في ندوة سيما الاقتصادية الرابعة قدمت الدكتورة بشرى كنفاني محاضرة حول «المرأة ودورها الداعم في مستقبل التحديث» تحدثت فيها عن الدور الجديد للمرأة، في ظل سياسة التحديث الجديدة لكي يكون أساساً لا غنى عنه في صنع التطوير لكنها ترى ان الجهد التحديثي قبل اي شيء اخر لابد ان يقوم على قاعدة صلبة ويحقق النجاح من خلال الجهد التنموي التحديثي الشامل الذي يتناول الانسان الذي هو وسيلة التحديث وغايته في ان معا. ان تنمية وتحديث المورد البشري هي المهمة الأكثر تعقيداً لانها كما ترى لا تتناول مرافق ومؤسسات مادية فحسب بل تنصب على الانسان باني هذه المرافق وروحها المحركة. وتقدم الدكتورة كنفاني امثلة عن بلدان ضعيفة من حيث الموارد المادية واستطاعت بفضل قوة رأسمالها البشري وحيويته ان تقف في طليعة البلدان المتقدمة وتحقق نمواً اقتصادياً كبيراً ويقودها هذا المثال الى الحديث عن مدى الأهمية الحاسمة لمسألة المرأة في واقعها الحالي ودورها الجديد المطلوب باعتبارها نصف الرأسمال البشري. وقبل ان تتناول دراسة هذا الواقع تؤكد على الفجوة القائمة بين واقع المرأة وواقع الرجل والتي لاتزال واسعة رغم التقدم والانجازات وهذا يتطلب الوقوف عنده ومعالجته وصولا الى ازالته ثم تضيف بأننا لكي نستطيع الحديث عن دور المرأة في صنع المستقبل لابد من ادخال متغيرات جذرية على أوضاعها في بلادنا بدءا من العمل على ردم الفجوة بين الجنسين وصولا لتحقيق المساواة لان التحديث يحتاج الى خلق المناخ الملائم هو ان يكون لها دور جديد. وتقدم الباحثة قراءة في الواقع الراهن للمرأة لان مطلب المساواة يفترض معرفة معمقة بالواقع ومواطن الخلل فهناك قضية التشريعات والقوانين ووضع المرأة في ظلها وهناك مسألة التعليم والتأهيل ومسألة العمل والاجور وقضايا المشاركة في قرار الأسرة وفي القرار العام وهناك الحرية والكرامة الذاتية التي يجب ان تتمتع بها المرأة. وفيما يخص مسألة التعليم تذكر الباحثة ان وفقا لتقرير اللجنة الوطنية لشئون المرأة والصادر عام 1999 فان النسب المئوية للطالبات الى المجموع العام تقارب النصف في التعليم قبل الجامعي وتزيد على النصف في دور المعلمين والمعلمات ومعاهد المدرسين وفي الدراسة الجامعية تبلغ النسبة 42% وكذلك هو الأمر في الدراسات العليا. وتتوقف الباحثة عن مشاكل الامية فترى ان الأرقام التي تقدمها الاحصاءات السورية هي ارقام متفائلة ولا تعكس الواقع بسبب التسرب بعد السنوات القليلة الاولى كما تؤكد اننا لا نزال نصارع الامية في الوقت الذي يشهد فيه العالم وثبات علمية وتقنية هائلة بالإضافة الى أننا يجب ان ننظر الى التعليم بصورة نتجاوز فيها نسب المتعلمين الى مضمون النظام التعليمي وفلسفته. وتطرح الدكتورة كنفاني عددا من الأسئلة تتعلق بالوظيفة التي يؤديها النظام التعليمي بما يتناسب مع التطوير والتحديث وبنوع العقل الذي ينميه هذا النظام التعليمي. فالتعليم من وجهة نظرها ليس مجرد اكتساب كتلة من المعارف المجردة فهو الاداة والوسيلة التي تمكن المجتمع من تحقيق غاياته وصنع مستقبله. وفيما يتعلق بالعمل فان الاحصاءات الرسمية تبين ان نسبة قوة العمل النسائية في المجال الاقتصادي تبلغ 20% من الحجم الاجمالي لقوة العمل اذ تعمل حوالي 60.4% من قوة العمل في المجال الزراعي و21.8% من قوة العمل النسائية توضع في فئة المهنيين والفنيين و8.4% في الانتاج و2.3% في الخدمات اما نسبة النساء اللواتي يعملن في المشاريع التنموية فتبلغ 7% من حجم المشاريع الخاصة. وفي مجال التعليم فان نسبة الاناث تمثل 64% في المرحلة الابتدائية و45% في المرحلتين الاعدادية والثانوية و44% في دور المعلمين وفي التعليم العالي 47.44 من المعيدين و18.86% من الهيئة التدريسية. وتلاحظ الباحثة من خلال المقارنة بين الاحصاءات ان عدد النساء اللواتي يتلقين التعليم اكثر بكثير من أعداد النساء اللواتي يعملن في مهن تحتاج الى التعليم مما يكشف عن نسبة المتعلمات غير العاملات. كما تخلص الى ان العمل في المجال الاقتصادي لايزال منخفضا باستثناء الزراعة، والمرأة تعمل في الوظائف التي لا تحتاج الى معرفة كبيرة كما انها تقوم بالأعمال التي لا تقدم اجرا كبيرا مما يؤدي الى تفاوت في الدخل بين النساء والرجال وهذا يؤثر سلبا في القيمة المعنوية لعمل المرأة ووضعها في الأسرة والمجتمع. وعن الدور التربوي الجديد للمرأة تؤكد الباحثة ان كمية المورد البشري ووضعه على طريق الحداثة قضية تبدأ في البيت منذ الطفولة وتشير الى ان ما يميز البلدان المتقدمة عن البلدان النامية في مجال تنمية الثروة البشرية تتمثل في ان تربية الصغار في البلدان المتقدمة تتجاوز التركيز على الجوانب الروحية او القيمة المجردة كما هو الأمر لدينا بل هي ترتبط بحاجات الفرد والمجتمع ولها جوانبها العملية بالنسبة لتنمية المهارات والطاقات وتعميق قيم العمل والانتاج. وتضيف ان هذا الأمر ينطبق على التعليم ايضا الامر الذي يتطلب منا طرح فلسفة ذات أهداف ترتبط بحاجات المجتمع وأهدافه والعمل على تنمية المهارات وروح الجماعية وتعميق الاحساس بالمسئولية. وعن الدور الاجتماعي الجديد للمرأة تؤكد ان دور المرأة وعطاءها على المستوى الاجتماعي التطوعي هو الدور الابرز في العديد من الدول ولذلك فان هذا الدور مطلوب بقوة الا ان قدرة المرأة على تأدية الدور الجديد يتوقف على ما يتوفر لها من تعليم وتأهيل وشحذ للطاقات وتفاعل على قاعدة نفي التمييز وتحقيق المساواة بين الجنسين. وتضيف ان المساواة التي تتحدث عنها هي المساواة في فرص العمل وفي الأجور. وحول الموقف الراهن من عمل المرأة تميز بين انماط ثلاثة هي الموقف التقليدي الذي يحصر عمل المرأة بوظيفة الزوجية والأمومة ويحرم المرأة من الاختلاط وهناك الموقف التوفيقي الذي يعترف بحق التعليم والعمل في اعمال معينة يرى انها تتفق مع طبيعة المرأة في حين ان الموقف الثالث هو الداعي الى فتح الأبواب كاملة امام تعليم المرأة وتأهيلها وعملها في جميع مجالات الحياة. وتعبر الباحثة عن أسفها لان السنوات الاخيرة شهدت زيادة في اعداد الدراسات في ثانويات الفنون النسوية والمعاهد المماثلة في وقت تتصاعد فيه الدعوات الى ربط التعليم بالتنمية واحتياجاتها ولذلك تتساءل الباحثة هل تكفي زيادة فرص التعليم والتأهيل كي تزداد مشاركتها في قوة العمل التلقائية. وفي معرض الاجابة ترى الباحثة ان الظروف المعيشية والحاجات الاسرية والطموحات الذاتية تلعب دورها في دفع النساء الى العمل حيثما يتوفر لكنها ترى ان قضية المرأة العاملة في المجتمع المعاصر لا تنفصل عن البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية كما ترتبط بخصوصيات المجتمع والنظام الاجتماعي القائم. وتخلص الباحثة مما تقدم الى ان ادماج المرأة بعملية التنمية من منطلق المساواة مسألة على الدولة ان تخطط لها وتوفر لها كل المستلزمات في التدريب والتعليم والتوعية ووضع خطط التنمية التي تخلق فرص العمل التي تستوعب الرجال والنساء. وتؤكد كنفاني على ان العمل خارج المنزل بما يتطلبه من طاقات وخبرة ومهارة واحتكاك ومران يسهم في تنمية امكانات المرأة وصقل طاقاتها وتوسيع افقها وهو يؤدي في النهاية الى تقوية شخصيتها وتعزيز ثقتها بنفسها مما ينعكس ايجابياً على قدرة المرأة على أداء الوظيفة التربوية عامة والوظيفة التربوية بمفهومها التنموي التحديثي خاصة. وفي الختام تطالب بالارتقاء بواقع المرأة على قاعدة السعي نحو المساواة وفي إطار الارتقاء بالمورد البشري عامة وتمكين المرأة من أداء دورها التحديثي الجديد الذي يتطلب وقتاً وجهوداً مستمرة ومنهجية للوصول اليه.