كانت هناك أغنية شعبية في الستينيات تنظر بازدراء الى المساكن المبنية حديثاً في كاليفورنيا واصفة اياها بأنها صناديق صغيرة مصنوعة من مواد متماثلة لدرجة انها بدت جميعها متشابهة. واشتكى النقاد الاجتماعيون باستمرار في التطابق الرتيب في ضواحي لندن، مشيرين الى ان الاشخاص الذين يختارون السكن في بيوت متماثلة لا يتوقع منهم ان يعايشوا الثورة في الحياة المعاصرة التي يحتاجونها بشكل واضح تماما. والآن هناك ثورة مغايرة قادمة، فمن يعمل على تطوير البرامج الحاسوبية والمهندسون والمعماريون يعدون بتحويل صناعة البناء بمزيج من التصميم الذي يتم بمساعدة الحاسوب وآخر ما توصلت اليه التقنية في مجال التصنيع. ومن شأن أفكارهم ان تقلب التسلسل الهرمي التقليدي لمشتري المنزل والبناء والمهندس المعماري في الصناعة رأساً على عقب. وسيحل محله هندسة معمارية ذات طابع شخصي تكون للجميع. وهو ما يعني اننا أصبحنا في عالم التنوع اللامتناهي. وهذا الأسلوب بالكاد يمكن ان يكون أكثر اختلافاً عن التصميم المعماري التقليدي الذي يعتبر الاستخدام المتطور فيه للتكرار احدى مزاياه الرئيسية. خذ الميادين التي تعود الى العهد الجورجي في دبلن والاشكال الهلالية في مدينة باث الانجليزية، حيث تشكل البيوت على شكل صفوف وأقواس وعناصر حضرية عظيمة. وهناك لمسة من الذوق المدني في هذا العمل، فالواجهات الخارجية البسيطة للوحدات المفردة تشبه أجنحة عمل منفصلة حول طاولة غرفة الاجتماعات، والابواب فقط هي التي توفر الفرصة للتعبير عن بعض التفرد. وفي أغلب الأحيان، فن هذا التماثل ينشأ ببساطة من التكلفة والوقت اللازمين لتصميم كل منزل على حدة. وفي الوقت الحاضر، يعكس عالم التصميم المعماري عالم صناعة الازياء، فالقلة الثرية يمكن ان تتحمل شراء المنتجات باهظة الثمن بينما تحصل الغالبية العظمى على تصاميم رخيصة تحمل مقياساً معيناً، فإن معظم المباني السكنية الجديدة في العالم الصناعي يجري بناؤها على شكل بنايات متعددة الطوابق أو عزب تبدو فيها كل وحدة مماثلة لجاراتها. طريقة مختلفة الحلم هو ان يتم تصميم وبناء منازل جديدة بطريقة مختلفة تماماً، طريقة لا تضع المسئولية عن التصميم على المهندسين المعماريين فحسب، وإنما ايضاً على الاشخاص الذين سيشترون المساكن ويعيشون فيها. وبدلاً من شراء واحد من الصناديق الكثيرة عديمة الوجه، فإن كل مشتر لمنزل جديد سيجلس مع مهندس معماري ويصممه بالطريقة التي يحبها تماما. ولتحقيق هذا الهدف، هناك حاجة لطرق تؤدي الى تبسيط أو حتى الأتمتة الجزئية لعملية التصميم، فليس هناك ما يكفي من المهندسين المعماريين لجعل هذا الأمر ممكناً بأساليب تصميم تقليدية. وبعبارات عملية، فإن هذا قد يعني ايجاد أنظمة معمارية خبيرة وأطقم برامج حاسوبية يمكن تطبيق «مفردات» من عناصر التصميم مع قوانين للجمع بين هذه العناصر من أجل انتاج بنايات كاملة. وعلى الدرجة نفسها من الأهمية هناك حاجة لوسائل رخيصة لترجمة هذه التصاميم الى طوب وملاط أو معدن وزجاج، وهو متطلب بالنسبة لأساليب التصنيع الحديثة التي يمكن لصناعة البناء ان تستخدمها في انتاج عناصر مشكلة حسب طلب الزبون وبأي حجم ومادة يتطلبها التصميم. ويتضح ان المتطلب الأول، وهو فكرة انشاء مفردات شكلية لمساعدة البناء، ليس جديداً، فقد كان يعتبر استراتيجية اتبعها في الأصل المعماري الايطالي في عصر النهضة اندريه بلاديو على سبيل المثال، الذي صمم العديد من الفيللات والقصور في البندقية وحولها في القرن السادس عشر. وقد وظف بلاديو مجموعة من الاشكال والمواصفات المعيارية للغرف الى جانب عناصر بناء قياسية مثل القناطر الاسطوانية الشكل والأعمدة الكلاسيكية وجمع هذه العناصر وفقاً لقواعد صارمة من التكرار والرصف بخط مستقيم والتناسب والتماثل. وحالما كان يقوم باتخاذ بعض القرارات الأساسية المتعلقة بالابعاد والمواد والافكار الرئيسية، فإن الجزء الأكبر مما تبقى من التصميم كان يلي ذلك بصورة منطقية من المخطط وقوانينه المتعلقة بالبناء. ولقد أوجد نظاماً يمكنه ان يتقدم بسرعة من مخططات بسيطة الى تصميم كامل. إن الاستراتيجية نفسها يمكن ان تنجح مع العمارة المعاصرة ايضاً. فعلى سبيل المثال، تبنى المهندس المعماري البرتغالي ألفارو سيزا الفكرة في مشروعه الاسكاني في ملاكويرا في إلفورا الذي بدأه في عام 1977، فقد قام بتوفير طقم من الاجزاء الاسكانية العصرية مثل أشكال الغرف ووحدات الجدران والأبواب والنوافذ والسلالم من مختلف الأنواع والتي يمكن تجميعها بكافة الطرق باستخدام قواعد بسيطة لانتاج تصاميم للمنازل تتجاوب مع الاحتياجات والميزانيات المختلفة لمشتري المنازل. ضرار عمير