نشأت الفكرة من الاستنكار العالمي لتفجير بوذا العملاقين في باميان في شهر مارس 2001. ويشهد هذا المعرض الرائع المكرس في متحف «غيمي» في باريس لتاريخ الفن الافغاني القديم على غنى التراث الثقافي الاستثنائي القائم في وهدة الحضارات المنقرضة. قدم هذا المعرض الذي نظمه بيير كامبون، امين متحف غيمي، في برشلونة كصرخة احتجاج على همجية حركة طالبان وللبرهنة على ان بالامكان هدم تماثيل لكن من المستحيل محو تراث من بين الاغنى في العالم. صممت التظاهرة الباريسية التي دشنها الرئيس جاك شيراك ورئيس الادارة الافغانية بالوكالة حامد قرضاي خلال زيارته الى فرنسا «كدليل على ارادة اعادة البناء» كما صرح جان فرنسوا جاريج، مدير هذا المتحف الوطني للفنون الاسيوية والذي تم ترميمه مؤخرا. تكمن سخرية القدر في ان العديد من التحف المعروضة، تم الحصول عليها بفضل سرقتها من متحف كابول والاتجار بها في سوق الفنون وانقاذها من الهدم الذي قامت به حركة طالبان. ومعظمها اعيد شراؤه من محلات باعة التحف من قبل جمعيات خاصة وهواة جمع تحف ومؤسسة يابانية حصلت على موافقة الاونيسكو بأن تشغل وضعية جديدة هي «ملجأ ثقافي للتراث الافغاني» اعيرت الى متحف غيمي لفترة المعرض ومن ثم ستعاد الى متحف كابول متى يولد من رماده. نجد بين التحف التي عثر عليها في لندن او في بيشاور صفائح عاجية من كنز بغرام (القرن الاول بعد الميلاد) اكتشفها عام 1937 عالم الآثار الفرنسي جوزيف هاكان. وهناك تحف عاجية اخرى وصلت الى متحف غيمي على اثر الاقتسام الذي قررته العائلة الملكية في افغانستان بعد حملات التنقيب في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، مقابل العمل الهائل الذي قامت به الفرقة الفرنسية لعلم الآثار في افغانستان. كما اتاح هذا الوضع انقاذ العديد من تحف التراث الافغاني من اعمال النهب والتخريب التي تمت خلال ربع قرن من النزاعات الدولية هناك. يلخص بيير كامبون تحت عنوان: «افغانستان على مفترق آسيا» بأن هذا البلد كان «طيلة تاريخه، ان كان من الغرب او من الشرق، جزءا من الحلم وأرض المغامرات، والحدود الاخيرة او المرحلة الاخيرة قبل عالم جديد كان مجهولا حتى آنذاك». وكان بين الغزاة الذين عبروه او استقروا في جبال آسيا الوسطى، قورش الثاني والاسكندر الكبير بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، ثم شعوب السيت الرحل (150 ق.م) والكوشان، ثم جنكيز خان عام 1221 وتيمورلنك عام 1381. وبين غزوة وأخرى استقرت البوذية على طريق الحرير في القرن الاول بعد الميلاد قبل ان تمتد نحو جنوب شرق آسيا، وأصبحت باميان حيزا لعبادة البوذيين القادمين من الهند والصين. وأتاح وصول العرب في القرن السابع اندماجا كبيرا في الاسلام. تقدم 250 تحفة معروضة (أعيرت من متاحف كبيرة او من مجموعات خاصة) عرضت بشكل تاريخي من مرحلة ما قبل التاريخ وحتى العصر الاسلامي، تنوع وثراء الفن في بلد اصبح مع التاريخ فسيفساء من الاتنيات والثقافات والاديان، عرف تأثيرات عديدة وجعل منها توليفا منسجما وفريدا. منذ الواجهة الاولى، تسحر التماثيل الصغيرة المصنعة من الكلوريت والكلس والجفص من العصر البرونزي (حوالي الألف الثاني ق.م) التي عثر عليها في بكتريان. وهي عبارة عن شخصيات ذات اشكال هندسية، صنعت عيونها من حجر لازوردي، ووضعت عليها ألبسة مزينة بنقوش مجردة على شاكلة ألبسة ما بين النهرين، نجهل تماما معانيها. اطلق تعبير «الاغريقي البوذي» على فن عاندره (في القرون الاول ـ الثالث ب.م.) في منطقة بيشاور في باكستان، وهي عبارة عن تماثيل بوذا في هيئة تأمل مع ابتسامة وديعة، تفيض عذوبة حتى من عيونها المغلقة. اما نحوت الجص التي عرضت في باريس عام 1931 وعثر عليها في أديرة هدا البوذية (بالقرب من جلال اباد في افغانستان)، فقد اطلق عليها الكاتب الفرنسي والرحالة الكبير العاشق لحضارات آسيا، اندريه مالرو، مصطلح «القوطي البوذي» لان تعبير الوجه على بعضها تذكر بتمثال «الملاك المبتسم» على كاتدرائية رامس. اما تمثال العبقرية بالازهار (القرن 3 ـ 4) الذي اشتراه مالرو في هادا وأعارته ابنته الى متحف غيمي فيعتبر واحدة من منائر المعرض. وهناك تمثال آخر اعاره شخص سويسري يثير الحيرة. وهو عبارة عن رأس منحوت في قطعة رخام ابيض (القرن 2) وقد يمثل رأس الامير سيدهارتا، بوذا المستقبل ومؤسس البوذية في شمال الهند في القرن السابع ق.م. بوذا ابوليني ذو فم مثير وشعر اجعد، مع خصلة شعر على رأسه. رائع بالرغم من الانف المهشم وبعين واحدة، وهو تمثال نادر في فن عاندره. مثال الفن الاسلامي: «عصر المغول» بالخزف وبتحف من البرونز المسكوب وسطل من النحاس المرصع بالفضة، اعاره متحف ارميتاج. وقد صنع في واحة هيرا، مدينة شهيرة بفنونها في القرن 15 ومنها مجموعة المنمنماب التي تمثل فن العيش المرفه في البلاط الاسلامي في عصر التيموريين. اقيم المعرض في متحف غيمي «تكريما لمتحف كابول» وينتقل بعد باريس الى طوكيو ثم تكساس. كلودين كانتي