حديثنا اليوم عن معمر من علماء المعمرين في الاسلام، انه محدث حافظ امضى مئة عام في خدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم يسمعها ويكتبها، ويدرسها، ويرويها ويصنف فيها، ذلكم هو الامام العلامة المحدث الحفاظ المفتي شيخ الاسلام ابو طاهر احمد بن محمد بن أحمد الاصبهاني السلفي. والسلفي: بكسر السين وفتح اللام، لقب لجده احمد، لقب بسلفه، وهي كلمة فارسية معناها: الغليظ الشفة. ولد في سنة 475هـ او قبلها بسنة بأصبهان ونشأ فيها وكانت تعج بالعلماء والمحدثين والفقهاء والادباء والقراء فكان اول سماع له في مجلس رزق الله التميمي، وقرأ القرآن الكريم وختمه على عدد من قراء أصبهان، وتلا بالقراءات القرآنية. وبعد ان اخذ عن علماء اصبهان ارتحل في طلب الحديث وكان سنه اذاك اقل من عشرين سنة، فرحل الى بغداد وسمع من محدثيها وحفاظها، كما سمع ايضا على علماء الكوفة. ثم حج وتلقى عن علماء الحرمين الشريفين، ثم عاد الى بغداد وأكب على طلب الحديث والفضائل وارتحل بعد سنة 500هـ الى البصرة وزنجان وهمذان، وأبهر، وواسط، وتستر، والاهواز، وتفليس، وشهر ستان، وماردين، وعشق، والري، وقزوين وغيرها كثير، وقد استغرقت رحلاته ثمانية عشر عاما. وقد بلغ عدد شيوخه اكثر من الفي شيخ منهم ستمئة شيخ من اصبهان وحدها. ثم رحل الى مصر، واستوطن الاسكندرية بضعا وستين سنة الى ان مات ينشر العلم ويحصل الكتب التي قلما اجتمع مثلها لعالم في الدنيا. ولما دخل السلفي الاسكندرية ـ وكانت شهرته قد سبقته اليها ـ تلقاه كبراؤها وفضلاؤها بالترحاب، واستحسنوا اخلاقه وآدابه، فأكرموه وخدموه، وزوجوه امرأة منهم ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف. وبنوا له مدرسة يدرس فيها. ومدة مقامه بالاسكندرية كان يفيد اهلها ولم يعرف عنه لهو ولا خروج الى منتزهاتها قال الحافظ عبدالقادر الرهاوي: «بلغني انه مدة مقامه بالاسكندرية ما خرج الى بستان ولا فرجة غير مرة واحدة، بل كان عامة دهرة ملازما مدرسته، وما كنا ندخل عليه نراه مطالعا». وأخذ عن ابي طاهر السلفي الائمة والعلماء والادباء وغيرهم في الحديث والفقه، والتفسير والقراءات والتاريخ، والادب، واللغة، والشعر، خلائق لا يحصون نظرا لطول عمره، وارتفاع اسانيده، وسعة اطلاعه، فكان مقصد الطالبين، ومحجة العلماء العارفين. فمن تتلمذ على يديه: محمد بن طاهر المقدسي، والمحدث سعد الخير وهما من شيوخه والحافظان ابو سعد السمعاني وأبو القاسم بن عساكر، وعبدالغني المقدسي، والآلاف من الطلبة كلهم روى عنه بالسماع او بالاجازة صفة مجلس تحديثه. كان مجلس علمه مجلس حديث وأدب، فكان لا تبدو منه جفوة لأحد ولا يشرب ماء ولا يبزق ولا يمتخط ولا يتورك ولا تبدو له قدم وكان قد جاوز المئة، يفعل ذلك احتراما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزجر الطلبة الذين يخلون بآداب مجلسه. وحضر عنده مرة السلطان صلاح الدين الايوبي وأخوه الملك العادل لسماع الحديث منه، فأخذ السلطان مع اخيه، فأظهر لهما الكراهة لذلك وزجرهما، وقال: ايش هذا أنتما تتحدثان وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ!! فأصغيا عند ذلك. اشتغل الحافظ السلفي بكتابة الحديث والتصنيف فيه منذ ان بدأ الرحلة في طلبه وألف العشرات من الكتب، فمن ذلك الاربعون البلدانية والوجيز في المجاز والمجيز، وله ثلاثة معاجم دون فيها تراجم شيوخه الذين أخذ عنهم العلم في بلده ورحلاته، وله معجم السفر لشيوخه خارج اصبهان، وله شعر، ورسائل ومصنفات اخرى كثيرة فإنه كان مكبا على الكتابة والاشتغال والرواية، ولا راحة له الا في ذلك. وقد أثنى على السلفي كل علماء عصره ومن بعدهم ووصفوه بأنه: الحافظ، العلامة شيخ الاسلام وأحفظ الحفاظ، وأنه المحدث الجهبذ، المقريء، الاديب، المؤرخ، اللغوي، الناقد، الضابط المتقن، وأنه اوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث. وفاته: بعد حياة حافلة بخدمة السنة النبوية، انتقل السلفي الى رحمة الله تعالى في شهر ربيع الآخر من سنة 576 هـ وقد نيف على المئة سنة، ولم يزل يقرأ عليه الحديث يوم الخميس الى ان غربت الشمس وهو يرد على القاريء ويصحح له، ومات صبيحة اليوم التالي، ودفن بالاسكندرية. رحمه الله تعالى رحمة واسعة. د. صالح معتوق كلية الدراسات الاسلامية والعربية ـ دبي