في محاولة هي الافضل من نوعها وان لم تكن الاولى في هذا الصدد، تعكف مجموعة من الغواصين حالياً على زراعة شعب مرجانية صناعية في منطقة نائية من المحيط الهندي على ضفة صخرية على الاطراف الغربية من هذا المحيط الشاسع. بناء هذه الشعب المرجانية يقوم على وضع عوارض معدنية يتم تثبيتها في قاع البحر على بعد عدة امتار عن بعضها ويقوم هؤلاء الغواصون بالسباحة حول هذه العوارض ويعلقون مجموعات من الحيوانات المرجانية الحية عليها باستخدام اسلاك موصلة كهربائياً بمسطح خشب يطفو على المسطح المائي فوق تلك العوارض. وبعد اتمام عملية التوصيل يقوم احدهم بالضغط على زر الكهرباء في غضون ثوان معدودة تبدأ فقاقيع من الهيدروجين في الظهور منبثقة من العوارض المعدنية. ففي واقع الامر يقوم هؤلاء بعمل ما يمكن وصفه بالصخور البيولوجية. فعلى ظهر المسطح الخشبي هناك سلسلة من الخلايا التي تعمل بالطاقة الشمسية ومع استمرار تيار البحر يحدث تفاعل كيميائي في مياه البحر يغطي العوارض الفولاذية بطبقة من الحجر الكلسي لاتستطيع الشعب المرجانية مقاومتها. ومع استمرار هذا التفاعل الكيميائي من المفترض ان يختفي ويتآكل الهيكل المعدني تحت غابة متعددة الالوان من الشعب المرجانية. وقد بدأ فريق العلماء هذه التجربة في مارس الماضي في منطقة سايا دي مالها، وهي عبارة عن ضفة موجودة على هضبة غمرتها الحياة غرب المحيط الهندي يطلق عليها اسم ماسكارين ريدج، وقاد هذا الفريق كل من العالم توماس جورو والعالم والن هيلبيرتس وكلاهما عمل لمدة عشر سنوات تقريبا في مجال زرع الشعب المرجانية الصناعية في مختلف انحاء العالم. غير ان هذين العالمين ليس لهما السبق في هذا المجال، فقط سبقهما عدد كبير من العلماء إلا انهما يعتبران ان تجربتهما هي الافضل حتى الآن، بسبب تكاليفها الزهيدة وقدرتها الاكبر على البقاء لفترات وأعوام اطول، وعلاوة على ذلك فإن الشعب المرجانية التي يتم زراعتها صناعياً يمكن ان توفر سبل الحياة لمجتمعات من البشر الذين يمكنهم الاعتماد عليها كمصدر للحصول على السمك الذي تجتذبه تلك الشعب المرجانية. ويقول العالمان ان شعابهما المرجانية اقوى 10 مرات من الشعاب الطبيعية في قدرتها على التكيف ومقاومة التغيرات البيئية التي تتسبب في تدمير وفناء هذه المخلوقات.. ويشير الاختصاصيون الى انه لو ثبت صحة قول هذين العالمين فإن ما صنعاه سيمثل آخر تلابيب الأمل في الحفاظ على الشعب المرجانية الموجودة في العالم وحمايتها من الانقراض. ولاشك ان مثل هذه المحاولات والتجارب تأتي في وقت تقع فيه الشعب المرجانية في مختلف ارجاء العالم تحت تهديد كبير، حيث تشير شبكة مراقبة الشعب المرجانية العالمية الى ان اكثر من ربع مساحة الشعب المرجانية في العالم قد اختفت خلال العقود القليلة الماضية وان ربعاً آخر من هذه المساحة على الاقل يتوقع له الفناء خلال العقدين المقبلين. تعدد الاشكال وتتعدد اشكال التهديدات التي تواجه الشعب المرجانية في العالم فهناك التدمير المادي لهذه المساحات الطبيعية بسبب الصيد الجائر والتلوث الذي يتسبب فيه رمي وتسرب المخلفات الصناعية الى مياه البحر من المدن والمزارع، غير ان ظاهرة الاحتباس الحراري لاتزال تمثل التهديد الاكبر الذي يواجه هذه المساحات الطبيعية. وظهر في الاونة الاخيرة تهديد جديد تمثل في زيادة مستويات ثاني اكسيد الكربون في الجو، والذي يزيد نسبة الغاز بهذا الشكل يمكن ان يمنع الحيوانات المائية مثل المرجان من بناء هياكله الدفاعية التي يكونها عن طريق افراز كربونات الكالسيوم حوله بعد ان يتغذى على جزيئات الاطعمة الموجودة في المياه. لكن هل تكون الشعب المرجانية الصناعية هي الحل؟ منذ الخمسينيات من القرن الماضي يتم زرع شعب مرجانية صناعية من المواد المعدنية البالية واطارات السيارات بهدف زيادة مردود السمك والقشريات التي تشمل السرطانات وجراد البحر والروبيان التي تجتذبها هذه الشعب، وفي السنوات الاخيرة كان يتم بناء الشعب من البلاستيك والصلب والاسمنت، ولكن معظمها يبقى ارضاً جدباء لا تصل اليها المخلوقات المائية بالمقارنة مع الشعب المرجانية الطبيعية. ولكن استخدام الكهرباء في تكون تلك الشعب يعد احدث الاساليب التي تستخدم في هذا الشأن على الرغم من ان الفكرة تعود الى منتصف السبعينيات من القرن الماضي عندما كان هيلبيرتس يعمل في جامعة تكساس حيث كان يحاول ان يستخدم الاقطاب الكهربائية بعد وضعها في قاع البحر لتقليد الطريقة التي تنمو بها الشعب وقواقع البحر. التحليل الكهربائي غير ان بعض علماء البحار ابدوا قلقهم من أن التحليل الكهربائي قد يضر بالحيوانات المرجانية الحية، ولذلك قام هيلبيرتس بعدة تجارب ليثبت عدم صحة هذا القول حيث قام بوضع حيوانات مرجانية على هيكلين من الفولاذ داخل مياه البحر وقام بتمرير تيار كهربائي صغير من خلال احد الهيكلين، تاركاً الآخر من دون اي تأثير كهربائي وتبين انه لم يحدث اي فارق ملحوظ بين الهيكلين ولكن على العكس تماماً، فقد تأقلم وعاش المرجان الموجود على الهيكل المكهرب. غير ان تلك النتائج التي افرزتها التجربة ثم تجاهلها ولم يجر اعتمادها للشروع في تكوين الشعب المرجانية بناء على طريقته، واستمر تجاهل المجتمع العلمي لنظرية هيلبيرتس حتى حدث اتصال بينه وبين احد العلماء من جامايكا كان قد اطلع على ابحاثه، وقرر الاثنان بدء مشروع الشعب الصناعية، كما تم توضيحه آنفاً تحت اشراف الاتحاد العالم للشعب المرجانية، وهو منظمة اشرافية متخصصة في حماية الشعب المرجانية في العالم. نتائج ايجابية وعلى الرغم من النتائج الايجابية التي يدعي العالمان تحقيقها فإن بعض الخبراء لم يكتفوا بعد بالفوائد والمزايا الكثيرة التي تتيحها عملية التكوين الكهربائي للشعب، يقول العالم هوغ جولد برغ: بالتأكيد أنا لا اود ان ارفض هذه الفكرة في المرحلة الحالية، فالمعالجة تبدو شيقة للغاية، ولكن علينا ان نرى الأمر بأنفسنا. كما ان مؤيدي الفكرة من غير هيلبيرتس وجورو يقولون ايضا انهم في حاجة الى مزيد من البحث والتجارب، لانه حتى الآن لم يفهم بالكامل السبب في ان هذا الاسلوب يؤدي الى تزايد معدل نمو الشعب ويؤدي الى تكوين حيوانات مرجانية اكثر صحة. وتقول كودي شوايكو مؤسسة ورئيسة مؤسسة كومدو الاندونيسية وهي منظمة مهتمة بالحفاظ على البيئة البحرية ان هناك حاجة لبذل قدر اكبر من الجهد والقيام بمزيد من التجارب حتى يتسنى لنا فهم اسلوب عمل هذه العملية. وفي محاولة لإثبات جدوى الاختراع الذي توصلا اليه، يعكف كل من جورو وهيلبيرتس الآن على دراسة امكانية استخدام الصخور البيولوجية في بناء كاسرات الامواج والحوائط المائية التي يمكن ان تفيد الدول النامية التي تعاني من ارتفاع مستويات مياه البحر، حيث ان تكلفتها لن تزيد على عشر تكلفة الهياكل الاسمنتية التي يتم بناؤها للغرض نفسه. حاتم حسين