عندما تفتتح دورة العاب الكومنولث في مانشستر الاسبوع المقبل ستكون اعين المتفرجين مسلطة على الرياضيين الذين يتنافسون في العاب رياضية لا يفوز فيها سوى اصحاب الاجسام الاقوى والاكثر لياقة. غير ان المؤسف هو ان اغلبية الرياضيين الذين نعجب بهم لسرعتهم الفائقة ومهاراتهم في العدو يعانون سراً من الانوركزيا، وهو المرض المرتبط بالاجسام الضعيفة المضمحلة. وقلة من الرياضيين يمتلكون الشجاعة الكافية للاعتراف بأنه بدلا من ان تكون حالات الاصابة بالانوركزيا او فقدان الشهية المرضي بين الرياضيين هي الاستثناء تتزايد اعداد الرياضيين المصابين بالانوركزيا او البوليميا بسبب الضغط الذي يضعه هؤلاء على اجسامهم بحثا عن الكمال. العداءة البريطانية سيان لويس تقول بأن الكثير من الرياضيين يمرون بهذه الحالة ولذلك فهي لا تشعر انها الوحيدة التي تعاني من الانوركزيا. لويز بيفر خبيرة التغذية الرياضية والمحاضرة في موضوع الصحة الرياضية بجامعة ليدز تقول ان الدراسات اظهرت ان الرياضيين والنساء هم اكثر شريحة غير راضية عن اجسامها من الناس فانشغالهم الزائد بالتفكير في اشكال اجسامهم واوزانهم هو سبب ارتفاع حالات الاصابة بمشاكل الخلل في انماط التغذية. والدراسة التي اجريت في جامعة ليدز في العام 1997 والتي خضعت لها مائتا رياضية اظهرت ان 8% على الاقل منهن تلقين علاجاً عن خلل او مشكلة في انماط التغذية، وهو الرقم الذي يزيد بثمانية اضعاف عن المعدل الطبيعي او المتوقع. وهذا الامر لا يدهش الدكتورة دي دوسون المديرة الطبية لعيادة متخصصة بعلاج الانوركزيا بين الاطفال والخبيرة في هذا المرض فهي تصف مدى شيوع الحالة بين الرياضيين بأنه امر ميئوس منه ويتعذر تصحيحه، فالشخص على حد قولها لن يستطيع ابدا الفوز في ماراثون او سباق عدو لمسافات طويلة اذا كانت بجسمه اونصة واحدة من الشحوم، وهو لن يستطيع ابدا ان يخوض منافسة اذا ما بلغت نسبة الشحوم في جسمه 20%، وهي الكمية التي تحتاجها المرأة لكي تنتظم دورتها الشهرية. وعدم وجود دهون في الجسم يعرض خصوبة المرأة للخطر ويدمر الصحة لكنه بالمقابل يجعل الشخص يجري اسرع كما تقول. وشحوم الجسم تعيق الاداء الرياضي ولذلك فان التخلص من كل اونصة من هذه الشحوم هو الثمن الذي يكون الرياضيون مستعدين لدفعه. وتشير بيفر ايضاً الى ان سمات الشخصية المطلوبة لصنع رياضي ناجح هي شائعة ايضاً لدى الاشخاص الذين يكون لهم استعداد مسبق للخلل في انماط الغذاء وهو ما يساعد على تفسير سبب انتشار الانوركزيا والبوليميا في صناعة الرياضة وفي الصالات الرياضية والرياضة التنافسية. والسمات التي تجعل الشخص عرضة للخلل في انماط التغذية هي الرغبة في بلوغ درجة الكمال، وحب التنافس والهوس والقوة المكرهة وامتلاك دوافع داخلية قوية واحيانا قسرية، وهي كل السمات التي يحتاجها ايضاً الشخص لخوض منافسات رياضية تتطلب مستوى عاليا من الاداء او اللياقة البدنية. وفي حين ان هناك بعض المكاسب قصيرة الامد لخفة الوزن كالمساعدة على الفوز في سباقات العدو الا ان التأثيرات طويلة الامد لذلك هي ضرر بالغ في الجسم. فاذا كان الشخص لا يأخذ او يستهلك سعرات حرارية اثناء مزاولته الرياضة فانه سرعان ما يفقد طاقته ويشعر بالاجهاد الحاد واداؤه يمكن ان يتأثر احيانا وقدرته الايروبيكية تنخفض سريعاً ويصبح الرياضي اكثر عرضة للالتهابات والاصابات وفترة شفائه او نقاهته تستغرق وقتا اطول. وتعرض النساء الرياضيات انفسهن لفقدان كثافة العظام وهشاشتها في مرحلة لاحقة من حياتهن. وبالرغم من ان الضرر الناجم عن الانوركزيا اصبح حقيقة معروفة الآن الا انه لايزال شائعاً ان يتحول الشخص المصاب مسبقا بالانوركزيا الى الرياضة بهدف اخفاء حالته. والجري لمسافات طويلة يجتذب على وجه خاص النساء اللائي يستخدمن الرياضة المفرطة هدفا لانقاص اوزانهن. فالتدريب على الجري يجعل مسعاهن نحو النحافة مشروعاً ونمط غذائهن مقبولا من الناحية الاجتماعية، اذ يصبح بمقدورهن القول: لابد ان انحف كي افوز في المنافسة، كلما اثار احد تساؤلات او اظهر قلقا بشأن عاداتهن الغذائية. وافضل نموذج لذلك هي العداءة ترودي ثومسون التي كانت مصابة بالبوليميا قبل بدئها بالجري الاحترافي وهي في سن الحادية والثلاثين وتعترف ترودي بطبيعتها الادمانية التي وصلت الى حد انها كلما وضعت لقمة غذاء في فمها تشعر ان لزاما عليها ممارسة الرياضة. والعداءة ريتشيل نيكلسون دخلت المستشفى في العام 1996 حينما كانت في التاسعة عشرة من عمرها للعلاج من الانوركزيا بعد سنة كاملة من مشاركتها في فريق عبور البلاد، حيث انخفض وزنها بشكل حاد لانها كانت عازمة على تحسين ادائها من خلال إنقاص وزنها. فقد كانت تشعر ان الامر يستحق منها ذلك من اجل مستقبلها الرياضي. وسوزي ديجازون هي من حكايات الشفاء غير العادية، فبعد اصابتها بالانوركزيا انخفض وزنها بشدة، وتدهورت صحتها الى حد انها اصبحت تتغذى بواسطة انبوب، لكنها بعد معركة مع المرض استمرت عشرة اعوام تغلبت عليه وفازت في منافسة هاواي الثلاثية المعروفة باسم «سباق آيرونمان ترايثلون» والتي تتطلب السباحة لمسافة تزيد على ميلين ثم ركوب الدراجة لمسافة 112 ميلاً ثم العدو كل ذلك بدون اي توقف. والخلل في انماط التغذية في الرياضة لا يقتصر حصريا على النساء. ففي فبراير الماضي فتحت اللجنة الاوليمبية الدولية تحقيقا في حالات الانوركزيا بين المتنافسين الذكور في سباقات القفز والتزحلق على الجليد وسط مخاوف من قيام المتسابقين بتجويع انفسهم للفوز بالميداليات، والذي حدث عقب تطوير اسلوب جديد للقفز على الجليد ينتفع منه اصحاب الاوزان الخفيفة من الرياضيين. والعداء الاسكتلندي تومي موراي فاز باثنتي عشرة مسابقة جري اثناء اصابته بالانوركزيا والبوليميا. وتؤمن الدكتورة دوسون ان وباء الانوركزيا بين الرياضيين يمكن ان يتلاشى اذا ما قام المدربون بالاقتداء بنموذج مدرب العداءة سيان لويس من ناحية عدم تشجيع الرياضيين والنساء لاعطاء النحافة اولوية على صحتهم. وهي تتساءل: لا افهم لماذا لا يقوم المدربون وخبراء التغذية التابعون للفرق الرياضية بإثارة المزيد من الضجة حول مسألة انقطاع الدورة الشهرية عن بطلات الرياضة مضيفة بأنهم على علم بذلك لكن لا يقولون شيئاً. ابتسام أحمد