في حياتك، فذلك يساعدك على كسر دائرة الحقد. أديب كمال الدين