عندما ترك قلعة بعلبك قبل سنوات قليلة كانت في جيب الفنان عبدالحليم كركلا مسرحيته الراقصة «ألف ليلة وليلة»، وها هو يعود الى معبد جوبيتر ومدرجاته في القلعة بعد ثلاث سنوات، من التحضير في مدينة دبي للاعلام وفي جعبته مسرحية جديدة يعرضها مستبدلا «الف» «بالفين»، ليصبح اسمها: ألفا ليلة وليلة». و«الفا ليلة وليلة» زاوجت ما بين الخيال والواقع، فابدعت لوحات طوعت نغما يسري بألحانه في اوصال الراقصين فاذا بهم لوحات صافية رهن ريشة عبدالحليم كركلا يشكلها وبدقة خبرة وفقا لابداع اساسه التراث والبيئة والتاريخ. الاسم مقتبس من كتاب «الف ليلة وليلة» والقصص منسجمة مع حكايات شهرزاد وشهريار، وليتكامل العمل ادخل كركلا موسيقى بلاد فارس ومشارف الصين عبر نغمات الموسيقار هوشنغ كامكار، ولانه المتمسك والمعتز بانتمائه اللبناني العربي كان سحر توفيق باشا والحانه، ولاضفاء البعد الانساني افرد مساحة للموسيقى العالمية. عالج كركلا في حكاياته ولوحاته قضايا انسانية تتراوح ما بين الخير والشر، التسلط والتواضع، العفة والرذيلة، الشهامة والهوان، الفساد والاصلاح، الحب والكراهية، الغدر والوفاء، والغلبة في مسرحه لجوانب الخير المتأصلة في روح وكيان الانسان. وشاء كركلا ان تختار «شهرزاد» اخر حكاياتها للملك «شهريار» على ارض الحرية والبطولة والجمال، وتحديدا على ادراج هياكل بعلبك التي هي الاخرى اختلفت حول بنائها الاراء ما بين الواقع والخيال، فانسجم الموضوع مع المكان، وعشنا في زمن كان وما كان. كما قدم عبدالحليم روائع الفولكلور اللبناني في صور غنية وزاخرة بالحيوية والحركة والرجولة واللمحات الفنية الرائعة الى جانب اسماء لامعة من الفنانين الكبار. «ألفا ليلة وليلة» عمل ابداعي له مضمون عشقته شعوب الارض بكل زمان ومكان لما فيه من حكايات جمعت ما بين خيال العقل والواقع الانساني الذي نحتاج اليه لتصحيح انفسنا في بعض الاحيان ومجتمعاتنا احيانا. وقد انضم الى هذا العمل كبار المبدعين في العالم من مخرجين ومصممين للديكورات مع كوكبة من كبار الفنانين اللبنانيين ولاول مرة في تاريخ الموسيقى العالمية يكون للموسيقى هوية شرقية حيث اطلت من انبعاث الضوء وتيجان الحجارة من معبد جوبيتر الى العالم مع ريمسكي كورساكوف لكن بثوب وعباءة شرقيين لتجمع ما بين الماضي والحاضر وتختصر المسافات في لعبة الحكم في اخراج ريادي لايفان كركلا. وكذلك البوليرودي رافيل الذي تم تسجيله ايضا بآلات وايقاعات شرقية بواسطة الموسيقار الايراني الكبير هو شنغ كامكار، كما قام توفيق الباشا بكتابة الدراما الموسيقية لحكاية «أنس الوجود أميرة الثأر» التي لا تتردد في قتل كل من يطلب التزوج منها. فيما قام الملحن اللبناني شربل روحانا بتأليف مشهد النهاية بعد ان عاد شهريار الخير الى كل الرعية ليعود ويفتح ابواب قصره نازلا الادراج لملاقاة شعبه انسانا جديدا في فرحة شاملة تعم الشعب. اما كتابة الاغاني فقد جسدها ايلي شويري بأغانيه الشعبية في غاية من الجمال والروعة، واشرف على المسرحية الفنان عبدالحليم كركلا. مسرحية «ألفا ليلة وليلة» التي جمعت فصلين من 19 مشهدا تحكي حكاية مملكة انقسمت الى مملكتين والتاج الى تاجين والشعب الى شعبين لتعم الارض في غابر الزمان المفاجآت والخيانة والفساد. وتبقى المسرحية تراوح مكانا وفصولا الى ان يأتي المشهد التاسع في الفصل الثاني وما قبل الاخير، حيث تزرع الارض وتنتج الخير والعدل والتسامح والمحبة التي لم تكن تعرفها المملكة وتختم بالمشهد العاشر لتفتح ابواب القصر ويعود الانسان الجديد في فرحة شاملة تعم الشعب. عبدالحليم كركلا نسأل الفنان عبدالحليم كركلا: ما الرسالة من عملك المسرحي الراقص الجديد «الفا ليلة وليلة»؟ فيجيب بقوله: ـ الرسالة موجودة اساسا في كتاب «الف ليلة وليلة» حيث ان الدخول الى قلب وشعور ومخيلة وتمنيات الانسان، والانتقال بالانسان الى عالم الخيال والواقع بشكل مشترك، وهذه قيمة العمل. من هنا كان للكتاب موقع ادبي مميز منطلق من الشرق والعالم العربي الى العالم اجمع، فترجم الى كل لغات العالم حتى الى الصينية، وادى الى ثورة عند الكتاب المشهورين في العالم، وغير نظرة الانسان الى نفسه وحرره من العبودية وعتمة الفكر ودعا الانسان الى التحرر». واضاف كركلا: برنارد شو يقول: «اتركوا الكاتب يعبر بحرية عن كامل الحياة وكامل الجسد»، ويبقى المسرح و«الف ليلة وليلة» وكل قصصها عاملا اساسيا لتغيير الانسان الى الافضل، سواء اكان حاكماً او عاشقاً او مغامراً.. فالقصص ولو انطلقت من الخيال ومن خوارق تتخطى العالم الطبيعي، يبقى الهدف تصحيح الوضع الانساني وتقارب الانسان نحو القيم الانسانية والربط بين الجنس البشري ذكوراً واناثاً وبين الحاكم والرعية، هذه رسالة العمل التي لم تنقطع منذ تأليف هذا الكتاب ومازالت سارية المفعول، ولم يزل تأثيرها على الناس بالنسبة نفسها، لا بل اقوى لاننا بحاجة اليوم للهروب من عالم التكنولوجيا وسرعة الزمن التي نعيش، والدخول الى مسرح «الف ليلة وليلة» والعيش لساعتين من الجمال والدهشة لاعطاء الدفع للنفس ولتمتعها وتريحها من الزمن التي تعيش وتنتقل بروحك الى زمان آخر. وهكذا تنعش روحك من جديد لتعود بجدية اكبر واندفاع متجدد ان قرأت او شاهدت». المخرج وحيوية العمل ثم نسأل مخرج المسرحية الفنان الشاب ايفان كركلا: ـ لماذا تغير العنوان الى «ألفا ليلة وليلة» وما الجديد في المعالجة؟ ـ جانب من الجوانب هو التقاء اسم العمل مع العصر، ولكن مضمون الف ليلة وليلة استعمله الكثيرون في المسرح والافلام وهوليوود والعالم، الا ان اكثر ما يعرفه الناس عن الكتاب «سندباد» و«علاء الدين» و«علي بابا».. لكن نحن دخلنا الى المضمون وليس الى قصص هوليوود، دخلنا الى شهرزاد وشهريار من بدايات العمل وحاولنا الغوص في سبب شهرزاد وشهريار، فمثلما هناك امرأة تحول انساناً الى وحش، تأتي امرأة تغير نفسيته وتجعله يعيش ليكون انساناً طاهراً جميلاً مليئاً بالمحبة والتسامح. هذا من جهة النص ولكن كركلا المتجدد في مسرحه كل اربع او خمس سنوات، حاول ادخال المسرح الى مستوى جديد وفكر متجدد، ورسالة كركلا هي البحث من خلال الجمال عن مكامن المتعة للاذن والجمال للعين من خلال البحث المستمر عن الابداع المسرحي، ورسالة كركلا الثقافية هي تحدي الذات والغوص في منعطف جمالي ودقيق، فالعمل ليس لانجازه، وانما العمل ليخلد من خلال الابداع الذي اساسه التراث والتاريخ والبيئة. من اجل «ألفا ليلة وليلة» دخلنا فعلاً الى بلاد السند والهند ووصلنا الى باكستان للبحث عن عناصر هذا العمل وفي الكورغرافيا بوجود اليسار كركلا هناك نظرة متجددة للعلاقة ما بين الحب والروح والفكر، واعتقد ان الرقص مبني على العناصر الثلاثة هذه. كما دخلنا الى سرعة الحركة، والازياء نقلتنا فعلاً الى الليالي الشهرزادية وسحر ألف ليلة وليلة. الآن كركلا متجدد وحتى يتجدد لا يعيش على امجاده القديمة وخبرته، بل عليه ان يحتفظ بكل ما انتجه في السابق دون ان يعيش فيه باستمرار وانما يستفيد منه دون ان يكرر نفسه، ويدخل الى حركة مسرحية متجددة ابتدأت مع اليونانيين واكملت مع الرومان ونحن نرثها اليوم، وفي رسالتنا المسرحية نبحث عن الابداع المسرحي والجمال من خلال المضمون الانساني. ـ كيف كانت فكرة الخاتمة باختيار الليلة البعلبكية؟ ـ اذا كانت «ألف ليلة وليلة» قصصا معاشة، فلماذا لا تكون قصة من قصصها في بعلبك؟ ما نقدمه اعد لبعلبك ولكن له ابعاده العالمية والانسانية. تمنت شهرزاد وشهريار ان ينتقل فرحهما الى ادراج هياكل بعلبك في لبنان، وعامل الخيال هو الطائرة التي تحملك الى الاحداث العجيبة والفضولية الموجودة عند الانسان للانتقال من زمن الى آخر. واهم عنصر لانجاح العمل الانتقال من زمن الى زمن والانتقال بالعين الى جمالية الحركة.. فلدينا اجمل بقعة على الارض «هياكل بعلبك» التي تكلمت عليها الاساطير والكتب والتاريخ كما تحدثت عن لبنان وارزه، فأصبح لبنان عند الانسان على مر الزمان موقعاً للتمني بأن يزور هذا المكان وان يعيش لحظة من حياته مع هياكل بعلبك، وهذا ما تمنته شهرزاد بعد عودة شهريار الى شعبه وقومه وتغلب الخير على الشر، والفكرة من منطلق اعطاء فرصة اخرى للانسان في حياته ليكون انساناً صالحاً سواء اكان ملكا ام فقيرا ام عبدا. وعندما تنتقل الى بعلبك لابد ان تتمتع بهوية هذا المكان من تراث، ويندمج جمال الامس وعظمة الهياكل وسر تكوين هذا الجمال في الهياكل فيندمج سر هذا المكان الذي اعتبره الادباء انه من صنع بشر من كوكب اخر في سر «ألف ليلة وليلة». ـ ماذا يميز العمل عن غيره؟ ـ لأول مرة نشهد تراثاً بقالب جديد وبقالب غنائي جديد، هناك اشتراك روحي بين المطربين الاربعة، وحركة متواصلة في الغناء، اضافة الى تعاقب الاصوات وتمازجها المشترك في الاغنية الواحدة، وبالاداء وبالاسلوب والالحان الجديدة مما اعطى بعلبك حضوراً جديداً مع الألفية الثالثة للثقافة العربية. نحن اغنياء بتاريخنا، والفنان لديه دائماً التحدي بأن يمد يده الى التاريخ فيدخل اليه، ويأخذ من محتواه الانساني المضمون الجيد والصالح كأدب عاملي ليكون رسالة الى العالم وفي الوقت نفسه يكون جمالية وموقعاً مسرحياً متميزاً. ـ عن اسم المسرحية يقول المخرج كركلا: «سميناه الفا ليلة وليلة» وليس (ألف ليلة وليلة) لأننا وصلنا الى سنة 2000 فقط، بل لانها تجدد لمسرح كركلا، واهم شيء الا يعيد مسرحنا نفسه بل يجب الدخول الى مستوى جديد من ناحية الثياب والكولوغرافي والاخراج والاضاءة والقصة وطريقة تسلسل المشاهد مع بعضها». اضاف: «اعتقد ان كركلا دخل الى مرحلة جديدة بهذا العمل وهو يضع محطة جديدة في تاريخ الفن اللبناني وفي العالم العربي». ـ وعن العمل قال: موضوع العمل انساني، لا احد في العالم لا يعرف ما معنى «افتح يا سمسم» لا أحد لا يعرف من هو علاء الدين، أو من هو السندباد البحري، هذه القصص كلها من عندنا من تاريخ العرب، ونجد ان العالم الغربي يركز عليها كثيراً في أعماله الفنية». وأضاف: لدينا طريقة نستطيع تفسيرها وتقديمها على المسرح بطريقة مختلفة وأفضل، وعن الحكاية قال: تبدأ فرصتنا من شهريار كيف كان الملك الصالح وكيف كان حاكماً صالحاً، ثم كيف آلت حالته بعد ان خانته حيث أصبح «قاتل النساء» وهنا يأتي دور شهرزاد. وتابع ايفان كركلا: «نحن لم نتبع الطريقة الغربية التي تبدأ فيها القصة بدخول شهر زاد بل بدأناها من أولها، وانهيناها بأن شهر زاد هي رمز الشفاء للانسان وليست رمزاً للخيانة. ورسالة المسرحية هي انسانية، وفيها قضية سياسية والقصة جاءت في وقت يبتعد فيه الشعب عن الحاكم فأعطت هذه القصة احلاماً للناس البسطاء والفقراء بالوصول إلى الحكم، وكركلا يدخل في المسرحية في ابداع راقص مميز. اعتبر ا ن القصة مجرد تاريخ وكل مشاهد يرى المسرحية من زاويته». ـ وحول التكتيك المستعمل قال: «هناك فرق كبير بين هذا العمل والعمل السابق «بليلة قمر» لقد استغرق هذا العمل تحضيراً لمدة سنتين ونصف السنة بين أربع مدن وهي: روما ودبي وطهران وبيروت أخذ ما فوق 340 شخصاً من بينهم 120 شخصاً يعملون على الديكور فيما اشتغلنا الموسيقى في إيران وفي لبنان». أضاف: «دخلنا إلى مرحلة جديدة ستفاجئ الجمهور كركلا الجديد. وبعد بعلبك سيكون هناك جولة عالمية إلى المكسيك وكندا وباريس وإلى بلدان عربية». وقال: «العمل مشترك كبير ولكن هناك مشرف عام وهو عبدالحليم كركلا ومدربة الرقص اليسار كركلا وانا أجمع بين هذه القضايا كمخرج وهناك مستشار فني وهو المخرج ريمون جبارة والمخرج العالمي «أوغو دي انا» وشارك معنا كمستشار فني». ـ ورداً على سؤال حول احتمال اخراجه لمسرح غير كركلا قال: «ممكن طبعاً». ـ وعن العمل المسرحي قال المخرج ايفان: «هناك صعوبة في اخراج المسرح الراقص لأن المشاهد يريد ان يرى كل زاوية من المسرح، ولقد عملت في أميركا 16 سنة ودرست في لوس أنجلوس كما قمت بالعمل مع المخرج العالمي زيفيريللي في أوبرا «بلياتشو» وفي العام المقبل، كما وأنا اعتبر ان اخراجي هو امتداد لفن كركلا وسأعمل لمسرح يعكس الحالة الاجتماعية التي يعاني منها شعبنا». أضاف: «أنا أقوم باستعمال تقنية الغرب واسخرها للتراث اللبناني العربي لأنه علينا ان نطلق ثقافتنا الفنية إلى العالم في الوقت نفسه علينا ان نعرف ثقافة الغرب». ورداً على سؤال قال: «أنا لا أعمل في «الفيديو كليب» كركلا يعمل للجمهور وليس لشركات، وعملي لا يتعارض مع عبدالحليم كركلا لأنه المايسترو في العمل ولكن وجهة نظري تبقى موجودة في الاخراج». الفنانة هدى حداد ـ ونسأل أخيراً الفنانة هدى حداد، شقيقة المطربة فيروز: كيف تنظرين إلى مهرجانات بعلبك الدولية بعد هذا الغياب؟ فتجيب بقولها: ـ «بعلبك كانت دائماً في البال، وأنا ابتدأت مع الاخوين رحباني فيها، وكان عز بعلبك دائماً في مجد لبنان، هناك أشياء كثيرة تتغير، والناس أيضاً يتغيرون، ولكن توجد أسس ومفاهيم ورؤى تبقى في الوجدان، لقد مرت مهرجانات بعلبك بمراحل كثيرة وقدمت فيها عروضاً كثيرة، بالنسبة لي فإنني آتية إليها مع كل ما يسكن البال من ذكريات، الانسان لا يستطيع ان ينفصل عن الماضي خاصة إذا كان هذا الماضي مشرّفاً. تغمرني الغبطة بالذهاب إلى بعلبك وآمل ككل اللبنانيين ان تستمر نجاحات مهرجانات بعلبك». ـ ما هو تقييمك لعمل كركلا الجديد «ألفا ليلة وليلة»؟ ـ هذا العمل الراقص ـ الغنائي ضمن منهج مدرسة الفنان عبدالحليم كركلا وهو عرض مستوحى من حكايا التاريخ الشرقي بأجواء عربية، اعتقد بأنها تجربة جيدة أخوضها مع رفيق قديم هو عبدالحليم كركلا، انه عرض مليء بالألوان والحركة والموسيقى والأداء الغنائي. ـ ما هو رأيك بالمرحلة الراهنة التي يمر بها الفلكلور اللبناني عموماً والأغنية اللبنانية بصورة خاصة؟ ـ «المرحلة الراهنة هي نتيجة سنوات سابقة أصابت البلد كله بالكثير من النكسات الاقتصادية والثقافية والفنية، وعلى أثر ذلك انتشرت الفنون الاستهلاكية وكانت معبرة بصدق عن المرحلة التي يمر بها، اعتقد بأن موجات الغناء الهابط بدأت بالانحسار ونحن لا نصنع الفلكلور وانما نستلهم منه. انا مع التجارب الغنائية والسعي الدائم إلى ايجاد بدائل معاصرة، هذا بالطبع يتطلب زمناً للحكم عليه، بالنتيجة لا أستطيع القول ان الأغنية اليوم هي في أفضل حالاتها».