تعتبر اسواق «حراج السيارات» في اليمن اسواقاً حديثة نسبياً وتعود ظهور «حراجات السيارات» الى مطلع التسعينيات من الألفية الماضية وتحديداً الى بداية العام 1991م، مع عودة المغتربين اليمنيين من بلدان الخليج بسبب تداعيات وتطورات حرب الخليج الثانية ما يعني ان هذا الاسلوب في طريقة بيع وشراء السيارات قد انتقل من بلدان الخليج العربي إلى اليمن حتى صارت هذه «الحراجات» من الأشياء المعتادة اليوم في الشوارع اليمنية خاصة في شارع تعز او ما يسمى بحي بير عبيد حيث تتواجد هذه الحراجات الى جانب بعضها البعض تتعالى اصوات ميكرفوناتها في هذا الشارع محدثة جلبة وضوضاء البعض يتضايق منها ويرى انها مزعجة للسكان فيما يرى اخرون فيها مكاناً للمتعة والفرجة خاصة أولئك الذين لا يقطنون في الحي الذي تقع فيه هذه «الحراجات». وبين أولئك وأولئك من يرى فيها اداة عملية وفعالة لسرعة انجاز صفقات البيع والشراء خاصة للذين تضطرهم ظروف قسرية لبيع سياراتهم بصورة مستعجلة على ان السمة الغالبة على هذه الحراجات هي الحركة الدائمة التي تبدأ من الساعة الرابعة والنصف او الخامسة وتستمر الى الساعة التاسعة واحيانا الى التاسعة والنصف بعد ان يكون المحرجون والسماسرة قد قضوا سويعات كافية في قيلولة القات لتتعالى عقب ذلك اصوات الميكروفونات المجلجلة في جو من حمى التنافس والمزادات التي تبدأ تصاعدياً وأمل العاملين والمحرجين هو ان تتم الصفقة بين البائع والمشتري. ويقول حسان ادمات اشهر المحرجين في شارع تعز ان مهارته في اقناع البائع والمشتري وفي طريقة اختياره وانتقائه للالفاظ الذي تشد المارة والراغبين في شراء سيارة قد اكتسبها خلال عمله في المملكة العربية عندما كان يعمل سمساراً في «حراجات» جدة وأنه تدرج في عمله هذا حتى وصل الى محرج يمسك الميكرفون في يده ويصدح بصوته الذي لا يخلو عادة من الألفاظ السعودية والعبارات الواقدة التي تكاد تتشابه في كل «الحراجات» ويستطرد حسان ان عمله هذا هو العمل الوحيد الذي يجيده وانه كان يخشى من ان لن يجد فرصة عمل في حراج السيارات بعد عودته من السعودية عام 1990م لكن انتشار «حراجات» السيارات عقب ذلك مكنه من ان يمارس عمله هذا حتى يستطيع اعالة اسرته مضيفاً ان العائد اليومي من عمله هذا متروك لباب الله فاذا كانت هناك صفقات للبيع والشراء حصل على عائد يومي ويكون مجزياً كلما كانت اعداد السيارات المباعة كثيرة وهو لا يراهن الا على هذا العائد اليومي الذي يدفعه الى اتباع اساليب للترويج والمزاد اكثر اغراء لاستقطاب الزبائن. ويضيف ان العائد الشهري ضئيل للغاية ولا يتجاوز العشرة آلاف ريال شهرياً وحول الانتقادات الموجهة لاساليب البيع والشراء في الحراجات التي يرى البعض انها اساليب تقوم على الاحتيال والتدليس والغش يقول حسان هذه التهمة دائماً توجه للمحرجين والمروجين سواء من قبل البائع او المشتري فكل واحد منهم يعتقد اننا نقف مع الاخر ضده وهذا الاعتقاد غير صحيح لان ما يهمنا في المقام الاول هو كيف ينجح البيع والشراء تحت الميكروفون ولذلك نسعى بالضغط قدر الامكان على البائع بقبول الثمن المعقول وفي الوقت ذاته نضغط على المشتري ان يرفع سعره ايضا بشكل معقول دون ان نبخس احداً وبين الضغط على هذا الطرف وذاك تتم صفقة البيع او لا تتم وهذا عائد لرضاء الطرفين وموافقتهما وعموماً تلك الضغوط لا يقوم بها «المحرج» بالميكرفون بل السماسرة والوسطاء الذين يسعون الى اقناع البائع والمشتري بغية التوصل الى انجاح عملية البيع والشراء. اما القول بأن هناك عملية احتيال وغش فهذا غير صحيح لان البيع تحت الميكرفون ومن خلال التحريج بالسيارات المعروضة يعني قبول المشتري بالسيارة المعروضة امامه بما هي عليه ولا يحق له ان يحتج على الصفقة لان هذا هو المبدأ السائد والمعمول به في كل الحراجات وفي كل البلدان وعليه ان يقبل بما هو امامه من سيارة معروضة بحالتها الراهنة وبكل عيوبها واذا اراد الزبون ان يحصل على سيارة بمواصفات محددة فهناك في الحراج سيارات معروضات للبيع خارج الحراج ويمكنه ان يفحص السيارة المختارة بالطريقة التي يريدها ومثل هذه السيارات موجودات في كل الحراجات كما نشاهدها ويضيف ادمات موضحاً بقوله وعلى أي ليس كل السيارات المباعة عن طريق الحراج سيارات معيبة او معطوبة بل هناك انواع من جميع الموديلات والماركات يضطر اصحابها الى بيعها عن طريق الحراج نتيجة لوجود ظروف قسرية طارئة وهناك الكثير من الناس ممن اشتروا سيارات عن طريق الحراج من نوعيات ممتازة وبأسعار رخيصة بل ان هناك من البائعين والمشترين للسيارات يظلوا يترقبون النوعيات المرغوبة ويشترونها ثم يقومون بعد ذلك ببيعها ثانية وهذا هو الأمر الشائع والمتبع في كل الحراجات الموجودة. منافع وأضرار ويقول عبده يحيي صاحب معرض «بكيل» لبيع وشراء السيارات ان معرضه وحراجه وغيره من المعارض جميعها ساهمت بتحريك سوق السيارات وقبلها كان الانسان يظل يبحث عن مشتر لسيارته اياما وشهوراً لكن مع وجود هذه المعارض والحراجات المرخص لها بالعمل ومزاولة البيع والشراء من قبل ادارات المرور وما تتميز به من آليات واجراءات سريعة وعملية خلقت سوقاً نشطاً لتبادل السيارات وبيعها وشرائها واتاحت مجالاً لعمل الكثير من الناس في هذا النشاط مشيراً في هذا السياق الى ان معرضه على سبيل المثال يشغل ما بين عشرة الى خمسة عشر شخصاً وكل واحد من هؤلاء يعيل اسرة كاملة. وبالتالي لابد من تشجيع ودعم هذا النشاط وليس التضايق منه ولا ينكر عبده يحيي ان سكان الحي كثيرا ما يبدون تضايقهم من أصوات الميكرفونات لكنه يرى ان هذا التضايق لا مبرر له لانه يمتد الى ساعات قليلة ما بين اربع الى خمس ساعات يتوقف خلالها التحريج عند اذان وصلاة المغرب والعشاء وأيام الجمعة لا تقام الحراجات ولهذا فهي لا تتم اثناء فترة القيلولة بعد الظهر او في المساء عندما يكون الناس نائمين ولذلك فهي ليست مزعجة كما يدعي البعض. ولا يشاطره في رأيه هذا بعض سكان الحي اذ يرى سعيد محسن الواقع منزله بين حراجات السيارات ان هذه الحراجات ظهرت في الحي وتحديداً في شارع تعز مع بداية التسعينيات وكانت حينها تعتبر بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان لكن منذ ذلك الحين تزايد اعداد السكان والمنازل بل هناك مستشفيات ومدارس بالقرب من هذه الحراجات التي تتسبب في ازعاج المرضى والأطفال والمسنين ولهذا لابد من نقلها الى اماكن بعيدة عن المناطق المأهولة. واذا كان ذلك هو رأي سعيد محسن فان قائد عبدالله يرى في وجود هذه الحراجات منافع عديدة حيث عملت على زيادة حركة الشارع وانتعشت التجارة والكثير من النشاطات نظرا لان الذين يقصدون الحراجات كثيرون والازعاج الذي تتسبب به هو محدود بساعات قليلة واي توجه لنقل او ايقاف هذا العمل معناه قطع ارزاق عباد الله وهذا حرمه الله تعالى. ويرى مصلح البهلولي ان اعمال اصحاب الحراجات والسماسرة والوسطاء كثيرا ما توقع بالزبائن بطرق غير مشروعة حيث يتجمع الوسطاء حول الزبون ويدفعون به الى البصم على ورقة البيع والشراء وهو قد لا يكون راض عن قبول العرض والمبلغ المحدد وهذا اسلوب يتنافى مع مبدأ القبول والرضا في حالات البيع والشراء لانه يؤدي الى قبول البائع بمبلغ لا يفيه حقه او ارغام المشتري على دفع مبلغ يفوق القيمة الحقيقية وكثير من هذه الحالات تحدث تحت طائلة ضغط السماسرة والوسطاء الذين يهمهم في المقام الاول انجاح صفقة البيع والشراء بغض النظر عن الأذى الذي يلحق بأي من طرفيها. ويضيف البهلولي انه في احدى المرات كان ضحية لهذه الضغوط والاكراهات من قبل السماسرة والوسطاء عندما دفعوا به قبل شهرين الى شراء حافلة بستمئة الف ريال يمني وهي لا تستحق اكثر من اربعمئة الف ريال لكنه قبل بالسعر بعد ان حمله الوسطاء من تحت الميكرفون على ظهورهم الى نافذة التوقيع على عقد البيع والشراء دافعين بيده الى شباك البصمة الذي بعده لا يجدي التراجع حيث تفرض على المتراجع عن المبيع او الشراء غرامة تسمى فسخ البيع يتحملها الطرف الذي ينكص عن اتفاقه ولهذا عند فتح المزاد يقوم المحرج بطلب عربون من الزبون المزايد على السيارة المعروضة كضمانة على عرض الشراء الذي يقدمه واذا تخلف يصادر ذلك العربون. ضغوط وسمسرة وعن الضغوط والاكراهات التي يزاولها الوسطاء والسماسرة يقول صالح علي دلال وسمسار ان ما يقوم به من دفع لطرفي الصفقة عمل ليس فيه اي احتيال او غش وانما هي محاولات لتقريب وجهات النظر والبحث عن حل وسط واقتراح ثمن مرض ليس بالثمن الذي يطلبه البائع ولا الثمن الذي يصر على عرضه المشتري ولهذا جهود الوسطاء تكون مجرد جهود توفيقية غايتها انجاح صفقة البيع والشراء بعيدا عن الانحياز لاي طرف. وحول ما اذا كان السماسرة يعملون بالاتفاق مع الباعة او المشترين الذين يقومون بهذه التجارة في هذه المعارض والحراجات بشكل دائم على خدمتهم يقول صالح علي الكل يعتقد ان السماسرة والسعاة دوما ما يعملون على دعم موقف رفيقهم او رفقائهم من تجار السيارات فالذي يحصل هو العكس لان هذا التاجر هو الاخر يكون عرضة للضغط من اجل اقناعه على قبول السعر المعقول ولهذا كثيرا ما تشب خلافات بين الوسطاء وهؤلاء التجار الذين يتهمونهم في بعض الاحيان بأنهم يجبرونهم على قبول اسعار دون الاسعار التي كانوا يطلبونها وتصل الخلافات بينهم في بعض الاحيان الى حد المشادات التي لا يهديء من تطوراتها سوى صاحب المعرض الذي غالبا ما يكون له القول الفصل في مثل هذه الحالات وعموماً السماسرة والوسطاء عندما يحددون الاسعار المقترحة للبيع للسيارات التي تعود لتجار يعملون في هذه المعارض يحددونها من منطلق معرفتهم بسعر الشراء والعيوب التي توجد في السيارة المراد بيعها ولان الناس في مثل هذه الحالات تكون لهم حساباتهم الخاصة ومطامعهم في ارباح كبيرة فمن الطبيعي ان يختلفوا مع الوسطاء وعلى العموم ارضاء الناس غاية لا تدرك وكل أطراف العمل والبيع في هذا النشاط ينحون باللوم دوماً على الوسيط والسمسار باعتباره الطرف الضعيف الذي يعاني دوماً من استهجان الاخرين وازدرائهم لعمله هذا ولولا الحاجة وعدم وجود فرص عمل بديلة لترك الكثيرون هذا العمل الذي يظل دوماً موضع شبهة واحتقار. ويبدو ان هذا العمل «حراج السيارات» بقدر ما يظهر للمارة مكاناً للفرجة يستهوي الكثير منهم التوقف امامه يتطلعون الى الوجوه المتوجسة ويستمعون لأصوات الميكرفون المتعالية ويشاهدون لحظات الدفع بالزبائن او الباعة في اتجاه الشباك في جو من الهرج والمرح والصياح هذا المكان بقدر ما يعتبر موقفاً للفرجة وتزجية الوقت لمثل هؤلاء فانه للمشتغلين فيه ليس سوى مكان للتوتر والقلق الدائمين بحثاً عن لقمة العيش التي يكد وراءها هؤلاء الناس غير آبهين بتلك الصفات والنعوت التي تلقى عليهم ويوصمون بها دوماً طالما ان مبتغاهم هو الظفر برزق اليومي خاصة ان جلهم لا يحصلون على راتب شهري عدا المحرج والحارس او الحراس. لكل هذا تجدهم بعد انتهاء هذا الماراثون اليومي المليء بالخصومات والمشاجرات يتجمعون في انتظار ما سيوزعه عليهم صاحب الحراج من حصيلة ذلك اليوم المتوقف على عدد وقيمة السيارات المباعة ان كانت هناك سيارات قد بيعت اما اذا لم فالانتظار يعلق لليوم التالي.