بما ان السينما هي احد مصادر الجمال والوعي والفكر، فان ذلك يتطلب لغة خاصة تتوزع تنويعاتها وايقاعاتها من بلد لآخر، فالتعبير عن الجمال لا يمكن ان يكون اسيرا لصيغة واحدة، لان اللغة السينمائية هي ايضا هوية وعنوان لكل من يتعامل بها، ولقد تعددت المدارس الجمالية على مستوى العالم، فصارت الرومانسية والشاعرية مرتبطة بفرنسا، والطليعية بالاتحاد السوفييتي، والدعائية والاكشن والامكانيات الضخمة بالاميركية وهكذا، وسوف نعرض هنا للواقعية الجديدة للسينما الايطالية ما بين الفترة 19441951 وذلك عبر ما كتبه المؤرخ السينمائي رولان شيندر في الكتاب الذي اعده مع آلان، واوديت فيرمو تحت عنوان المدارس الجمالية في السينما العالمية اذا كانت هناك مدرسة تستحق هذا الاسم فهي بلا شك الواقعية الجديدة الايطالية، ربما مهدت بعض افلام الواقعية الشعرية الفرنسية سنة 1935 للواقعية الجديدة (خاصة فيلم «طوني» اخراج رينوار) التي تأثرت بالرواية الاميركية «دوس باسوس، الخ» وسبقها فيلم مثل «الوسواس» الذي اقتبسه لوكينو فيسكونتي منذ 1942 من رواية جيمس كين «ساعي البريد لا يدق الباب مرتين» ولقد تألق نجمها عام 1944 مع فيلم «روما مدينة مفتوحة» لروبرتو روسلليني. ولو انها لم تجتذب دائما جماهير الشعب فقد سحرت النقد والهمت الكثيرين في العالم اجمع وميزت بقوة الحياة الثقافية الايطالية في فترة ما بعد الحرب. كما تظل اليوم واحدة من اكثر المدارس تأثيرا من الناحية التاريخية. لقد شكل فيلم «روما مدينة مفتوحة» الذي صوره روبرتو روسلليني عام 1944 «مانفستو» المدرسة الايطالية التي اطلق عليها الواقعية الجديدة بعد التحرير، غير ان الحاجة للحقيقة كانت قد اعلنت عن نفسها منذ الثلاثينيات في بعض اعمال السندرو بلازتي وماريو كاميريني، كانت السينما الايطالية التي خدرتها افلام تدعى «افلام التليفون الابيض» والدعاية الفاشية الخطابية، تمثل منذ الاربعينيات نحو النزعة الواقعية التي تبدت في اعمال متفرقة مثل «اربع خطوات في السحاب « 1942» اخراج السندرو بلازتي و«الاطفال ينظرون الينا» «1942» و«باب السماء» 1944 اخراج فيتوريو دي سيكا، ثم بشكل خاص في «الوسواس» 1942 اخراج احد مساعدي رينوار القدامى، لوكينو فيسكونتي. كانت واقعية فيسكونتي الفظة المغلفة بالنزعة الجمالية تستدعي شعبوية الثلاثينيات التي ألهمت «رجال يوم الاحد» اخراج سيودماك و«طوني» اخراج جان رينوار، تحديدا، منذ افلامه الاولى، اتجه فيسكونتي اولا تحت رعاية دو روبرتس في فيلم «رجال تحت الماء» 1940 ثم وحده في فيلم «السفينة البيضاء» 1941 نحو تسجيل الاحداث الجارية دون اعتماد على سيناريو مع الاستعانة بممثلين غير محترفين. في قلب اعصار الحرب العالمية الثانية، اكتشف فيسكونتي اسلوبه في اصالة الكادر والتصوير الخالي من الزينة. فبعد مرور زمن الابطال، استطاع ان يتأقلم بيسر مع بدائية وسائل سنوات الهزيمة والاجتياح، والواقع ان وصول الحلفاء جنوب ايطاليا أدى الى تقويض الفاشية السريع. تناسق نادر لقد سحقت آلة الحرب شبه الجزيرة الايطالية، التي تحررت واحتلت في غموض كبير وهصرتها وأذلتها، بداية من اطلال كاسينو المتكلسة وحتى التشوهات الرهيبة التي فرضتها حكمة سالو الزائلة. كانت محصورة بين حدي كماشة بين الغالبين والمغلوبين، وشهدت فلول الناجين من ستالينجراد، وقد جمع بينهم يأس مشترك، وولد انهيار الاقتصاد بأكمله البؤس المجلل بالفساد. شهد محررو نابولي السذج، وجلين، سرقة مراكبهم عند الشاطئ حيث كانت الامهات تدفعن بناتهن للدعارة مع العساكر المغاربة، وجدت ايطاليا نفسها، وقد سممتها تقاليد المافيا المنتصرة، اما فراغ ايديولوجي تملؤه مقاومة يسارية مرتجلة بشكل مصطنع، وتحولت سريعا الى خواء سياسي نتيجة ردود الافعال المحافظة للديمقراطية المسيحية. هكذا تبلور الهم العالمي في الالم، ومثلهم مثل شعوبهم، لم يعد امام المبدعين، العاجزين، سوى اللجوء الى الشهادة الصامتة، المباشرة، واكتشفوا تضامنهم في الانمحاق الفردي امام المأساة الجماعية. نشأت الواقعية الجديدة، التي ولدتها الضرورة المادية والمعنوية، بشكل تلقائي، وكان الحاح الخطاب قادرا على الاستغناء عن صيغ «المانفستو» النظرية، الذي كان من شأنه في ظل هذه الظروف ان يبدو غير لائق، غير ان الارضية كانت ممهدة بواسطة كتابات نقدية سابقة في مجالات السينما ومن خلال نشاط التجمعات الجامعية الفاشية (ئصا) كما يجب علينا ان نذكر ايضا افكار كاتب السيناريو سيزار زفاتيني، كان هم رجال الواقعيةالجديدة الوحيد، ممن التقوا في تناسق نادر حول لافتة «الواقعية الجديدة» التي دخلت التاريخ، ان يكونوا شهوداً في الاماكن نفسها وفي اللحظة ذاتها، ودون ان يفكروا حقاً في ابعاد هذا الفعل، اكتفوا في فورة الحرية، بالنزول الى الشارع الذي يصرخ بالحقيقة، ليتأملوا ويعرضوا من ثم ـ بوضوح في الرؤية ودون اعذار ـ ما رأوه، ولقد اتضح من قصر مدة ازدهارها، بين عامي 1945 و1951 ان هذه التجربة الهائلة للسينما الاجتماعية لم تستطع البقاء حية بعد ظهور الحرب الباردة وانتصار المحافظين في ربيع عام 1948 ومنذ 1949. كان قانون أندريوتي يدق اجراس الحزن معلناً نهاية المدرسة الواقعية الجديدة. انطباع الواقع اذا كانت جذور الواقعية الجديدة تعود الى المدرسة السوفييتية في العشرينيات حيث اثرت «سينما العين» لفيرتوف الفيلم التسجيلي بثقل التاريخ والايديولوجية، فلا يسعنا انكار ان الواقعية الجديدة في ايطاليا قدمت جماليات جديدة ذات طبيعة جماعية، لقد حولت الضرورة الى ميزة واطلقت العنان للارتجال والحدس متخذة من الغريزة دليلا لها، ولقد استقت قوتها على الاقناع في انطباع الواقع الذي لا يقهر، تاركة الوقائع تتحدث عن نفسها، وبالتالي تحررت من التقاليد المسرحية والروائية الخاصة بمنافسي انونزيو ومن استوديوهات «مدينة السينما» البابلية التي تأسست عام 1937، فرض غياب موارد التمويل الكامل واللغط المذهبي للفاشية الذي وصل حد الاشباع، ديكور الشارع البسيط والصدق في الحوار، وادت الرغبة في الادلاء بشهادة عن الواقع الى البحث عن الوجود الاقل دلالة التي تتميز بالعادية اليومية الغفل. لقد حول رفض الخيال الكاذب الجمهور السلبي الى بطل جماعي يثير انكساره المؤلم وعياً عاماً، لم تعد لابطال الماضي الخاطيء المستهزئين والمؤلفين المسهبين الانتهازيين اية مصداقية فإذا كان الخيال لم يعد قادراً على تشويه الحقيقة وجد الممثل نفسه مجبراً على طمس شخصيته مستسلماً لكونه فقط انساناً، ترك هذا المظهر الاخير من مظاهر الإرث الواقعي الجديد علامات عميقة وكشف فيلم مثل «الأرز المر» بشكل فظ تفوق الممثلين غير المحترفين في حقيقتهم على حيل الاداء المحترف، وبعيداً عن لانا منياني والدو فابريزي في فيلم «روما مدينة مفتوحة» فقد امتلأت الشاشة بالفلاحين والصيادين والعمال الذين كانوا يكررون ايماءاتهم اليومية امام الكاميرا التي اكتفت بتسجيل الواقع، صيادو سيسليا في «الارض تهتز» والرهبان الفرانسيسكان في «فيورتي» لروسلليني، العامل في «سارق الدراجة» الذي عانى من البطالة لاشتراكه في الفيلم، كل هؤلاء كانوا حقيقيين اصليين، كان الاطفال والقسس هؤلاء الضحايا الابرياء السذج، يطفحون طبيعية، واليوم الذي وقعت فيه انجريد برجمان تحت غواية روسلليني وايطاليا حول فوهة بركان «سترومبولي» والذي صنع فيه المنتجون اسطورة جينا لولو بريجيدا، اغرقت الواقعة الجديدة سفنها لتترك المكان شاغراً لنرجسية فيتوريو جاسمان، كان التحقيق الصحفي الموضوعي يقلل من حجم دور كتاب السيناريو ومديري التصوير: من الاوائل نكاد لانذكر سوى اسم سيرجيو اميدي. وبالنسبة للمصورين فقد تركز التصوير الواقعي الغليظ لاوتللو مارتللي على الصور الصادمة، بينما كانت الاضاءة الطبيعية منذ فيلم «الوسواس» تصوير الدو تونتي تتجنب رتابة ورمادية الحياة عن طريق الدراما، كما فرضت جماليات الواقع نفسها على الذبذبة الاخلاقية، بينما كانت الصور الغنائية لفيلم «طاحونة يو» اخراج «لاتوادا» تبتعد عن الملاحظة الطبيعية البسيطة. لقد ادت الشكلانية التشكيلية الاسلوبية الى الديكور المبنى والشخصيات بينما قامت ذاتية فيلليني بالباقي، لم يكن بوسع الواقعية الجديدة ان تحيا هذه المتناقضات وسيحاول الاميركي ديترل، في خلطه بين الواقعية والتصوير المثير، ان يوضح في فيلم «البركان» ان الواقعية التي لا تعايش من الداخل ليست سوى صيغة فارغة. كان الايطاليون الذين ضللتهم الايديولوجية الفاشية بحاجة لاعادة تشكيل هويتهم في المقاومة التي تحولت الى اسطورة تحت مظاهر الواقع، ارادوا بشكل عام اللحاق بالتاريخ. لكنهم اكتفوا بتسجيل ما يرونه دون تفسيره لعجزهم عن اثبات اي شيء، ولان الحدث انكرهم كانت التيمات السائدة هي الفاشية والحرب والاحتلال الالماني، ثم الفقر والبطالة واخيرا الجرح المفتوح ابداً، جرح الجنوب الايطالي او منطقة المتزوجيورنو، تحولت الشهادة الى اتهام غير ان الجدل الايديولوجي تم خنقه على يد حركة براج عام 1948. روبرتر روسلليني باعتباره ابو الواقعية الجديدة وقع روبرتو روسلليني كما قلنا مع عرض فيلمه «روما مدينة مفتوحة» 1945 «مانفستو» المدرسة الجديدة، تلك الوثيقة الباحثة عن الحقيقة المحبة للآخين التي لا يكاد الخيال يصنع منها دراما والتي تدور حول معاناة سكان مدينة روما تحت الاحتلال الالماني كانت محسوسة اكثر منها مدركة بالذهن. لقد تم اخراج الفيلم في ظروف بدائية وبوسائل محدودة، في شوارع مدينة مازالت تعاني اهوال الحرب، لذا فهو يدين بعظمته الى بساطة المعيش الذي لم يزل حديثا. ان مشاهد اعدام الواعظ وسط الاطفال وتفتيش قوات الاحتلال لاحد الاحياء وتعذيب المناضل وموت البطلة، التي قدمت بقسوة لاتلين مشاهد لا تنسى وروسلليني الذي عني دائما بالشكل، ظل ملتصقاً بقواعد السرد التي اتبعها في افلام الحرب في فترة الفاشية واستطاع تحوله المتأخر ان يستثير الكثيرين بالحاحه الغريب، مع فيلم «بيزا» 1946 اصبح روسلليني واعيا على المستوى الجمالي بمدى اتساع الصيغة او الوصفة الجديدة التي فرضت نفسها في البداية تحت وطأة الضرورة، مع فتاة جزيرة صقلية «كاميلا» وفتاة روما «فرنشيسكا» ورجل المقاومة في فلورنسا وانصار دلتا نهر البو المصلوبين امتدت المأسأة الرومانية لتشمل بلداً بأكملها وتصور تضحية شعب. وامام واقعية اليأس تأتي بارقة امل وحيدة من دير في «ايميليا» مثل واحة سلام تائهة وسط صحراء الكره، يظل هذا العمل في نقائه المطلق اكثر اعمال المرحلة الواقعية الجديدة اكتمالا، لانه يتنازل عن العاطفة ليفرض على رصانة التأريخ غير الذاتية ملامح الملاحظة التسجيلية، وبامتدادها لتشمل اوروبا كلها تنتهي الثلاثية بفيلم «المانيا عام صفر» 1947، اذا كانت آنية العرض تظل حاضرة فإن اطلاله تغزو الروح والضحية طفل تائه وسط الاطلال، يدين دائما عبر، ولكن الرواية المتخيلة تفرض نفسها بقوة الرمز. يتم التعبير عن رد الفعل ازاء الحرب والاحتلال النازي ايضا في سلسلة من الاعمال الاقل اهمية والتي تمت معايشتها بشكل مكثف، اذا كان السندور بلازتي قد وجد في «يوم من العمر» 1946 بعضا من صدق «أربع خطوات في السحاب» دون ادعاء، فإن لذوعة المرافعة ضد العنف الحربي على لسان احد اهم ممثلي الحرس القديم الفاشي المهتم بمحو ذكرى ماضيه من خلال مذبحة مجموعة من الراهبات، الرحيمات بالرجال المطاردين، هذه المرافعة لا تمحو المغالاة الدرامية رغم جو السكينة المخيم على الريف الروماني. مع فيلم «مازالت الشمس تشرق» 1946 يتخطى الدو فرجانو الطابع الانساني الرقيق ليؤكد على القصدية الايديولوجية بشيء من الثقل، لكنه يطبع اسطورة المقاومة بروح غنائية لا سبيل لانكارها. ولانه استطاع ان يتجنب الالحاح المشبوه على النوايا الطيبة وحمية الجدال في نفس الوقت، اخرج لويجي زامبا في «الحياة في سلام» 1946 اكثر الافلام اقناعا في هذه السلسلة، في هذه القصة الماكرة المرحة، قصة التآخي بين جندي الماني وجندي زنجي أميركي تحت سيطرة الخمر، يتفوق الصلح على الكره ويتشكل من جديد التوازن حول الواقع، ومع فيلم «السنوات الصعبة» 1948 ينجح زامبا في تقديم نقد لاذع بسيط وسمح عن تواطؤ مجتمع الاقاليم مع الفاشية.