تساءلت في مقالة سابقة ظهرت في صحيفة «الموندو» قبل شهر ونيف: «هل سيحصل تغيير في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وإذا حدث هذا، متى وكيف ومع من سيحدث هذا التغيير؟ من الطبيعي ان الوقت القصير الذي مر لم يقدم اجابة قاطعة أو محتملة على هذه الأسئلة الجوهرية، لكن ظهرت مؤشرات وعلامات تسمح بمتابعة البحث في القضية وتحمس على فعل ذلك، وفي كل مرة تصبح أكثر الحاحاً ودلالة ليس بسبب ما يطرحونه وحسب، وإنما بسبب الظروف والسياق العامين اللذين تمر بهما هذه المؤشرات والدلالات. وعلى الرغم من ان الخطاب الأخير للرئيس بوش لم يركز بالحصر على تلك النقاط إلا انها تشكل بعض جوانبه وعناصره الأساسية الأكثر عمقاً، ومن البداهة القول بأن الذي تكلم لم يكن بوش جديداً، لأن بوش يبدو غير قابل للتغيير ـ لكن بوش الجديد فعل ذلك بطريقة تلوينية مختلفة. وقطعاً لم يقل بوش شيئاً مغايراً بشكل جوهري عما يتم الحديث فيه منذ زمن، فلقد كرر الشيء نفسه إلى حد كبير، لكنه كرره بطريقة أخرى في جانب منه، وفي واقع الأمر ليس هناك داعٍ للدهشة التي أعرب عنها بعض المسئولين السياسيين والمحللين العرب، الأمر الذي يبدو فيه بعض المبالغة، لكن من الطبيعي ان يكون هناك استغراب نسبي وقلق طبعاً. ومن أجل الشروع في محاولة تفسير الأسباب الكامنة وراء التعبير عن المسألة بهذه الطريقة لابد من القول ان الخطاب يدل على ان الادارة الأميركية قد حسمت أمرها بالمطلق للمضي قدماً في خطوة جديدة حاسمة، أو خطوات أخرى جديدة حاسمة، في المنطقة التي لا يزال الشكل السياسي فيها يتطور بشكل لا يلين بما يتفق والخطط والأهداف المنتظرة، والتي تمر الآن بكل تأكيد في واحدة من مراحلها الجوهرية. وسلوك الادارة الأميركية ليس آخذاً بالتصاعد في جانبه الاحادي الساحق وحسب، بل انها تقوم بذلك وبدون شك انطلاقاً من دوافع تتعلق بالتماسك الداخلي، ما يعني في النهاية انها تفعل ذلك بشكل أحادي الجانب يتنافى مع مرور الوقت وأنها ستفرض أفكارها وقراراتها على الآخرين باستشارات حقيقية واعتبارات ومراعاة أقل في كل مرة. ولن يبقى لكل ذلك سوى هامش بسيط من المشاركة والتدخل وبشكل تدريجي سوف يصبح أضيق ومخجلاً أكثر مع تبعية ودودة أكبر وحتى متسولة وبشكل طبيعي سوف يغطي كل طرف من الأطراف بتبعيته هذه أو سوف يتستر عليها بطريقته الخاص وبما يتناسب مع ظروفه الخاصة، موظفاً في كل حالة بلاغته الخاصة التي يفضل. ومما هو واضح ان اسرائيل لا تشكل جزءًا من الثلة الجماعية تلك، لأن علاقتها مع الزعيم الوحيد ليست عضوية وهيكلية من حيث المبدأ وحسب، بل ان عراها لا تحل بشكل اجمالي تقريباً، وذلك على الرغم من انها ليست أبدية مثلما يظن البعض الذي لا يحترم لا من قريب ولا من بعيد واقعاً بغاية الأهمية والاستقلالية مثل الوقت. في جميع الأحوال ان تحديد ما إذا كان بوش في هذه اللحظات أكثر شارونية من شارون أو ان شارون أكثر بوشية من بوش، يبدو من وجهة نظري تسلية بائسة ومهينة، على الرغم من انها ربما لا تكون غير نافعة ويمكن ان تهم بشكل شكلي فقط السياسيين العظماء والمشاهير العالميين أو حتى البلهاء أو أصحاب وجهات النظر الذين يباعون ويشترون. أما الارتباط القديم والصلب بين «اسرائيل» والولايات المتحدة الذي يطلق عليه على سبيل الدعابة عرب كثيرون «اسراميركا» أو «اميررائيل» فليس فيه أي جديد، ذلك ان معلقين اسرائيليين هم بالضبط من أعربوا على سبيل المثال عن ان «خطاب بوش يبدو أنه حلم شارون». أو ان «رئيس الحكومة الاسرائيلية كان قد طلب حقوق نشر الخطاب». هذا لا يعني انه لا توجد ظلال تفريقية بحدها الأدنى، التي من المؤكد انها تبدو للكثيرين تافهة ومبتذلة، لكن من المناسب التنبيه لأنها ربما تبدأ في المستقبل بأخذ أهمية وتأثير أكبر، ذلك ان بوش يعبر بشكل متكرر وبتعابير ملتبسة ومحسوبة ومرنة ظاهرياً وعلى وجه العموم أكثر منه على وجه الخصوص عن ان شارون متطرف وفظ دائماً تقريباً. والمجتمع الاسرائيلي أكثر هشاشة وعجزاً بكثير من المجتمع الاميركي، على الرغم من ان هذا لا يخلو قطعاً من الهشاشة والعجز ، وعلى الرغم من جميع المظاهر إلا ان المجتمع الاسرائيلي لا يزال يعيش في لحظة حرجة من النضوج والتوطيد ويمر الآن أيضاً بأقسى مراحل تطوره. والولايات المتحدة مضطرة للبحث في كل لحظة عن اشكال للتوفيق بين تحالفها مع «اسرائيل» ومصالحها وتجارتها مع الدول العربية، ليس في جميع الحالات طبعا «كما ارادت الولايات المتحدة» وانما في غالبيتها وفي المقابل مازالت مصالح وتجارة «اسرائيل» مع العالم العربي شحيحة، على الرغم من انه لا يشك بانها ليست موجودة فعلا وانما آخذة بالنمو ايضا. الولايات المتحدة اقرب في كل مرة من الانظمة العربية «قطعا ليس بمجملها في هذه الحالة»، لكن بغالبيتها الساحقة، ومن المؤكد انها ابعد في كل مرة ايضا عن المجتمعات والشعوب في ذلك المكان، على الاقل عن فئات هذه الشعوب التي تمثل الغالبية. وانا لا اشير بذلك الى المجموعات الاسلامية بطيفها ووظيفتها وسلوكها المتنوع جدا وحسب، وانما الى فئات اجتماعية اخرى كثيرة ايضا والتي هي على صلة قليلة بالاسلاميين او لا تمت لهم بصلة على الاطلاق. وتسعى الولايات المتحدة الى ما تسميه بالاستقرار اللازم لدعم الانظمة، ومن المؤكد ان تلك الانظمة تستحوذ بشكل تعسفي على القوة وعلى الموارد المادية في تلك البلدان. وفي جميع الاحوال لجأت الولايات المتحدة الى هذا الرهان، وسيتعين عليها مشاهدة النتائج لاحقا. ومع احترام جميع الحالات، يبدو لي التأكيد القاطع على صواب أو خطأ هذا القرار في المستقبل ما هو الا تأمل نظري سخيف ولا طائل منه. وهو رهان لا يعبر سوى عن ايثارات وميول خاصة لكنه ليس مضمونا في اية حالة. ومع ذلك تعرف الادارة الاميركية ايضا انه في العالم العربي وخارج تلك الاطر الرسمية لايوجد الا قليل من التأييد للولايات المتحدة، مع انه توجد امركة كثيرة. لكن في الواقع، لا يتميز العالم العبري في هذه النقطة، ذلك ان الامر نفسه يحدث في معظم الكرة الارضية بمجملها. اعتقد ان الرئيس بوش الذي يبدو نسخة طبق الاصل عن والده من بين اشياء اخرى قد عبر عن اهداف خاصة بالمستقبل اكثر مما هي مرتبطة بالحاضر، وعلى وجه التحديد المستقبل القريب. فالافكار التي طرحها والكلمات التي عبر من خلالها عن هذه الافكار، تستجيب بالضبط لسياسة الاوكرديون التي تقوم الادارة الأميركية بفرضها عمليا منذ بعض الوقت. واذا تطلبت مقتضيات اللحن ان تصير الاداة عرجاء، فانها لا تتوانى في القيام بذلك، لكن هذا يحدث في مناسبات استثنائية فقط، اما المعتاد والمحدد فيتمثل في ان اللحن هو الذي يتطلب بأن تقوم الاداة بما يستقيم معه. كما تعتبر هذه الادارة ان الحيز العربي والحيز الاسلامي يشكلان ميدانين مناسبين تماما للحضور الاميركي الملموس والراسخ وعلى اوسع نطاق ودائما بشكل متزايد. والمشكلة ان هذه التشييدات المنقرضة والخالية في جزء كبير منها من أي تبرير تاريخي او اخلاقي او انساني، مثل العولمة وصراع الحضارات، تشكل مهاميز مريعة بالنسبة لنجاح تلك المشاريع الضخمة. من المؤكد ومن خلال تتبع مسيرة الاشياء كما تحدث فعلا، سيكون من الضروري الحديث عن سياسة أميركية مشرقية وليس «شرق أوسطية» بين قوسين، يتم الحديث قليلا على سبيل المثال عن السياسة الغربية للولايات المتحدة، كما لو كانت غير موجودة، لكن مع ذلك سيكون هناك مناسبة للقيام بذلك، وخلال وقت قصير بكل تأكيد. وتبدو فلسطين ضمن هذه الخطة الهائلة قطعة من المجموع او حلقة من السلسلة او درجة من السلم. وكما اؤكد منذ زمن فان لفلسطين مغزى يترقب المستقبل اكثر من العودة الى الماضي وبكل تأكيد تمر فلسطين في لحظة نهاية مرحلة وبداية اخرى، مترابطتان بشكل دراماتيكي، اما النتيجة فمن الصعب توقعها. وضمن هذه الخطة الهائلة ايضا، تبدو الحالات والافعال الجماعية في نهاية المطاف، مهمة وحاسمة اكثر من الشخصية والفردية منها، اريد ان اقول ببساطة ان الولايات المتحدة كانت لترضى اكثر بأن تغير الشعب الفلسطيني، وليس رئيسه فقط، الذي من المؤكد انه مطلب لشارون اكثر منه مبادرة لبوش، والشيء الجديد هو انه لو حدث هذا فسيكون تغييرا هائلا وجمعيا، وليس محدودا او فرديا. لذلك وعند الحديث عن امكانية حدوث التغيير الثاني الكبير في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، لن اشير الى كيف ومتى سيحدث ذلك وحسب، وانما مع من بالمعنى الجماعي ايضا وليس مع من بالمعنى الفردي. ترجمة: باسل ابو حمدة عن «الموندو» اسبانيا