بعد غياب طويل للسينما العربية في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي حيث لم يعرض اي فيلم عربي او عربي مشترك منذ سقوط النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا 1984 ليقدم في دورة 2002، برنامجا خاصا يحمل عنوان «السينما المغاربية في نهاية الالفية» وتكتب الناقدة التشيكية ايفا زاورا لوفا وهي نفسها المديرة الفنية للمهرجان في تقديمها للبرنامج ان دول المغرب ـ تونس والجزائر والمغرب ـ لها تاريخ مشترك وكلها كانت تحت الاحتلال الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت المغرب جزئيا تحت الاحتلال الاسباني وقامت في كل هذه الدول الثلاثة حركات تحرير وطنية خلال الخمسينيات «من القرن العشرين» وصلت لذروتها عام 1954 بثورة الجزائر وحربها ضد فرنسا التي انتهت بعد ثماني سنوات باتفاقية ايفيان والانسحاب الجماعي للفرنسيين من الجزائر اما في تونس والمغرب حيث كانت الادارة الاستعمارية اكثر تساهلا ـ فقد حققت السيادة الوطنية بوسائل سلمية، ومع مرور الوقت فإن تحقيق السلام وازدهار الديمقراطية والاستقلال قد ساعد على نمو الاصولية الاسلامية وخاصة في الجزائر حيث اجريت انتخابات واحدة بعد اخرى واندلعت صدامات دموية بين قوات الحكومة والمعارضة، واضطرت الظروف المعيشية الصعبة في المناطق الريفية وسوء احوال المجتمعات الفقيرة في المدن كثيرا من الجزائريين الى الهجرة الى فرنسا او الى كندا الناطقة بالفرنسية. وكانت دول المغرب تستخدم كديكور بهر من قبل بعض الافلام الاوروبية والاميركية قبل الاستقلال، فان تحقق هذا الاستقلال ادى الى نمو الانتاج الوطني، وقد درس الجيل الاول من المخرجين الجزائريين في الخارج محمد الاخضر، حامينا المولود عام 1934 درس في معهد السينما فامو في براج بتشيكوسلوفاكيا وهو الذي حصل عن فيلمه الاول «رياح الأوراس» على جائزة العمل الاول لمهرجان كان 1967 ودرس كل من محمد بو عماري ومرزاق علواش ومحمد شويخ في باريس، وفي تونس درس كل من عمر خليفي وفريد بوغدير وعبداللطيف بن عمار وناصر حميد ومفيدة تلاتلي في معهد السينما ايديك بباريس، وفي المغرب يبرز اسم المخرج سهيل بن بركة اسطورة السينما المغربية التي حاول اقامة سينما وطنية راقية، تطورت على يد جيلالي فرحاتي وحكيم نوري ومحمد عبدالرحمن نازي وتعرض افلامهم وافلام الجيل الجديد في مهرجانات دولية عديدة، ولكن هذه الافلام نادرا ما يشاهدها الجمهور الاوروبي او تبث على شاشات التلفزيون، وهنا كان يسعى مهرجان كارلوفي فاري الى تعريف رواده عن نماذج من افلام مخرجين مغاربة معاصرين تصور واقع وتقاليد وثقافة ومشاكل شعوب هذه البلاد، او هؤلاء الذين هاجروا منها بأمل في حياة افضل وهوية جديدة. لا تمثل الافلام المختارة السينما المغربية المعاصرة ويبدو ان هذه الافلام مصدرها الاساسي فرنسا منتجين او موزعين، وليس مصادر مغربية كان يمكنها ان توفر مركزا ليسنما الوطنية بالمغرب افلاما تمثل الهوية القديمة المغربية وتعبر عن مشاكل وهموم تشغل المبدع السينمائي المغربي وخاصة من جيل الشباب الذين دعم المركز افلامهم. وتبدو المشكلة الجزائرية هجرة او ارهابا في اكثر من فيلم، كما في الفيلم الاخير للمخرج الجزائري المعروف مرزاق علواش «58 سنة (العالم الآخر) 2001 انتاج فرنسي ـ جزائري، وهو نفسه صاحب فيلم «باب الوادي» 1993 عن فيلم الشباب الجزائري في المهجر والفيلم التسجيلي «حياة وموت الصحافيين الجزائريين» 1997، والروائي الطويل الجزائر ـ بيروت 1997 الذي ربط بين حالة الحرب الاهلية في لبنان والارهاب في الجزائر ـ في فيمله الاخير حيث يدين الواقع المعاصر في الجزائر من خلال عودة ياسمين امرأة شابة جزائرية تعيش طوال حياتها في فرنسا ومرتبطة بخطبة الى «راشد» كانت حياتهما واسرتهما المهاجرتان مستقرتين في فرنسا، وفجأة وبدون توقع يرحل راشد الى الجزائر، لا تتلقى منه اي كلمة او تفسير، تحاول به ان تعرف الحقيقة، تقرر السفر الى وطن والديها واسلافها التي لاتعرف عنه شيئا، وانقطعت الصلة به، ويكشف علواش بن جو العنف والقسوة والارهاب الذي وجدت نفسها محاطة به في الجزائر. رحلة البحث هذه تقاربها رحلة الجزائر، ونرى في فيلم «بيت كلثوم» للمخرج الجزائري الاصل مهدي شريف، من انتاج فرنسي 2001 رحلة في الصحراء الجزائرية الافريقية حيث حاولت الفتاة الجميلة «راليا» ان تبحث عن والدتها كلثوم التي هجرتها وهي طفلة رحلت برفقة عمتها نجمة شبه المجنونة عبر فضاء معادي بلا رحمة ومحاصر بالعنف واليأس، الذي ولد ربما في بيئة فقيرة. وعن الحالة الجزائرية في داخل المهجر وفيلم «انشاء الله يوم الاحد» انتاج فرنسي للمخرجة الجزائرية يامينا بن جويجي تعود الى العام 1974 حينما سمحت الحكومة الفرنسية لاسر الجزائرين العاملين في فرنسا بالتئام الشمل وان يستدعوا افراد الاسرة من وطنهم الاصلي الجزائر للافادة منهم في فرنسا وهكذا جاءت المرأة الجزائرية الشابة زوينة ومعها حماتها وأبناؤها وفي الميناء يرحب الزوج بأمه ثم بأولاده ويستقبل في النهاية زوجته التي لم يراها منذ سنوات طويلة في البيت تجد زوينة نفسها حبيسة عليها ان تخدم البيت وتلبي طلبات حماتها، وليس لها اي حقوق، توجه لها حماتها اللوم على كل تصرف لايرضيها، ومحرومة الاتصال بالخارج، وتتعرض للضرب من زوجها، لكن علاقة صداقة تربطها بإمراة شابة فرنسية تساعدها على توسيع افاق معرفتها والثقة في نفسها، الوعي جاء اذن للمرأة الجزائرية الشابة عن طريق المرأة الفرنسية! فيلم «ملاك الشر» انتاج كندي اخراج دينيس شوينارد، لكن موضوعه الجزائر، فامام خطر الارهاب في الجزائر ترحل اسرة احمد قاسمي الى مونتريال وتظل شهورا في انتظار الحصول على حق الاقامة في كندا، لكن ابنه حافظ، يشترك مع صديقة كندية في حركة الدفاع عن الحريات، يعرضه للحرمان من حق الاقامة والطرد من كندا. يوجد فيلمان لمخرجين تونسيين «موسم الرجال» 2000 عن اثر هجرة الرجال في جزيرة جربة الى العاصمة تاركين زوجاتهم، والثاني شابة في 30 سنة رجاء عماري في فيلمها الطويل الاول بعد افلام قصيرة «الساتان الاحمر» يدور حول الحياة في تونس اليوم.