ومن أحوال خماروية بن أحمد بن طولون أنه كان مولعا بغرس الأشجار، قيل أنه انشأ ميدانا ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد، حتى من خرسان واليمن وبلاد الهند فكان به الكادي والقرنفل والسنبل والزعفران، وغير ذلك من الرياحين والزهور والأشياء الغريبة التي لم تزرع بمصر قط وجعلها كالسطور تقرأ بألفاظ مثل (نصر من الله وفتح قريب) ووجه جماعة بأيديهم مقارض من الذهب والفضة يصلحون مافسد من الأوراق، وكان يسحق المسك والكافور وينثره على تلك الرياحين والازهار. ثم انه ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر، وطلى فوقه بالذهب، فكانت الشمس اذا سطعت على الأشجار، لا يقدر أحد أن ينظر إليها، من شدة اتقادها تكاد تخطف الأبصار. بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس الحنفي حين اخبرني جدي، وكنت غلاما أخضر العود، بأنه نفسه لا يعلم من زرع هذا البستان، وأن أهل البلد جميعا، ومن قديم الزمان يرون هذه الأشجار قائمة هكذا على النهر. مساحة من أرض تبلغ من الفدادين عشرين. تستقبل الشمس من المشرق كل نهار، فتبدو على ذوائب الشجر مثل حبة برتقال. تسوره أشجار ابرية كثيفة لا ينفذ منها أحد الا وطعنته في بدنه. يجثم هناك عند تخوم القرية هائلا مثل غابة صغيرة.. أشجار من المانجو، والمشمش، وشجر التوت والبرتقال والنخيل العالي وليمون يثمر في كل أوان، وازاهير بألوان حمراء وبيضاء ووردية مثل قناديل مضاءة. يمنحنا في النهار ألفة، وظلا وارفا، واحساسا قديما بأن العالم ينبض ويعتكف في هذه المساحة المفتوحة على اللون وضوء المساء، والتي تكتسب كل حين وجها مغايرا للفصول، وجها ربما يكون في كل أحواله انسانيا، وقريبا. حالات من الوحشة والألفة والمخاوف التي تدرك في الليل كلما اقتربت منه، ودرت حوله حاملا بين جنبيك قلبك تناوشه الأحلام والصور وربما ادركت للحظة انك وحيد وخائف من أن تتخطفك مخلوقات البستان الخفية التي تتصاعد أصواتها بالغناء مع جريان النهر، زمن الفيض. ترك بذلك العمق الداخلي وبذلك الوجود المكثف أن هذا البستان خارجا عن زمن القرية، اتيا من زمن سحيق ما أن تجتازه حتى يفاجئك ماء النهر ملتفا حوله، حاملا فوق مئة مركب شراعي يدفع الهواء شراعه فيما ينطلق عبر النهر صوت غناء به الشجن والحنين والغربة، والشوق الى البلاد البعيدة. وهكذا كنت أقف وأنا صغير عند عارضة البستان، أرقب المراكب الراحلة بأشرعتها البيضاء فيما الهواء يضربها فأسمع صوتا مثل قرع الطبلة في الفضاء، فأخاف من الليل الزاحف بالذات عندما أرى ظلال البستان تطول حتى تحجب عني الماء، ثم أشاهد المصباح الوحيد في البيت القديم الجاثم وسط البستان يضاء فأرى النور كأنه عين الجن، تلوح مخايلة من بين الشجر. ـ ياجدي أليس للبستان صاحب؟ ـ له.. ناس جاءت من بلاد بعيدة.. استوطنوا البلد وبقوا اسيادها.. ترك ومماليك وأغاوات ـ وعائلة العمدة من نسلهم، عيونهم خضراء ووجوهم بيضاء.. سلالة من سلالة، ووطن رأى كل الملل والنحل واراذل الأجناس، وقد يعجن الظالم والمظلوم في طينة واحدة، معجزته. جدي يحكي لي، وأنا أقف عند العتبة، فيما يهب من النهر نسيم غامض. يرحل الى الزمن القديم، منتزعا من بطن الغيب حكايات البستان، مدركا بوعيه، ومشيدا أمام عيني معارفه التي تأتيني بالدهشة فأخاف مرة، وأغوص في لحم الماضي مرات. ـ هؤلاء الزناة.. منتهكوا المحارم كانت الاشياء ملكهم.. الأرض والماء والبشر.. كم شهد هذا البستان من مظالم!! تتواتر الحكايا، ويضرب صوت جدي قلبي كأنه ماء الينبوع وأنا تأخذني الصور إلى بعيد، الى زمن منسي، تشحنني حيرتي، وقلة حيلتي، أنا ذلك الغلام الذي أتوق للنمو مثل شجرة. ـ كان الواحد من الفلاحين اذا لم يدفع ماعليه من دين يجر على وجهه ويربط لساق شجرة بالبستان ويجلد حتى يظهر له صاحب. آه لو تجرأت وبصيت لحريمهم. تكون الليلة من غير نجم ولا قمر. أزقة مسدودة، وعيون جائعة للهرب والفرار، ودماء واجفة تطاردها المظالم.. يشد المظلوم الى الحبال ويجر معرفة الأكابر أصحاب البستان.. يدخلون به من البوابة الى النهر حيث يربط في شجرة الجميز الجاثمة في الوسط.. شاب من الفلاحين، نحيل تعكس سمرته طمي النيل، وعينه سوداء كليل القرى، وسيم دقيق الملامح، وقابل للعشق حتى من بنات الأكابر. ـ كنت ماشيا مع بنت سيدنا عند القنطرة.. هية؟.. أليس كذلك؟ ويهوى السوط على البدن النحيل، وتنبعث آهة في الليل من بين الشجر فيما ينعق غراب منفلت ويهف بأجنحته السوداء وينتقل من شجرة إلى شجرة. ـ اسيادنا وأولياء نعمتنا.. نساؤهم حرمة من المحارم مثل كتاب الله وأحاديث الرسول، وحرمة أمك وأختك عليك.. عارف؟ ـ وينزل السوط بالنار على الجسد.. يخفق بالظلام وتسقط الأشكال في الليل امام عين الفتى الذي صدق نفسه يوما فانحرف ناحية عشق بنت السيد وهو لا يعلم الخواتيم.. يكون الجلد قد انتهى وتعب المعذبون، وتكون الحفرة قد جهزت، وحفرت على مقاس جسد الفتى النحيل، والعرق يسيل على جباه الرجال، يحمل الفتى ويدفن حيا في الحفرة المقامة على عجل ويهال على البدن التراب.. تكون هناك فتاة رائعة الحسن من نسل أسيادنا البيض قابعة في حجرتها تهذي دماؤها، وتدرك العواقب.. لا أحد يعرف اسمها، هي العاشقة، تودع أحد ابناء الفقراء الذين احبتهم يوما، هو الذي واروه التراب حيا: ـ ياما تاوت أرض البستان من ابدان واهلكت أرواح. يقول جدي وهو يشيح بيده، ويزرر عينيه فيما خطوط المصائر ترسم على وجهه الما وشيخوخة.. وأنا انتفض.. هذا دمي مثل طلل الليل القديم. ـ بستان للفرح والموت، وروح جامحة مثل مهرة.. مأوى لشيوخ المناسر، وأولاد الليل، وسكن شيطان رجيم، وبهجة للاعياد والمواسم حيث يتكرم السادة على الفقراء بزيارته في يوم العيد. حدثتني أمي عن جدتي عن جدة جدتي، انها قالت: كان القمر بدرا يكشف الاشياء مثل ظهر.. الشاطئ والمقبرة والبيوت وصوت الكروان الساري.. خالتك بهية خدعها كشف القمر وظنت النهار طلع.. بصت من نافذة بيتها ورأت النور عالي، والكائنات واضحة كأنها في عز النهار.. قالت: طلع النهار وتأخرت على شغلتي.. اسرح الغيط اجمع محصولي واعود للسوق قبل أن تقوم قيامة الناس. كان الزمان شحيحا بالبشر، والفجر بعيدا عن الطلوع، والليل في عز منتصفه، والبستان جاثما على النهر، غامضا يتأرجح بين الظل وكشف القمر، وأصوات هسيس تخروش بين الفروع. بهية فرحانة بالنور غير مدركة لفخ الليل المنصوب على أرض البستان. عبرت القنطرة، واجتازت المقبرة، واستوت على الجسر حتى تناهى اليها صوت الغناء، وضرب العود، والصاج والقانون والرق، وبوقة من العازفين باللحن السماوي. جذبها صوت الغناء والموسيقى فظلت تخطو مقتربة من حتفها، من ذلك المشهد الذي لا يراه أنسى الا مرة واحدة في العمر، وبعدها العمى والصمت واختلاط الرؤى، والغرق في الاحلام بالليل والنهار، وجذبة أولياء الله المضروبين بالشفاعة والغياب من الدنيا. على أرض البستان جماعة من الجنيات التي تسكن البستان، تفرش الأرض في حلقة من نور ونار.. تعرفهم بهية من الحكاية، والرواية، وقص الاثر، وتواتر التواريخ والأيام. العين الواحدة المشقوقة.. الشعر المسرح مثل جدايل من ليل.. وألسنة من نار تطلق الشرر من العين السحرية.. كانت الجنيات تعزف وتغني.. عروسة ياعريس.. والعروسة بهية التي خدعها كشف القمر فخرجت من غير ان تدرك العواقب، تقترب من حلقة الفرح، يجذبها الغناء وسحر غير مرئي حتى اطبقت عليها الحلقة.. عروسة.. عروسة.. عروسة. في النهار كانت مكومة على أرض البستان بين ظل الشجر كنفخة شريدة غادرها الصوت وسجنها الخرس، يشع من عينيها جنون يتأجج في لمعة خاطفة سارحة، وبعد أيام غادرت الدنيا وهي تصرخ.. عروسة.. عروسة.. عروسة. حكاية متواترة من حكاية البلد تحكي حتى اليوم عن عالم البستان. وأنا لما انصلب عودي، وبدأت اتعرف على حروف الهجاء وافك الخط، واحفظ قصار السور، وأحضر دروس الوعظ بالمسجد، واشتري كتاب ألف ليلة وليلة، وأقرأ حكاياته، واتلو الأربعين النووية وأتباهى على أترابي من العيال: بأنني أقدر أدخل البستان في عز الليل.. وحين أدرك أبي وأمي بأنني أحمل رجاء خاصا، واشياء تميزني عن الأولاد في مثل سني.. سلموني لشعبة الاخوان المسلمين بالبلد.. كان أمير الجماعة مثل سجان. طويل، مهيب، يتمتع بجسد مصارع، وله لحية طويلة تلتف حول وجه قاس مربع. كانت تفزعني عيناه عندما يحدجني بالرعب صارخا في وجهي: ـ قم بابخة العفاريت.. اقرأ من سورة الشمس. ولم اكن قد حفظت السورة فتمتد يده الى جريدة النخيلة ويفاجئوني بضربة على كتفي. تزلزلني الضربة واصرخ بفزعي: ـ خلاص يامولانا ورحمة النبي سوف احفظ غدا. نبي يأخذك ياابن الكلب، والله لقاطع خلفك. وكان يجمعنا في الشعبة مع بقية امراء الاسر، ويخبرنا بأنه وضع كتابا تحت الجميزة في البستان، والشجاع منا من يحضر الكتاب في عز الليل. نخاف نحن العيال ونتضام في حلقة الرعب. البستان الا هذا!! ويطفو في سماء الشعبة رعبنا، وينقطع منا الصوت. يفاجئنا أمير الجماعة بغلظة: ـ مالكم؟.. خائفون؟!.. الولد هذا بخة الشياطين هو من سيذهب. ويشير ناحيتي، وأكون قد تضاءلت وأصبحت مثل خرقة قديمة، وفجأة شعرت باليأس والخجل، واشتعل جسدي وكأن احدهم اضرم به النار. في الليل توكلت على الله حسب أوامر أمير الجماعة وتوجيهاته بان أحضر الكتاب من البستان، واخترقت الأزقة وحدي من غرب البلد إلى شرقها. سرت على جسر النهر، ورأيت ماءه في الظلام مثل صفحة من حديد، وسمعت صوت الليل مكثفا وعميقا.. واجتزت ماكينة الطحين، ووابور المياه، وضريح مولانا (أبوحسين) حين اقتربت منه اشتد وجلي وهمست: بركاتك يا أبوحسين.. عبرت قنطرة الخشب الصغيرة على الترعة وسرعان ما واجهت البستان. كان البستان في الليل مهجورا وموحشا مثل مقبرة، تنتصب اشجار كالمردة، وأنا أقف بالقرب من السور مثل عقلة الأصبع في الحكايات التي اقرؤها.. بدا لي البستان مثل أجمة مغلقة لا نفاذ منها. من بين الأشجار الأبرية نفذت من فتحة ضيقة وخطوت وجلا داخل البستان. سرت بين صفوف أشجاره، وهفت طيور فوجئت بي وأطلقت صرخات مثل العويل. هدفي شجرة الجميز، والكتاب المدفون تحتها. اخوض وحدي في ليل منعزل لا يشبه ليل البلد، فوق رأسي نجمات متوحدات بعيدات لا تأتي بالأمان لملهوف، أو لطفل دفعه سوء حظه واختيار الامير الجائر. فجأة برز أمامي البيت الذي يتوسط البستان. بيت مبني من الحجر المجلوب من الصحاري البعيدة، له دور واحد، وأخذني ضوء المصباح وكأنه شع من داخلي بالنور. اهتديت بالنور فمشيت تجاه البيت. قلت في نفسي: دليلك ليس المصباح، دليلك الكتاب المؤجل، المدفون هناك تحت الجميزة التي تعرفها. قادني فضولي ورغبتي في حشر أنفي فيما لا يعنيني، اقتربت من بيت البستان واخذت أشب على قدمي من امام النافذة المسيجة بالحديد المشغول. راعني مارأيت، وكدت أصرخ صرخة تفضحني فيأتي أصحاب البستان على عجل ويخصونني مثلما يخصون الجديان، والثور الفحل، وكلب الدار. رأيت في صحن البيت، في المساحة المغلقة، والتي تبدو لفرط سطوع النور بها كأنها حجرة المرايا.. لا شيء سوى النور، وامرأة تخرج من احدى الحجرات عارية، كأنها تخرج من حمام العرس، تلف رأسها بشال من حرير في لون الزهر، حين انتزعته سقط شعرها على البدن المنطلق في الضوء مثل عرف مهرة في الريح. تصرخ؟!.. اياك.. قاوم دهشتك وولع قلبك.. واجتر عتبات الحلم واخرج من بستان لبستان، انظر على الشواطئ البعيدة لترى بنات الحور.. اياك ان تصرخ.. سوف يأتون.. انها هي.. هي.. من نسلهم.. وربما تكون حفيدة للبنت التي دفنوا الفتى الأسمر بسببها في حفرة في أرض البستان. انتزعت نفسي مرغما وبداخلي تتضارب المشاعر مثل ماء مغلي، وخطوت ناحية الجميزة وباشرت الحفر حتى وجدت الكتاب. كان ملفوفا في قماشة. انتزعت عنه القماشة ونفضت عنه التراب وبدأت خطوات الرجوع. كدت أصرخ عندما فوجئت بالشبح يخرج من بين الظل الاثيث.. كان مسربلا بالسواد، وملثما، لا تبين منه سوى عينيه اللتين احس ببريقهما ينفذ الى عظامي، وبدلا من أصرخ أطلقت ساقي للريح.. كنت أعدو مثل ذئب صغير، اتجنب فروع الشجر والاصطدام بالسيقان.. نفذت من فتحة السور وعدوت بكل عزمي على شاطئ النهر، في حضني الكتاب، وخلفي يعدو الشبح ولا يلحقني، تتسع المسافة بيننا وتقترب البلد رويدا رويدا، وأغوص أنا في الازقة الملتبثة في الظلام خارجا من زقاق لزقاق حتى وصلت الشعبة وقد تقطعت أنفاسي. استقبلني الجمع بالهتاف والترحيب، بينما كنت اداري بولي الذي تحدر بين فخذي من الخوف. لحظات مضت ثم اقتحم الشبح المكان فاستقبلوه بالصياح والضحك. وكشف عن وجهه فكان أمير الجماعة، الذي ود ان يختبر شجاعتي فكاد يقصف عمري من الرعب. سمعته يقول بانفاس متهدجة وهو يتحايل باحثا عن أقرب مقعد ليجلس عليه: ـ قطع نفسي الله يقطع نفسه، بخة الشياطين هذا. وشار ناحيتي، وضجوا بالضحك فأمرهم بالصمت والسكات. في مواسم القطاف يعمل الاجراء بلقمتهم، يحملون على ظهورهم غلة البستان. ويخرجون في صفوف وقد انحنت ظهورهم حيث تقف عربات النقل المتوجهة الى المدينة حيث الاغنياء القادرون على شراء الثمر. تبصر عيناي فاكهة المواسم تحت الشمس عناقيد وثمر.. كل صباح أشجار تنقش جسدي حكايات عن معنى الحياة والموت.. بالليل قمر مستوحد وبالنهار شمس لاهبة، وفقراء ينظرون ولا يقتربون.. وقت للموت، ووقت للحياة. تنقضي الفصول، وتتواتر السنوات. في الشتاء تظلم الشمس ويسقط المطر، وتتهاوى أوراق البستان، وتشعل الجدة النار وتحكي حكاياتها على ألسنة اللهب. في الصيف تصهل الشمس، وتطارد الثيران البهائم، وتكثر الرغبة في العشار، والأمل في الولادة عيال وعجول. في الخريف، يشيع أهل البلد الموتى الى قبورهم، ويزورنهم حتى لا يتعبون من رقدتهم، ويطمئنون في وحدتهم، ويتحسسون بأناملهم ان كان احدهم قد مسح الاسم من فوق الشاهد، أو طوى ذكراهم النسيان. في الربيع.. يزهر البستان، ويخضر وينور بالثمرات مثل الشموس الصغيرة. وانت يدور بك الزمن دورته فتغادر طفولتك الى صباك، ومن ثم الى كهولتك، وتعود يوما الى القرية بعد غيبة السنوات، يضمك الحنين، ويضرب رأسك الشيب، وقد زحفت البيوت تقرض أرض البستان فينكمش ويتضاءل وينزوي في ركن النهر مثل طفل خائف. تتذكر أيامك حول أرضه وحكايته، وتهتف بكل ضنى النفس، لا شيء يبقى سوى وجه الله، وتتذكر طفولتك وقد نبتت في كل جسمك أشجار وفواكه ومواسم.. برتقالات من دم.. وعناقيد عنب من خمور.. وحبات مانجو من عصب القلب.. ورجال كانت لهم سطوة مثل الجياد الجامحة. وضاقت أرض البستان، وغدا ذليلا بأفدنته الثلاثة، وأشجاره العجوز وطوى النسيان مالكيه الاشداء الذين من نسل الاغراب وأصبح مساحة ضيقة من الأرض.. وتطل عليه في الليل فتجده وحيدا ومعزولا وكأنك في وقفتك في شرفة بيتك تستعيد أيامك معه، تسمعه وكأنه يجهش بالبكاء. تأتيك في فصول الماضي الوجوه الحمراء، ودبات قدميك حول السور تنتظر غفلة الحارس لتنفذ من بين أبره خاطفا ثمرة ناضجة لتهرب هناك متخفيا في مبنى المصلية المقامة على النهر. تنهض الآن في الليل، وتطل من شرفة دارك.. ثمة أصوات خفية تأتيك من المساحة المشرعة على الليل، همهمات بأغنيات من زمن قديم، وكأنما ينفذ أمامك من عند الجسر جسد جدك معمدا بالموت، خارجا من قيامته آتيا اليك محملا بالحكايا، والأوراد، وأحسن القصص.. وزمنك لا تستطيع أن توقف جريانه شرايينك. تقاوم لحظات من الوجد عشتها في حضرة بستان أيام زمان، وموسم قطافه، وعذاباته، وامرأة البستان العارية تخرج تجاهك من النهر ـ لحظة كهولتك ـ يشر من جسدها الماء وتنطرح جدائل شعرها الاشقر على بدنها العاري، تناديك فيصدح غناؤها بلحن لا تعرف مصدر سطوعه فيختلط عليك الوقت، فلا تعرف أن كنت تعيش لحظة من حقيقة أم لحظة من حلم. ـ قاص وروائي مصري