كما يحدث في شجار الأطفال في الروضة، تقريباً، هكذا تتصرف حكومة شارون ـ فؤاد، التي تقول إنها لن تسحب دباباتها من المدن الفلسطينية ولن تفاوض طالما تواصل الارهاب والتحريض، وطالما لم يقدم لنا الفلسطينيون قيادة جديدة معتدلة ونقية. وكي تضمن عدم قيام قيادة فلسطينية معتدلة، تدوس حكومة شارون ـ فؤاد، سري نسيبة القائد الفلسطيني الذي يشجب الانتحاريين ويرفض طريق العنف ويتنازل علانية عن «حق العودة». من جانبهم، يدعي الفلسطينيون أنهم لن يوقفوا العنف والتحريض طالما واصلت مجنزرات الدبابات الإسرائيلية دوس مدنهم وقراهم، كما لو أن القيادة الفلسطينية كانت قبل مجيء هذه المجنزرات بريئة من العنف والتحريض. ورغم ذلك، يدعي الطرفان، نحو الخارج على الأقل، أنهما يتقبلان مع إجراء بعض التعديلات الطفيفة أفكار الرئيس بوش التي تشبه، تقريباً، اقتراحات الرئيس كلينتون، والتي لا تختلف، تقريباً، عن خطة السلام الاوروبية الروسية، غير البعيدة عن المسودة السعودية، التي لا توجد فجوة بينها وبين مواقف أنصار السلام في إسرائيل. الجميع يعرفون أنه ستقوم هنا، في نهاية الأمر، دولتان، على أساس حدود 67 تقريباً، من خلال تبادل الأراضي المتفق عليه، حسب الواقع الديموغرافي، وأن القدس ستقسم إلى عاصمتين، ولن تقوم المستوطنات الإسرائيلية في قلب المناطق الفلسطينية ولن يسكن اللاجئون الفلسطينيون في إسرائيل. حتى اولئك الذين يعارضون هذا الحل، واولئك الذين يعتبرونه كارثة أو ظلما (ويوجد كهؤلاء في الجانبين) يعرفون ان هذا هو الحل الذي ينتظرنا بعد انتهاء النار والاضطهاد والدموع. ما الذي ينتظرونه اذن؟ لماذا يتواصل، يومياً، سفك المزيد والمزيد من الدماء الطاهرة؟بسبب التعنت الذي يناسب روضات الأطفال: «أوقفوا أنتم العنف والتحريض، أولاً، وعندها، فقط، سنتحدث إليكم». «لا، انهوا أنتم الاحتلال والاضطهاد، أولاً، وعندها، فقط، سنكبح نحن التحريض». وربما كان يمكن الاتفاق على رقص التانغو في آن واحد، خطوة مقابل خطوة؟ أن يقوم الفلسطينيون مثلا، وبالقوة، بتفكيك مجموعة صغيرة، فتقوم إسرائيل في المقابل بسحب شوكتين أو ثلاثة من أجسادهم. يمكن بدء ذلك في «البؤر الاستيطانية» التي أقيمت بهدف الاستفزاز، دون موافقة حكومة براك وخلافا لالتزاماتها، ولكن من خلال موافقتها غير المباشرة. بعد ذلك يضع الفلسطينيون حداً لمزيد من العنف، فتقوم إسرائيل بتفكيك بعض المستوطنات التي يعرف الجميع أنها لا تملك أي مستقبل ولا أي مبرر ولا أي حق في الوجود. خطوة مقابل خطوة. أو، ربما من الصحيح، بل ومن المناسب أن تقوم حكومة إسرائيل بالذات بطرح مسألة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا عام 1948، على جدول الأعمال. إذ كيف يمكن دون مناقشة الخلافات حول هذه المسألة، التوصل إلى تقاسم المسئولية التاريخية عن كارثة اللاجئين، ويجب الشروع أولاً بمعالجة أوضاع اللاجئين الذين تركوا في مخيمات الفقر والبؤس، ويعيشون منذ أكثر من 50 عاماً في ظل أوضاع قذرة، محرومين من مصادر الرزق ومن البيت ومن المواطنة، ويعيشون، بالأساس، بلا أمل. لا يمكن لدولة إسرائيل استيعاب هؤلاء، كي لا تقوم هنا دولتين فلسطينيتين، ولا تكون أي دولة ذات غالبية يهودية. رغم ذلك فإن مشكلة اللاجئين إلى جانب مشكلة تواصل سفك الدماء تعتبران، أخلاقيا وعملياً، أكثر القضايا الملحة في مشاكل الحرب والسلام. ويضاف إلى ذلك، أن الكارثة المتواصلة للاجئي 1948 هي لب المشكلة الأمنية التي تواجهها إسرائيل. فما دام اللاجئون يتعفنون في المخيمات، لن تحظى إسرائيل بالراحة. ربما من المناسب والمفيد أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بطرح هذه المسألة في مقدمة جدول الأعمال، لأسباب أخلاقية وأمنية، أيضاً. فالمقصود بناء عدة مئات الآلاف من المنازل في الأراضي الفلسطينية، خارج حدود إسرائيل، وتوفير عدة مئات الآلاف من أماكن العمل ومنحهم المواطنة الفلسطينية. والمقصود هنا بذل جهود مالية مشتركة من قبل الدول الغنية في العالم العربي وإسرائيل وأميركا واوروبا. عندما يبدأ انبعاث بوادر الأمل في مخيمات البؤس والمعاناة، ستخبو جذوة العنف وسيضمحل التزمت واليأس. يمكن للاشراف المفصل على ترسيم الحدود بين البلدين الانتظار. ويمكن للأماكن المقدسة أن تنتظر، أيضاً. إذ يجب أن يسبقهما وقف الاضطهاد ووقف سفك الدماء، ووقف معاناة اولئك الذين يعيشون حياة قذرة.