لفت قراء صحيفة «البايس» انتباهي الى صعوبة فهم مقال «الأزمة الغربية» الذي نشرته الصحيفة لي قبل حوالي شهر ولذلك قررت المضي في التطرق لعناصر أخرى من الواقع العالمي التي تشكل تلك الازمة. وعندما أصف هذه الازمة بالغربية فأنا اشير الى النقص في الممارسات التاريخية المكتسبة من أجل تفسيرها، مما يعقد التحليل حيث كانت مجموعة القوانين المدونة تسمح لنا بأن نولي وجهنا الى شطر معين انطلاقا من علم تصنيف سياسة التكتلات والحرب الباردة والدورات الاقتصادية التي اصبحت غير كافية لتشخيص هذه الازمة الشاملة سواء في عناصرها الاقتصادية والمالية او السياسية والامنية في المقام الأول. واريد في هذا المقال الانطلاق من دور الولايات المتحدة كقوة عظمى حصرية واستثنائية، تشعر لأول مرة بأنها مهددة داخل ارضها وصولا الى التصدعات الجديدة في المجتمع الدولي ـ حقيقية كانت أم مختلقة ـ ومرورا بخسارة أهمية أوروبا، من الاطلسي الى جبال الأورال، او الانهيار السياسي والاقتصادي في الجزء الأعظم من اميركا اللاتينية. هناك شروخ تفصل بين ما نسميه اصطلاحا «عالما غربيا» وما هو ليس بغربي على الرغم من انه ليس «شرقيا» كذلك، وانما ما هو آخر والذي يبقى خارجاً ويبدأ بإدراك نفسه على انه اصل التهديدات، مع خطر التلاشي الى اعطائه شكل عدو جديد ذي مرجعية. تشعر الولايات المتحدة بأنها وحيدة وتبدأ بكونها كذلك فعلاً، ومن الممكن ان تبدأ بالاحتياج لمن يدافع عنها من نفسها، على الرغم من أنها تدرك عكس ذلك تماما، مشددة على القيام بالمهمة المستحيلة تقريباً. مع انها تواجه، مثل باقي العالم، أزمة اقتصادية محيرة وأزمة أمنية جديدة بشكل جذري في طبيعة التهديدات التي تسببها. وتخلط براغماتية قوية في اقتصادها الداخلي مع ادلجة محافظ عليها في الخارج وتستنجد بالمطلق عندما يتعلق الامر بالتهديد الارهابي العالمي مع ممارسات تقليدية في الرد العسكري الذي لا تبدو أنها ستحقق الأهداف المرجوة منه بتقليص الاخطار، وإنما العكس تماماً. ومن اجل الدفاع عن اقتصادها، تحقن النظام بالسوائل المغذية حيث تخفض انواع الفوائد حتى جعلها سلبية وتعيد الضرائب وتستعيد النظرية الكينزية رافعة نفقات الدفاع ولا تتردد في ادخال اجراءات حماية الصناعة التقليدية او الزراعية مع ان معادلة العجز صفر ما هي نظرية في تاريخ قديم. لكن الولايات المتحدة تغير براغماتية اجراءاتها الداخلية بالمطالبة بسياسات متشددة تبعا للعقيدة الليبرالية الجديدة عندما يتعلق الأمر بالازمة الارجنتينية (وليس التركية) او علاقاتها مع المكسيك او بلدان اخرى، اذ تبدو الولايات المتحدة في القاعدة القياسية الجديدة «السوق الداخلية للولايات المتحدة لنا وحدنا، بينما يتعين ان تكون اسواق البلدان الاخرى مشتركة». لكن هذه السياسة لها حدودها وفي الحالة الارجنتينية تجاوزت الحدود على نطاق واسع فصندوق النقد الدولي لا يستطيع الاستمرار في ممارسة اصولية النموذج الذي يبدو انه قرر ممارسته مع الجمهورية الارجنتينية بدون مخاطر جسيمة جدا بالنسبة لذلك البلد والمنطقة حيث تجاوزت اميركا اللاتينية كونها مجموعة بلدان ناشئة لتتحول الى منطقة حرجة في وضع طارئ. وامام هجمات 11 سبتمبر والتعاظم المحتم للتهديد الذي لم يكن مسيطراً عليه ولا حتى محدد، حل مكان تلك البراغماتية اسقاطات دينية تقريباً، كالذي يستلزمه تكرار عبارة «من ليس معي فهو ضدي» او البحث عن «محور للشر» ملتبس وهو ما يخفي الافتقار لسياسات امنية جديدة ملائمة لطبيعة التهديدات، وتظهر ريبة متغطرسة حيال امكانيات التعاون القانوني للبلدان الصديقة. اما الحرب الباردة ايام العالم الثنائي القطبية، فلقد اصبحت «فريسة» للنبوءات مع هوامش تحرك مفاجئة منخفضة نسبياً سمحت بتحريك عجلة المسرح العالمي مع نسبة مخاطرة مسيطر عليها بالتوازي مع تبسيط تصنيفات صديق ـ عدو. لكن حصص السلام تلك، التي تحدث عنها بوش القديم، لم تصل الى البلدان النامية وابتعدت عن البلدان الهامشية في خضم افتقار للسياسة كمنظمة تعنى بالحيز العام المشترك وتمجيد للسوق كمسطرة وحيدة للقياس عرفت الفكر الوحيد ووضعت نهاية التاريخ. وفي العقد الاخير من القرن الواحد والعشرين بدأت بالازدهار نزاعات شرسة متعددة والتي راحت تخلق ظروف هذه الازمة وبقدر ما تهرب تلك الصراعات المفتوحة باتجاه تصنيفات الحرب الباردة فإن الهجمات الارهابية بالدرجة التي نعيشها تندفع كذلك بالاتجاه ذاته مثلما تتهرب «اسرائيل» من حل صراعها مع الفلسطينيين او الصراعات التي خرجت عن السيطرة مثل الانفجار الداخلي اليوغسلافي او عمليات الابادة العنصرية الافريقية. ان اعتداءات جديدة لابد منها في المدى المنظور ولا يمكن ادراكها حين تعريف العدو الذي يجب الرد عليه، والتي تخفي الاصل والمصير وتتوارى خلف التحديدات المسبقة التي اعتاد عليها العالم ثنائي القطبية، تضعنا امام الحاجة الى تحليلات تبادلية يتمتع فيها الذكاء مثل المعلومات المعالجة بطريقة مرموقة، بأهمية أكبر بكثير من القوة العسكرية. ذلك ان الجيوش العادية ليست هي التي سوف تسيطر على التهديدات الارهابية العالمية وتقلصها ولا هي السبيل للرد على الهجمات «الانتحارية» فالوسائل التقليدية لا تنفع الا في الحروب التقليدية بين الدول لكنها لا تبدو ذات شأن بالنسبة لمثل هذه الصراعات. اذاً ما العمل عندما تضعنا القوة العظمى الوحيدة الناجمة عن تصفية التكتلات المنافسة امام خيار اما ان نكون معها او ضدها؟ في زمن بوش القديم، كنا قادرين على الاختلاف مع سياسته الوسط اميركية وان نكون على اتفاق مع مقترحاته الخاصة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي ومع كلينتون كنا قادرين على مناقشة افضل السبل لمواجهة ازمة البلقان او العلاقة مع روسيا، وكنا قادرين ايضا على التعبير عن مواقف متناقضة او مؤيدة او متدرجة الالوان فيما يتعلق بالموقف الاميركي بدون ان نقع في حكم «ضدنا» الحربي هذا. اما الآن بعد ان ثبت هذا الخط التقسيمي المتطرف اختفى حيز التباين ذاك، وتلاشى معه التعاون القانوني وحلت مكانه ضغائن جديدة واذعان لا طائل منه لا للولايات المتحدة ولا للآخرين. اذاً ما العمل مع محاولات تعريف عدو محدد مسبقاً فيما يسمونه «محور الشر»؟ من نافل القول ان ابتكار الاعداء للتظاهر بأننا نتصرف وفق استراتيجية معينة، ما هو إلا توجيه غير فعال ولا يؤدي إلا الى عواقب كارثية وهو كارثي لانه سوف ينتهي متحولاً الى حقيقة اجبارية ستوصلنا الى «صدام الحضارات» وذلك كبديل للصدام الايديولوجي الخاص بسياسة التكتلات. فمن غير المعقول على سبيل المثال ان يمثل كاسترو تهديداً بالنسبة للولايات المتحدة واقل من ذلك تهديداً ارهابياً بيولوجياً، ومع انه من الممكن انتقاد النظام بسبب غياب الحريات الديمقراطية وبسبب طابعه الاستبدادي، لكن محاولة وضعه ضمن «محور الشر» ما هي إلا حماقة كبرى. لقد تم قبل بضعة اسابيع التوقيع على معاهدة «الناتو ـ روسيا» التي بدت مصوغة قبل عقد من الزمن بمعنى انها نهاية مرحلة تاريخية عرفناها تحت مسمى «توازن الرعب» لكن في الوضع الراهن سيكون لها قراءات وعواقب اخرى بشكل لا يرحم. وانا لا اتحدث هنا عن انزعاج أولئك الذين اقتربوا من الناتو كي لا يجلسوا على طاولة الروس نفسها والآن هم في طريق العودة، وانما عن معنى المعاهدة في الوضع الراهن. كما انني لا اقصد ميثاق حلف شمال الاطلسي، وبما انه لا يعرض وضع تكتل ضد آخر كما في الزمن العابر، فإنه لمن المقلق حقاً التفكير بمسألة في مواجهة من سيطرح الدفاع عن تلك المجموعة في المستقبل. وباستثناء تركيا «التي من الممكن ان تشكل القاعدة القياسية» يبدو ميثاقاً يهودياً ـ مسيحياً ذا طابع حضاري او غربي بالمعنى الذي اعطيناه اياه سابقا بحيث تبقى خارجا كل من الصين والعالم الاسلامي، بالاضافة الى الهند البوذية، اما الاقاليم او المناطق الاخرى باستثناء كوريا الشمالية، فإنها اقل خصوصية لانها تعتبر اقل اهمية كتهديد بالنسبة لأمن ما بعد 11 سبتمبر. ان محاولة تعريف «محور شر» جديد كعدو ذي مرجعية، لن تكون إلا محاولة لتشكيل عدو حضاري او ديني، حتى لو كان موجوداً من قبل، وبالتالي سنسير باتجاه تشكيل «الآخر» الذي سيبرر غداً الميثاق الجديد. اذا استمرت الهجمات الارهابية فيما لايفعل شيء لتدارك ان تكون كذلك، فإننا نفتح خطوط تصدعات مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في القرن العشرين، لانها لن تكون تكتلات محددوة بأيدلوجيات سياسية مثل الحرب الباردة، لكن اذا اصرينا على تعريف اصل التهديدات بهويات دينية أو ثقافية، فإننا سنقوي بذلك اساطير جديدة غير منتظرة وفوضوية بشكل اكبر ومتطرفة واستثنائية اكثر من التي كانت موجودة سابقا. انها بداية سيئة للقرن الواحد والعشرين. ترجمة : باسل ابو حمدة عن «البايس» اسبانيا