لم تؤد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتقسيم العالم الى شطرين على المستوى السياسي فقط وزلزلة دعائم وتقويض أركان اعظم قوة في العالم، الآن والتسبب في تفجر جميع تلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في العالم وحسب، ولكنها جاءت ايضا لتغير ملامح صناعة كانت قبل تلك الأحداث تعد الانجح والأكثر استقراراً في العالم، ألا وهي صناعة السياحة والسفر التي شهدت بعد تطورات سبتمبر الدامية أقصى تدهور يمكن ان تشاهده أي صناعة في العالم وأكبر خسائر يمكن ان تتكبدها أي شركات ومؤسسات عاملة في اي مجال. هذا التدهور غير المسبوق الذي شهدته صناعة الطيران، والذي اسفر عن اضطرار جميع الشركات والمؤسسات الى الاستغناء عن اعداد كبيرة من موظفيها وصل في بعض الشركات الى 50% من العدد الكلي للموظفين، دفع العالمين في هذا المجال الى اتخاذ تدابير واجراءات لتقليل حجم الخسائر والتفكير في مزيد من الوسائل غير التقليدية التي من شأنها الحصول على اي قدر من الارباح في ضوء حجم الخسائر غير المسبوق الذي تتعرض له الشركات من دون استثناء. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، لجأت شركة لوفتهانزا التي تعد واحدة من اشهر وانجح الشركات العاملة في هذا المجال على الرغم من تعرضها لخسائر جسيمة في الفترة السابقة، الى الغاء الدرجة الاقتصادية على خط طائراتها اليومي من مطار نيوآرك الدولي الى مدينة دوسلدورن، وقصر السفر على هذا الخط على درجة رجال الأعمال، حيث سحبت جميع مقاعد الدرجة الاقتصادية الموجودة على متن طائراتها من طراز بوينج 737 وتخصيص جميع المقاعد الى ركاب درجة رجال الأعمال، حيث اصبحت الطائرة كلها تحتوي على 48 مقعدا فقط طوال رحلتها التي تصل الى ثماني ساعات كاملة. هذا الاجراء غير المسبوق زاد من راحة وفراهية الركاب لاسيما بعدما تبين انه لا يوجد اقبال من مسافري الدرجة الاقتصادية والسياحية على هذا الخط في اطار احجام معظم المسافرين والسياح عن استخدام الطائرات، واصبح الأمر مقصورا على رجال الأعمال الذين يتحتم عملهم الانتقال يومياً من مكان لآخر. واوضحت مصادر من الشركة انه على الرغم من المردود الممتاز الذي تسبب فيه هذا الاجراء الأخير، فإنه من غير المنتظر ان يتم تعميمه على أي خط آخر من خطوط الشركة في الفترة القصيرة المقبلة. غير ان هذا الاتجاه الذي انتهجته واحدة من أهم الشركات العاملة في هذا المجال يوضح بما لا يدع مجالا للشك ان جميع شركات ومؤسسات الطيران اصبحت مستعدة لأن تطبق حلولا جديدة لتعويض خسائرها. وأحد ابرز تلك الحلول التي ظهرت على السطح في الفترة الأخيرة هو الفصل الكامل بين رحلات رجال الأعمال والرحلات السياحية والترفيهية التي يتدنى الاقبال عليها يوماً بعد يوما. وتشير مصادر مطلعة ان الوضع حتى قبل سبتمبر لم يكن يسير بصورة جيدة وان الشركات الأميركية على سبيل المثال كانت في طريقها لخسارة نحو 3 مليارات دولار، وأن الموقف بشكل عام على الساحة العالمية لم يكن افضل بكثير عما آلت اليه الاوضاع بعد احداث سبتمبر، فقد كانت شركات مثل سابينا وارلنجس في طريقها نحو الافلاس. وجاءت مشكلة انخفاض معدل سفر رجال الأعمال في السنوات الاخيرة بشكل عام ليضيف الى حدة المشكلة. فالوضع كان يتمثل في ان التعريفة العالية لدرجة رجال الأعمال كانت تسمح لشركات الطيران ان تقدم مزايا وخصومات للدرجة الاقتصادية، وهو الامر الذي كان يساهم الى حد ما في عدم تضخم الخسائر، ولكن مع تدني سفر رجال الأعمال لعدد كبير من الاسباب، اصبح من غير الممكن تقديم اي خصومات او مزايا تستقطب مزيدا من ركاب الدرجة الاقتصادية. أحد هذه الاسباب هو ان الشركات التجارية والصناعية والاستثمارية وضعت حداً للتكاليف التي تخصصها لسفر موظفيها لحضور الاجتماعات خارج حدود البلاد، فضلا عن ان اتساع نطاق التكنولوجيا المتطورة مثل تقنية المؤتمرات الالكترونية وما ماثلها قد قلل من حاجة الشركات الى ارسال موظفيها الى مناطق خارجية، حيث زاد معدل استخدام خدمات التليكونفرس والفيديو كونفرس في الولايات المتحدة الأميركية في العام الماضي بنسبة بلغت 50% مقارنة بما كان عليه الوضع في الأعوام السابقة. يضاف الى هذا ان كثيرا من الشركات باتت تلجأ الى استخدام موظفيها للدرجة الاقتصادية من اجل توفير النفقات وتجنب التكاليف الباهظة لدرجة رجال الأعمال. فضلا عن ذلك لجأ عدد كبير من القطاعات التجارية والصناعية الى شراء حصص من شركات الطيران تمنح موظفيها عدداً كبيرا من ساعات السفر المجانية. وقد زاد عدد الشركات التي اقدمت على شراء مثل تلك الحصص في اميركا من 114 شركة عام 1995 الى اكثر من 2800 شركة العام الماضي. ولم تكن شركة لوفتهانزا هي الوحيدة التي لجأت الى خطوات غير تقليدية لدفع الحركة داخل الشركة، ولكن حذت شركات اخرى الخط عينه مثل الخطوط الجوية القطرية التي صنعت نفس صنع لوفتهانزا على طائرتها الايرباص 319اضافة الى قيامها بوضع المقاعد بصورة هندسية معينة تمكن المسافر ان يعمل داخل الطائرة. ولكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فقد حققت بعض الشركات البريطانية والأميركية ارباحا بعد احداث سبتمبر مثل شركة ساوث ويست الأميركية التي وصل ارباحها الى حوالي 21 مليون دولار في الربع الأول من العام الجاري وكذلك شركتي جيت وباز البريطانيتين. السر وراء تلك الارباح التي حققتها هذه الشركات يكمن في انها تدفع اموالا اقل لموظفيها وخدماتها، ومعظم هذه الشركات تقوم بتشغيل رحلات قصيرة لاتستدعي بيات اطقم الطائرات في الخارج وما يترتب على هذا من تكاليف اقامة وما شابهها من تكاليف صيانة وغيرها. علاوة على ذلك، فإن معظم الشركات الرابحة تقوم بتشغيل واستخدام نوع واحد من الطائرات وهو الأمر الذي يقلل من تكاليف التدريب والمراقبة والصيانة. واضف الى ذلك لجوء بعض الشركات مثل شركة ريانير الايرلندية الى توفير تكاليف موظفي بيع التذاكر وما يترتب على وجود هؤلاء الموظفين من تأجير وشراء مكاتب، الخ، وتقوم بيع الجانب الأكبر من تذاكرها من خلال الانترنت، حيث تقوم الشركة الايرلندية هذه ببيع 90% من تذاكرها من خلال موقعها على الشبكة وهو الأمر الذي مكن الشركة من تقديم حوافز وخصومات للمسافرين، وهو ما انعكس ايجابيا على الاعداد المستخدمة لخطوط الشركة.