يعتقد البعض ان مدريد اسم له اصول اسطورية مثل تلك الاساطير التي احاطت بالعديد من اسماء المدن الاوروبية. هذه المعتقدات تقول ان العاصمة الاسبانية مدريد أنشأها اوكنوس الملك الروماني وابن المرأة الفاتنة التي اطلقت على المدينة اسم مانتوا او ربما تكون مدريد قد اكتسبت اسمها من اليونانيين. ويقول البعض الآخر ان مدريد كانت تسمى في الاصل «اورسا» وهي باللغة اللاتينية تعني«الدب» وذلك بسبب وجود اعداد كبيرة من هذا الحيوان في الجبال المحيطة بها الى جانب وجود شجرة المادرونا التي كانت رمزا للمدينة منذ العصور الوسطى. لكن التحقيق التاريخي انتهى الى ان اسم مدريد جاء مع فتح الاندلس للمدينة، فالجزر اللغوية للاسم هي «ماكرا» وتعني مياه ومع اضافة اسم الاشارة باللغة الانجليزية تصبح مدريد: «ام المياه الوفيرة». وهذا الاسم الاندلسي يعني او يشير الى ثروة المجاري المائية الموجودة في المنطقة ذات الاراضي شبه الزراعية والتي تساهم في ري المدينة والحقول المحيطة بها. ومع اعادة غزو المدينة على يد المسيحيين تم تعديل الاسم باللغة الاسبانية ليصبح «ماجريت» في العصورالوسطى ثم تحول مرة اخرى الى «مدريت» واخيرا الى مدريد ولذلك فان سكان مدريد الاصليين ينطقون اسم مدينتهم «مدريث» حتى الآن.واكدت الاكتشافات الاثرية على ضفاف نهر مانزاناريس ان الناس كانوا يقطنون حول مايعرف الآن بمدينة مدريد لأكثر من مئة الف سنة لكن اول حياة مسجلة في مدريد كمدينة حديثة للغاية. ويعزى الفضل في انشاء مدريد الى الامير محمد (852 ـ 886) حاكم قرطبة الذي أنشأ مدريد كقلعة لحماية طليطلة من هجوم الاعداء. ومع غزو طليطلة عام 1085 على يد الفونس الرابع وقعت مدريد تحت النفوذ المسيحي. وفي مايو 1561 اعلن فيليب الثاني مدريد عاصمة للدولة الامبراطورية وقد ادى ذلك الى حدوث موجات عارمة من الهجرة الى المدينة التي تضاعف عدد سكانها ثلاث مرات ليبلغ 60 الف نسمة وهو معدل نمو سريع للغاية ادى الى حدوث ازمة سكن. وجرت محاولات عديدة لحل هذه الازمة عن طريق سن قوانين جديدة للاسكان، وفي نهاية القرن الثامن عشر وفي التعداد السكاني لعام 1797 بلغ عدد سكان مدريد ما يقرب من 170 الف نسمة وشهد القرن التاسع عشر الغزو الفرنسي للمدينة وتميز الثلث الاول من هذا القرن بتوقف التطور والتنمية في مدريد. وفي بداية القرن العشرين بلغ عدد سكان مدريد 580 الف نسمة وارتفع الى 950 الفا عام 1930 وفي عام 1970 قفز عدد سكان مدريد الى ثلاثة ملايين. وتسبب عصر التنوير في ان جعل ملوك اسبانيا يبدون اهتماما كبيرا بالتحديث وكانت مدريد كعاصمة قد حصلت على القدر الاكبر من التحديث واستفادت من ارساء بنية اساسية متطورة وخدمات عامة حديثة مما جعلها المدينة الاكثر تطورا في البلاد. فقد تم بناء عدة مباني ضخمة ذات اهداف مؤسسية وعلمية مثل مبنى مكتب البريد ومبنى الجمارك والاكاديميات الملكية ومجلس الوزراء والمستشفى العام وغيرها الكثير من المباني. وفي القرن الثامن عشر بدأت الطبقة الارستقراطية الحاكمة في بناء قصورها مع الاهتمام بالشكل الخارجي كدلالة على الوضع الاجتماعي. وفي القرن التاسع عشر ايضا كان البرجوازيون هم الذين انشأوا افخر القصور واقاموا الاصلاحات التحديثية. كانت الهندسة المعمارية لهذه القصور واللمسات الخاصة لاصحابها ينطبق عليها ما يمكن ان نسميه «قصور بالتفصيل .. او بالمقاس» شيدت في احياء خاصة مثل سالامانكا وارجويل ولاس ساليساس وريكوليتاس واعتبرت هذه الاحياء خاصة بالبرجوازيين. الى جانب ذلك كانت هناك احياء خاصة بالطبقة العاملة مثل فاليرموسا وتيتوان دي لافيكتوريا، وشهد القرن التاسع عشر طفرة كبيرة في انشاء المباني العامة فخلال هذا القرن تم انشاء مبنى الكونجرس ومجلس الشيوخ والبورصة والمكتبة العامة وبنك اسبانيا كما شهد هذا القرن ايضا عددا من الكليات والجامعات والمعاهد. مدريد المعاصرة تم في القرن العشرين انشاء اعمال كثيرة هامة مثل سلسلة فنادق عالمية فاخرة وتطوير خطوط السكك الحديدية وانشاء المدينة الجامعية كما تم انشاء مجمع الوزارات وكذلك انشاء مقياس للتحكم في مياه نهر مانزاناريس وفي الخمسينيات من القرن العشرين ظهرت ناطحات سحاب وكذلك احياء للطبقة المتوسطة. وخلال العقود القليلة الماضية اصبحت مدريد مدينة حديثة تحول خلالها عدد من الاحياء الى احياء راقية مثل كاسيتلان وبلازادي كولون وبلازادي كاستيلا في حين تم انشاء احياء جديدة اقيمت فيها مباني فاخرة على احدث طراز مثل مجمع مباني ازكا. ولدى وصولك الى مدريد فان الانطباع الاول الذي يسيطر عليك ان الكل يسرع في سيره ويبدو وكأنه في عجلة من امره .. هذا حال سكانها اما انت كزائر فلا ينبغي ان تكون مثلهم .. فلديك فرصة عظيمة للاستمتاع بالمدينة ومبانيها الفخمة واثارها الرائعة وانشطتها المتنوعة وهذا لايتأتى الا عن طريق التمهل في سيرك. قلعة القصر الاندلسية تم انشاؤها في القرن التاسع وقام البوربون بتوسيعها لكنها احترقت بالكامل عشية الاحتفال باعياد الميلاد عام 1734 في واحدة من اسرع الحرائق واكثرها بشاعة. اتت الحرائق على مجموعات نادرة من اللوحات الفنية التي لاتقدر بثمن واشياء فنية اخرى لكن هذه الحرائق اعطت الفرصة لسلالة البوربون لاعادة انشاء هذا القصر على احدث طراز. اقترح فيليب الخامس انشاء مبنى ضخم على غرار قصر الفرساي واعيد بناء القصر بالكامل عام 1764 وكان اول ملك يقيم فيه هو تشارلز الثالث، وكان القصر غاية في الروعة والجمال من حيث الشكل والتصميم الذي اشترك فيه خبراء من ايطاليا وفرنسا. يستخدم القصر الآن في المناسبات الرسمية على مستوى الدولة ويعد واحدا من افضل القصور في اوروبا من حيث المفروشات التي بداخله من اثاث وتحف فنية واضاءة وديكورات. وتشتهر مدريد بالعديد من القصور من بينها قصر بالاسيودي لاليريا ويطلقون عليه ايضا قصر البرنسيسة الذي تحيط به حدائق غناء من جميع جوانبه والذي يعد نموذجا رائعا للاقامة الملكية، بدأ العمل فيه عام 1773 وهو الآن من المباني الحكومية ويضم العديد من الاعمال والتحف الفنية الرائعة. قصر ماركيز سالامنكا يعد من اهم واروع القصور التي انشأها البرجوازيون في القصر التاسع عشر وكان ماركيز بالامنكا مدير بنك ومسئول الاشغال العامة خلال فترة حكم ايزابيلا الثالثة وهو الذي امر بانشاء هذا القصر على الطراز الايطالي في عصر النهضة الحديث. المباني العامة الكونجرس: يعد مبنى الكونجرس ثاني افخر واروع مباني مدريد وقد عهد الى الاكاديمية الملكية في سان فرناندو لترشيح احد الخبراء لانشاء المبنى ووقع الاختيار على المهندس ناركيسو باسكوال كولومر الذي جاء تصميمه للمبنى مستوحى من القصور الايطالية للقرن الخامس عشر، ووضع حجر الاساس لهذا المبنى عام 1843 وانتهى العمل فيه عام 1850. والاسدان اللذان تم وضعهما عند مدخل المبنى تمت صناعتهما عام 1860 من معدن البنادق التي تم الاستيلاء عليها خلال الحرب في افريقيا. مجلس الشيوخ: اعيد بناؤه في القرن التاسع عشر ويضم منذ عام 1814 قائمة جلسات المحاكم العامة للمملكة وبعد ست سنوات ادى فيه فرناند السابع اليمين الدستورية. هذا المبنى مزين من الداخل بمجموعات من التحف الفنية النادرة التي لاقت الكثير من التقدير والاستحسان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعلى مدخل المبنى يوجد تمثال بالحجم الطبيعي للسياسي الاسباني الشهير في القرن التاسع عشر كانوفاز ديل كاستيلو. المكتبة الوطنية انشئت هذه المكتبة بدلا من المكتبة الملكية التي انشأها فيليب الخامس عام 1712، وبد أالعمل في المبنى الحالي للمكتبة العامة عام 1892 على يد فرانسيس وجازينو على الطراز الكلاسيكي الذي كان مشهورا في ذلك الوقت. تضم المكتبي الوطنية اكثر من خمسة ملايين كتاب ومخطوطة ومطبوعات مختلفة ومنحوتات ومجلات وكتب مترجمة عن اكثر من ثلاثين لغة. مبنى البورصة: أنشيء عام 1813 بقرار ملكي من فرناند السابع على الرغم م ان الغارة الاساسية كانت للملك جوزيف الاول. وقد تنقلت البورصة قبل ذلك بين اكثرمن 6 مبان قبل ان تستقر في هذا المبنى الذي تم بناؤه عام 1884. المرصد: تم انشاؤه بمبادرة من جورج خوان الذي اقترح على الملك تشارلز الثالث انشاء صالة محاضرات للعلوم الفلكية وحتى عام 1790 لم يكن العمل قد بدأ في هذا المرصد، وخلال فترة حكم تشارلز الرابع تم انشاء المبنى الذي يعد من افخر المباني على الطراز الكلاسيكي الحديث في مدريد ويضم قبة وهو مقام على اعمدة غاية في الروعة والجمال. آثار خالدة بوابة ألكالا: تعد بلاشك اشهر مبنى اثري في مدريد. وانشأها الملك تشارلز الثالث لتكون قوس نصر وتصبح احد المداخل الفخمة للمدينة، والمبنى مقام على الطراز الكلاسيكي الحديث ومبني من الجرانيت والحجر الابيض ولها خمسة مداخل كلها بنفس الارتفاع. جسر سيجوفيا: هذا الجسر مع جسر طليطلة يمثلان اغرب الاثار في مدريد بسبب غرابة الشكل المعماري لهما مع صغر نهر مانزاناريس أمر بانشاء هذا الجسر الملك فيليب الثاني الذي انشأ مدريد كعاصمة لاسبانيا واراد ان يزينها ببعض الاثار الجميلة. وفي عام 1532 قام المهندس الملكي خوان دي هيريرا بتصميم هذا الجسر. جسر طليطلة: انشيء في عهد الملك فيليب الخامس لكن صاحب الفكرة الاساسية له هو ماركيز فاديلو عمدة المدينة من عام 1715 الى 1729 الذي ادرك الحاجة الى تغيير الجسر الخشبي، صنع هذا الجسر من الجرانيت ويتكون من خمسة اقواس متساوية. بلازا مايور: انشأه خوان جوفير دي مورا وفوض انشاؤه الى الملك فيليب الثاني الذي اراد ان ينشيء ميدانا كبيرا يعطي لمملكته مكانة مرموقة، وتم اختيار الموقع ليحل مكان بلازاديل ازبال السابق الذي كان يعد احد الاسواق المهمة منذ القرن السادس عشر. بدأ العمل في هذا المبنى عام 1617 واستغرق عامين. يحيط بالميدان 136 منزلا لها 437 شرفة يستطيع من خلالها 50 الف شخص ان يشاهدوا العديد من الاحداث والمناسبات والمسابقات التي تقام في هذا الميدان مثل مصارعة الثيران وحفلات الزواج الملكية والاحتفالات المحلية الاخرى. ولم تتغير ملامح هذا الميدان على مدى سنوات طويلة ولا يزال المكان المفضل الى سكان مدريد للالتقاء والتنزه، في منتصف الميدان يوجد تمثال للملك فيليب الثالث الذي سعى الى انشاء هذا الميدان واول ملوك النمسا الذي يولد في مدريد. مصارعة الثيران في كل مدينة سياحية هناك دائما اماكن خاصة للتنزه، ويعد كالي دي الكالا اهم واشهر شوارع مدريد على الاطلاق وهو الشارع الاطول في العاصمة الاسبانية، وزيارة هذا الشارع والسير فيه تعد متعة بكل المقاييس، ويرجع تاريخ هذا الشارع الى الموجات المتعاقبة من محاولات تشكيل وانشاء مدريد كمدينة ويضم هذا الشارع الشهير حدائق الزيتون والمقاهي ومحطات الباصات والمستشفيات. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر اكتسب الشارع اهمية اخرى حينما اصبح المركز المالي للعاصمة ولم يأخذ الشارع شكله الحالي الا في القرن العشرين واصبح بعدها مقرا لاشهر البنوك وشركات التأمين والشركات الاخرى المختلفة النشاطات والتي جعلت من هذا الشارع موقعا متميزا وفريدا لكل شركة او مؤسسة تسعى الى موقع فريد. ويضم الشارع الى جانب كل ذلك العديد من المهارات الثقافية مثل الاكاديمية المكلية للفنون الجميلة وغيرها. شارع جرايد فيا: هذا الشارع يستحق الزيارة بما يتميز به من حيوية وتنوع في المحال التجارية والمباني الشاهقة التي توجد في هذا الشارع بطراز معماري فريد ويعد مبنى الاتصالات «تيليفونيكا» اشهر هذه المباني على الاطلاق حيث قام بتصميمه شركة اسبانية بالتعاون مع شركة اميركية عملاقة. وهذا المبنى يمكن ان يطلق عليه اول ناطحة سحاب في اسبانيا انتهى العمل فيه عام 1929 ويبلغ ارتفاعه 81 مترا، ويضم هذا الشارع ايضا العديد من دور السينما والمحلات الكبرى والمقاهي مما جعله الشارع الاكثر ازدحاما في العاصمة الاسبانية على الاطلاق نظرا لتنوع هذه المحال والمطاعم التي تناسب اذواق مختلف الجنسيات. وتتميز العاصمة الاسبانية مدريد بوجود العديد من الحدائق التي من اشهرها حديقة كاسا ديل كامبو التي تبلغ مساحتها 1747 هكتارا من المناظر الطبيعية الخلابة والتي يرجع انشاؤها الى عصر الملك فيليب الثاني حيث خصصها لتكون حديقة الصيد الملكية وبعد ذلك آلت ملكيتها الى المدينة ذاتها. وتضم الحديقة حاليا العديد من المرافق مثل حديقة الحيوان وقاعة للمعارض والعديد من المطاعم والمحلات وتقع حول بحيرة جميلة. حديقة ريتيرو: تعد هذه الحديقة من اهم الحدائق في مدريد ليس بسبب حجمها الكبير (12 هكتارا) ولكن بسبب اهميتها التاريخية لانها كانت جزءا من قصر بولين ريترو والتي انشأها في القرن السابع عشر الملك فيليب الرابع على الطراز الايطالي. وتضم الحديقة العديد من النشاطات مثل الرياضات البحرية المختلفة وقاعات للمعارض الى جانب وجود اماكن مخصصة للاسترخاء وممارسة الرياضة. واذا تركنا الحدائق الجميلة والمتميزة في مدريد، لابد ان ننتقل الى المتاحف الجميلة التي تضم العديد من الاثار الهامة واللوحات الفنية النادرة، من اشهر هذه المتاحف متحف برادو الذي انشأوه خوان دي فيلانوفا عام 1785 ويضم اعمالا فنية نادرة من اهمها 311 عملا فنيا نادرا من الرسومات الملكية ويضم المتحف حاليا اكثر من ستة الاف عمل فني متنوع اكثرها يوجد داخل المتحف وبعضها تم اهداؤه الى مؤسسات مختلفة داخل اسبانيا. ويتميز مبنى هذا المتحف بالبساطة والروعة في نفس الوقت بسبب نوعية الخامات المستخدمة فيه كما يتميز باعمدته الشاهقة على غرار المعابد اليونانية. والى جانب هذه الاعمال الفنية يضم المتحف ايضا اكثر من 400 من اعمال النحت النادرة والحديث لاينتهي عند هذا المتحف فحسب، فهناك العشرات من المتاحف المتنوعة والمتخصصة التي تضم بين جنباتها مختلف الفنون من عصر الأندلس وما قبله. ومادمنا بصدد الحديث عن عاصمة اسبانيا فلابد ان نتحدث عن مصارعة الثيران، سكان مدريد بلا استثناء من عشاق مصارعة الثيران فمنذ القرن السابع عشر ومسابقات مصارعة الثيران لا تتوقف في مدريد وتقام في مدريد حوالي 72 مسابقة لمصارعة الثيران سنويا كما تقام مسابقات اسبوعية كل يوم احد في مدريد. واوجه جمال مدريد لاتنتهي فالمأكولات الاسبانية تجذب العديد من البشر نظرا لتنوعها بحيث تناسب اذواق الكثيرين من مختلف الجنسيات وليس هناك مطعم لاي مأكولات عالمية لاتجدها في العاصمة الاسبانية. باختصار تعد مدريد مدينة عالمية بكل المقاييس يجد فيها السائح من اي بلد في العالم ما يبحث عنه من متعة ولهذا تأتي اسبانيا في مقدمة الدول السياحية التي تجذب اليها عشرات الملايين كل عام.