شكل خطاب الرئيس جورج بوش الاخير حول الشرق الاوسط لحظة حاسمة بالنسبة للمنطقة، فقد شدد على فكرة ان حل النزاع الطويل والمعقد بين الفلسطينيين والاسرائيليين لن يكون ممكنا في ظل القيادة الفلسطينية الحالية، وبأن العمل بنجاح من اجل السلام يعتمد على ظهور قيادة جديدة، وتحسن الاوضاع الامنية في المنطقة. والحقيقة ان مسألة الاصلاح الفلسطيني تحظى بأهمية كبيرة في اوساط الفلسطينيين، والآن فإنه من المهم بالنسبة للاسرائيليين تشجيع هذا الامر من خلال ارسال اشارة سياسية واضحة لا لبس فيها مفادها انها لن تحاول استغلال الوضع لصالحها في الوقت الذي ينصرف فيه الفلسطينيون لتسوية امورهم الداخلية. ولعل الاشارة الافضل في هذه المرحلة ستتمثل في وقف جميع النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد تميز التعامل العام مع عملية صنع السلام منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 بالايمان بأن الاوضاع الفلسطينية الداخلية لا علاقة مباشرة لها بالدبلوماسية، ومنذ ان اعتبر ياسر عرفات مصدر الشرعية الفلسطينية فإن اسلوب حكمه لم يكن فقط متجذراً في العملية، وانما مرحبا به على اعتبار ان عرفات سيفعل كل ما بإمكانه لحماية أمن اسرائيل عندما يكون مطلق اليدين. ولكن هذا الفصل بين المسائل السياسية والداخلية لم ينجح كما كان يعتقد، وكما يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني المعروف خليل الشقاقي، في مقال نشره اخيراً حول الشئون الخارجية، فإن زيادة العنف الفلسطيني خلال عام 2000 ارتبطت بشكل وثيق بالاستياء من اداء عرفات على الصعيد الداخلي، اكثر من ارتباطه بعدم الرضا من نتائج محادثات السلام، ولا يختلف اثنان الآن على ان الاصلاح سيكون في مصلحة الفلسطينيين قبل غيرهم. فعلى عكس السلام مع مصر، التي يفصلها عن اسرائيل صحراء شاسعة، فإن السلام سيكون بين شعبين يعيشان بشكل متداخل، واذا اريد لاية عملية سلام ان يكتب لها النجاح، فلا يجوز العمل على خلق نظام استبدادي معدم اقتصادياً يعيش الى جوار دولة متقدمة اقتصادياً توصف بأنها ديمقراطية. وبالتأكيد فسيكون هناك تردد اسرائيلي في تقديم التنازلات المطلوبة على الارض مقابل الاصلاحات الفلسطينية بذريعة ان عرفات لن يسمح ابدا بتطبيق الاصلاحات المطلوبة ولكن من الواضح ان سياسة بوش قد غيرت لغة الخطاب بشكل واضح لان الرئيس الاميركي بات يطالب بخطوات واضحة وعملية على الارض، وهذه الطريقة التي تعتمد على مدى التقدم بدلا من الركون الى المواعيد الزمنية قد تبدو افضل للوهلة الاولى، ولكنها قد تعجز عن تحقيق الاستقرار المطلوب في نهاية المطاف. اذ لا شك ان نتائج كارثية ستنشأ في مثل هذه الظروف اذا ما نظر الفلسطينيون والعرب الى الاصلاحات على انها وسيلة لكسب الوقت او صعبة التنفيذ او اذا ما قررت اسرائيل استغلال هذه الظروف لتوسيع مستوطناتها. وغني عن القول ان اية مبادرة ذات معنى حول الاستيطان يجب ان تأتي من تل ابيب وليس من واشنطن، فقد اظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة معاريف قبل عدة ايام ان 59 بالمئة من الاسرائيليين يساندون فكرة وقف التوسع الاستيطاني. واذا ما تم اقرار مثل هذه السياسة عملياً فإن مقاييس الالتزام سيكون عدم القيام بأي نشاط استيطاني جديد من شأنه تعقيد عملية تسوية الحدود النهائية. ومن الجدير بالذكر هنا أن مسألة المستوطنات لم تكن من العوامل الاساسية التي ادت الى فشل محادثات كامب ديفيد التي عقدت خلال نهاية فترة رئاسة بيل كلينتون، فقد اوضح ايهود باراك خلال ذلك الوقت بأن اسرائيل مستعدة لتفكيك اكثر من 100 مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما ان الرأي الاسرائيلي استمر في مساندة فكرة اغلاق معظم المستوطنات مقابل سلام حقيقي. ومع ذلك فلا يمكن اهمال دور هذه التجمعات اليهودية، فقد تضاعف عدد المستوطنين اليهود مرة ونصف تقريبا خلال فترة اوسلو مما خلق انطباعاً بين الفلسطينيين حول ان اسرائيل تريد التحكم في مسار المحادثات النهائية، وكما ان الاصلاحات تفرض التزامات جديدة على الفلسطينيين فإن المساهمة الاسرائيلية لابد ان تتمثل في وقف جميع اشكال الاستيطان، وإلا فإن حلقة الصراع لن تنتهي مطلقا. عن« هيرالد تريبيون»