استرجع ذكرياته التي قضاها على ضفاف خور دبي حيث عاش طفولته الناعمة البريئة المملوءة بالاحلام الصغيرة التي لا تتعدى مد بصره، انه راشد بن خليفة بن سعيد المطروشي الذي ابصر النور عام 1940 في منطقة سكة الخيل بدبي يريد الكلام ولكن الذكرى بما فيها تمنعه من الكلام ويصمت لفترة من الزمن لا تتعدى بضع ثوان عبرت خلالها عيناه المفعمتان بالاسى والحسرة عما فات من ذلك الوقت الذي يقول عنه انه أجمل الاوقات واحزن كثيرا لانه اصبح ماضياً واطلالاً في حنايا الذاكرة، لقد عشت ذلك الماضي كحقيقة ونهلت من صفائه حتى ارتويت رغم صعوبة المعيشة. ويتابع حديثه قائلاً: طفولتي لم تأت لي بجديد فعشتها كأي طفل يلعب ويلهو في زوايا بيت والده وفي كنف اسرته حتى بلغت سن الدراسة فذهب بي والدي الى مدرسة الاحمدية القديمة الواقعة خلف مدرسة الاحمدية حالياً، حيث تعرف الآن باسم المدرسة التجارية ومن خلالها يقف بوخالد في احدى محطات الذاكرة لينطلق منها الى ذاكرة الدراسة والمدرسة فيشير الى ان المدرسة قام ببنائها تاجر اللؤلؤ الشهير انذاك احمد بن دلموك وكان ناظر المدرسة وقتها المرحوم الشيخ محمد نور وكان فيها من المدرسين علي الجزيري والشيخ عمر الماجد ومطر الماجد وعبدالجبار الماجد ومحمد ابراهيم بو ملحة والد ابراهيم بوملحة النائب العام بدبي حالياً وعبيد بن حنظل، اما الاصدقاء الذين كنت معهم خلال فترة الدراسة فهم الآن من الاعلام والمشاهير في دبي منهم عبدالله وجمعة ابنا خلفان بالهول وسالم وراشد ابنا عبدالعزيز المخاوي والتعليم في ذلك الوقت كان مقتصراً على التعليم التقليدي ومنه تعلمت قواعد اللغة العربية ودراسة بعض سور القرآن الكريم اضافة الى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والحساب القديم المتمثل في عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة فقط وتابعت دراستي على هذا النهج حتى قدمت بعثة من الكويت اذكر منهم هاشم ابو عمارة ناظراً وحسين الموسى مدرسا وانخرطت في الدراسة مع هذه البعثة حتى تم ادخال المنهج الحديث بكافة فروعه وكتبه مما احدث طفرة علمية في مجال التعليم وفتح آفاقاً كبيرة ورحبة للعلم والتعلم وقد التحقت شخصياً بركب هذه الطفرة لمدة عامين فقط وبعدها قررت حكومة دبي ارسال بعثة الى دولة البحرين فكنت أحد أعضائها وفي دولة البحرين بدأنا الدراسة حيث كانت على فترتين احداهما صباحية والأخرى مسائية ففي مرحلة الصباح كنا نتعلم كيفية التدريس والآليات اللازمة لذلك وطرائق تكوين شخصية المدرس اما في الفترة المسائية فكنا ندرس في المدرسة التكميلية وهي بمثابة المرحلة الثانوية في وقتنا هذا فدرسنا المنهج الحديث والرياضيات بجانب المواد الأدبية والعلمية وذلك بهدف اثراء معلوماتنا الذهنية والاحتفاظ بكمية كبيرة من المعلومات لمواجهة الحياة الجديدة وما تفرضه من مقومات خاصة للفرد حتى تجعله يتبوأ مكانا مرموقا ضاربة المقومات القديمة عرض الحائط التي كانت ترتكز على الانساب والثراء. ويستدعي ذاكرته عن المسكن فيقول انه كان على نفقة حكومة البحرين حيث هيأت لنا المسكن اللائق والمناسب ولم تبخل علينا ومع ما وفرته لنا حكومة دبي من أمر البعثة وحكومة البحرين من أمر المسكن فقد توفر لنا أن نستلم راتبين احدهما من حكومة دبي وكان المبلغ 290 روبية هندية وهو أول راتب تقاضيته في حياتي والراتب الثاني من حكومة البحرين وهو يعادل المبلغ الأول تقريبا. العمل في الكويت وينتقل بوخالد من محطة ذاكرة الدراسة الى محطة اخرى وهي محطة ذاكرة العمل فيقول بعد ان انتهيت من الدراسة في دولة البحرين بقيت فيها مدة سنتين وعملت موظفا في البلدية براتب بلغ 200 روبية هندية وبعدها غادرت البحرين الى الكويت حيث عملت في مكتب دولة الكويت مسئول قسم المشتريات والصحة وكان هذا تقريبا سنة 1967 ولبثت في دولة الكويت قرابة الست سنوات وكنت اتقاضى راتبا قدره ثلاثمائة ريال قطر دبي وقبيل مغادرتي بلغ راتبي 850 درهماً ثم عدت الى دبي وعملت في دائرة الهجرة وذلك منذ تأسيسها سنة 1972 وكان عملي في الدائرة كمسئول بقسم المحاسبة وكنت اتقاضى راتبا قدره ثمانمائة درهم وفي سنة 1997 طويت صفحة كتاب ترحالي وتنقلي في البلاد والوظائف الحكومية وتقاعدت على راتب يتعدى 14 ألف درهم. وعن ذكريات الغوص يقول بوخالد انها ذكريات جملية ولا تفارق مخيلتي أبدا رغم ما كنا نعانيه في ايام الغوص من شدة وعسر وغربة لفترات تتراوح من ثلاثة الى خمسة اشهر نقاسي خلالها عذابات الموت وكنا نودع الأهلي والأحباب والاصحاب وداع الذي ربما لا يعود وبعد العودة من الرحلة الى البلاد تتراوح نسب الربح فمنهم من يعود دون ربح ولا يستطيع قضاء دينه ومنهم من تكون نسبة الربح قليلة ومنهم المتوسطة وهكذا. ويقول ان والده خليفة المطروشي كان يمتلك اربعة مراكب يستخدمها في رحلة الغوص وهي سبموك وصمعة وجالبوت وعويسى وقد ذهبت الى الغوص مرة واحدة ولم اكن اتجاوز العاشرة من العمر ولم اشارك في العمل وانما ذهبت لاكتساب الخبرة وكانت هي المرة الأولى والأخيرة لي في حياة الغوص وكان لنا في هذه الرحلة موقف لا انساه ابدا فبعد ابحارنا بخمسة ايام ولا نزال بالقرب من دبي وكان المحمل مملوءا بالامتعة والزاد والماء اضافة الى العاملين عليه وقد تجاوز الوقت منتصف الليل وكنا نائمين فسمعنا صراخا من قبل أحد البحارة وأذكر انني كنت نائما بجنب البنديرة (سارية العلم) واتضح ان سبب الصراخ يعود لانكسار قطعة من الخشب وسقوطها من مكانها مما تسبب في دخول الماء الى المحمل فقام الجميع بمحاولة اخراج الماء الى خارج المحمل وفي غمرة هذا الصراع المحتدم انبرى احدهم وأخذ قطعة من القماش وقام بتغطية المكان المكشوف وبقي هذا الصراع حتى انبلج نور الفجر وفور وصولنا الى السيف قمنا باخراج جميع البضائع ووضعناها على السيف لتأتي عليها اشعة الشمس وتقوم بعملية التجفيف واصبحنا بعد ذلك بلا ماء أو غذاء وعند خروجنا من الصيد انكسر الدقل فرجعنا الى ابوظبي وقمنا بشراء دقل آخر ورجعنا الى الهيرات بالقرب من فشت الديبل وكان هناك عمود في نصف البحر وكان الوقت وقت الثبر ـ الجزر ـ فإذا انقلب هذا العمود على رأسه يكون مملوءا بالماء العذب الزلال فملأنا القرب التي لدينا من هذا الماء وعند المساء تراءت لنا البحرين فعادت لنا الحياة من جديد وتابعنا الطريق الى رأس تنورة وقمنا بشراء الرز والماء وجميع ما نحتاج اليه حتى انتهت تلك الرحلة وعدنا الى البلاد بعد ما رأيت تلك الاهوال التي عانى منها الناس في ذلك الوقت ولكن الله أبدلهم بعد ذلك العناء والنصب سهولة العيش والنعمة التي نحمد الله عليها كما سخر لنا حكاماً قاموا على حفظ هذه النعمة وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الذي سخر كل خزائن الدولة لابناء الوطن لكي ينعموا بها ولم يبخل بشيء. رحلة البر ويعود بوخالد لاسترجاع ذكريات ماضيه بالحنين اليه ويقول انه بعد الانتهاء من فترة الغوص تبدأ رحلة اخرى أكثر جمالاً ورونقاً من رحلة الغوص وهي الرحلة الى البر (الصحراء) وتشمل الرحلة منطقة الخوانيج والعوير ومشرف ويتم الذهاب الى تلك المناطق في فصل الشتاء فيقيم الناس فصل الشتاء بأكمله هناك ويبنون لأنفسهم مساكن من العريش (جريد النخل) ويقطنونها ويصطحبون معهم جميع ما يحتاجون اليه من الماء والطعام وغير ذلك من المستلزمات الضرورية ونقضي خلال هذه الفترة حياة جميلة لا يعكرها زحام السيارات ولا أدخنة المصانع وكنا منعمين بالهواء العليل والليل الساكن. وبعد ان يطوي الشتاء أوراق كتابه نفتح أوراق الصيف ذلك الفصل الملتهب ناراً، فكنا نقهره بالذهاب الى منطقة أخرى هي منطقة البراحة ونقضي فترة الصيف التي تسمى (فترة المقيظ) حيث يحدها من الجنوب النخيل ومن الشمال البحر وبعد ان نقيم العريش نبدأ بحفر الطواية (بئر الماء) حتى يتسنى لنا شرب الماء خلال فترة المقيظ، وعندما تبدأ جيوش الصيف بالانسحاب يعود الجميع الى منازلهم. وبعد زفرة كادت تحرق جوفه يقول: ان الحياة قديما كانت جميلة وبسيطة رغم ما كنا نقاسيه من الفقر والجوع والنقص الكثير في المستلزمات ولكن وجود العادات الحميدة في ذلك الوقت التي ورثناها كابراً عن كابر كانت أثمن وأنفس من كل شيء، فعليها تربينا، وعليها ربينا الابناء وأوصيناهم بتربية صغارهم عليها، فالجميع كانوا يداً واحدة ويتعاونون فيما بينهم والكل يقوم على خدمة الآخر على الرغم من شظف العيش وصعوبة التنقل حيث كنا نقضي يومين ذاهبين من دبي الى البريمي ونحن فوق ظهور الجمال نتحمل البرد القارس ونقهر حرارة الجو ونعاني الأمرين في جميع أسفارنا، حتى دخلت السيارات الى دبي وعبدت الطرق وسهل التنقل ثم دخلت الكهرباء الى مدينة دبي حوالي سنة 1965 فأخذت الحياة تتطور آخذة منحى آخر وشكلاً مختلفاً عن السابق وبدأ النمو العمراني في مدينة دبي. التجارة زمان وحول التجارة قديماً يقول: في الماضي كانت محصورة في بضائع شبه محدودة وهي التمر والأرز والحبوب والخشب حيث كانت تجارته مزدهرة وذلك للاقبال المتزايد عليه بسبب استعماله لبناء السفن اضافة الى تجارة الدعون والجنادل وما يمارسه التجار واثرياء القوم وكان والدي عليه رحمة الله «طواشاً» وكلمة طواش تعني تاجر اللؤلؤ، وبعد مرحلة التعمير في امارة دبي أخذت امارس تجارة العقار، لاسيما وانها كانت في أوج فتراتها، فإمارة دبي آنذاك فتحت أبوابها على مصراعيها للتجارة، وبالتالي نشطت تجارة العقار التي مارستها بجانب الوظيفة حيث انها تجارة لا تحتاج الى الكثير من المال والجهد، والحمد لله فقد وفقنا الله في هذه التجارة. وبعد انشاء المطارات واستحداث وسيلة الانتقال بالطائرات، قال بوخالد: ان أول سفرة في أسفاره كانت الى دولة البحرين عن طريق مطار الشارقة، حيث كانت ضمن البعثة الدراسية، أما عن السفر بقصد السياحة فقد كانت الى القاهرة، وكن وقتها قد اتفقت مع صديق لي بالذهاب معاً الى القاهرة، وكان موعد اللقاء في مطار دبي، وعندما وصلت الى المطار أخذت أبحث عنه فلم أره فظننت انه ركب الطائرة، وعندما صعدت الى متن الطائرة وأغلقت جميع أبوابها فوجئت انه ليس على متنها وعند وصولي مطار القاهرة التقيت برجل هو صديق والدي وكان يسكن في امارة رأس الخيمة فذهبت معه الى حيث يقيم وكانت اقامته حي العجوزة، وهناك اتصلت بصديقي ومن ثم التقينا بالقاهرة، ومنها ذهبنا الى المغرب وتونس ثم عدنا الى القاهرة وبعد ذلك توالت الرحلات فذهبت الى اسبانيا وتركيا وهولندا وبريطانيا وايران وباكستان. ثم ينقطع الحديث لحظات ليقول بعدها: والآن بلغت من العمر 62 سنة انجبت سبعة من الابناء ثلاثة ذكور وأربع اناث جميعهم من زوجتي الوحيدة التي قاسمتني الحياة منذ لحظاتنا الأولى، وقد أنجب أولادي أحد عشر حفيدا. حوار: فهد المعمري