في احدى دور عرض افلام مهرجان القاهرة السينمائي في دورته المنعقدة عام 1987 وجدت زحاما غير عادي حول فيلم حمل عنوانه «كسارة البندق»، ومن الافيشات الموجودة في مدخل دار العرض، عرفت ان الفيلم لمخرج سوري اسمه «انور قوادري» ومن بطولة النجمة العالمية «جون كولينز». واسترعى انتباهي مع بدايات الفيلم المستوى الرفيع جدا صورة ومضمونا وتكنيكا سينمائيا يعكس رؤية وامكانيات مخرج متمكن من ادواته.وخرجت بعد عرض «كسارة البندق» ابحث عن المخرج العربي الذي لم يعطني الفرصة في الحديث وادخلني إلى مكنونات ما يحلم به ويعشقه وتعددت لقاءاتنا يوميا خلال كواليس المهرجان. وكان حواره الدائم معي عن فيلمه القادم «عبدالناصر» الذي أراد ان ينافس به فيلم «غاندي» ليؤكد على الدور الذي لعبه هذا الرجل من خلال رصد لوقائع تاريخية يمكن ان يكون لها اسقاط على واقعنا الحالي. كان ذلك منذ اكثر من 15 عاماً، وبقيت انتظر هذا العمل إلى ان شاهدت فيلم «انور القوادري» وكان بالفعل مثيرا لحزني الكبير أن ارى عملاً عن «عبدالناصر» بهذا الضعف الفكري المتمثل في السيناريو والشكل الواضح تقنيا في التصوير، وتشككت لمعرفتي مستوى انور القوادري كمخرج لكن الحقيقة الماثلة أمام عيني جعلتني اضرب كفا بكف، وجعلتني ازداد إصرارا على الحلم بفيلم عالمي عن «ناصر» في وقت نحن احوج فيه إلى عمل يرفع هاماتنا إلى السماء، بدلا من ان نهيل عليه التراب وننساه! ـ عرش الغناء بدون نجم! السمك إذا خرج من الماء ـ مات ـ وأصوات بعض مطربينا الحالية إذا خرجت بعيدا عن الاستديوهات ـ فشلت. هذه الحقيقة واضحة تماما، في الحفلات الخارجية، وحفلات الزار الشبابية أو على رأي عمنا صلاح عويس «الشباشبية»!! والتي تكشف اصوات المطربين وما تصاحبها من حشرجات، وتهتهات وتأتآت وكثيرا ما ينقطع نفسها امام مواجهة الجمهور الذي لا يرحم ويطالب بمطرب «نجم» يجمع حوله مختلف الاذواق.و«اللطمة» التي دائما تفيقنا بعد «غيبوبة» الدعاية الكاذبة لأي صوت جديد ـ فشله في مواجهة الجمهور - الذي اصبح يتساءل ونتساءل معه أين النجم؟! الذي كان موجودا بيننا منذ زمن ليس بالبعيد.المطرب اليوم لا يستحوذ على اعجاب كل الناس، رغم ما يلاقيه من وسائل الاعلام التي جعلت له بريقا من خلال الاذاعة والتلفزيون والفيديو كليب والدعاية بلزوم أو بدون لزوم، عكس الجيل القديم الذي أثبت وجوده من خلال الاذاعة فقط، ولاقى اعجاب كل الناس في زمن كان الغناء فيه هادفا وكل فقرة في الاغنية لها معنى.ذهبت الاصوات التي جذبت كل الناس، وجاءت الاصوات الجديدة مريضة خافتة لا طعم لها لان الغناء في زماننا اصبح مهنة من لا يملكون الموهبة. ـ الانحياز إلى الأصل لا معنى سينمائيا أو تلفزيونيا من وراء اعادة تقديم قصة فيلم تحول إلى عمل «كلاسيكي» نتيجة للتأثير الكبير الذي تركه لدى الجمهور لان احدا لن يجرؤ على محاكاة افلام شهيرة مثل «رد قلبي»، «شيء من الخوف»، «أم العروسة»، «ونحن لا نزرع الشوك» بدون ان يضع نفسه في مقارنة ظالمة لن تكون في صالحه بأي حال من الاحوال.وأعتقد انه ثبت بالدليل القاطع ان كل التجارب التي قدمت فاشلة تماما، لان تأثير العمل الاول ونجاحه لدى الجمهور احدث نوعا من التشبع ثم جاءت الاعمال المعادة لتتسم بالملل والتطويل والاسهاب غير المبرر فلم تضف جديدا بل ظهر واضحا ان اصحابها ينظرون إلى المسألة من منظور تجاري بحت لا علاقة له بالفن.هذا الكلام لا اقصد منه ـ الحجر على الابداع ـ ولكن ضرورة تعديل الاوضاع الخاطئة التي قادت إلى هذا الفشل. ـ الفن الجميل لا يموت علمنا رائد الواقعية في السينما العربية «صلاح أبو سيف» قبل أن يرحل ألا نفقد الثقة في عالمنا.. وقيمة الفن.. الذي هو بلا شك المحرك الحقيقي لمشاعرنا التي تاهت وسط ماديات الحياة. خلال «50 عاماً» اخرج صلاح أبو سيف، بإبداع، وروح وثابة شابة ما يقرب من 42 فيلماً، أعطت لاسمه الحق في أن يذكر في الموسوعة السينمائية العالمية، وأن يعتبره المؤرخ ـ جورج سادول ـ من أفضل مئة مخرج في العالم منذ اختراع عالم السينما. ويتجلى أسلوب «صلاح أبو سيف» فكراً وفناً، في اهتمامه الرائع والممتع بالرموز وأدق التفاصيل، ويظهر ذلك في كل من فيلم «الزوجة الثانية» و«بداية ونهاية». كما انه لم يحصر واقعيته فقط في النماذج البشرية، بل امتدت لتشمل الحارات والمقاهي والأسواق وهموماً حقيقية ترتبط بقضايا الفقر، ومعاناة الظلم، وضياع حقوق الانسان، وكانت هذه الخيوط نسيجاً لأهم أفلامه «ريا وسكينة» و«الأسطى حسن» و«الفتوة». رحل رائد الواقعية بعد أن قدم تجارب سينمائية احتلت أكثر من موقع وحصدت أكبر عدد من الجوائز الفنية لكن الأهم انه استطاع ببراعته المعهودة أن يعبر عن رؤية واعية لمعاناة الإنسان البسيط وكفاحه من أجل حياة أفضل. أسامة عسل OSAMA614@yahoo.com