زار الشيخ فرحات السعيد المنجى المشرف العام على مدن البعوث الإسلامية بالأزهر مؤخرا بلجيكا ممثلا للأزهر ضمن وفد من علماء المسلمين قامت رابطة العالم الإسلامى، بتشكيله لزيارة بعض الدول الاوروبية لإظهار الصورة الحقيقية للإسلام والرد على الإتهامات والشبهات التى تثار ضد الإسلام والمسلمين خاصة فى أعقاب أحداث سبتمبر التى كان لها آثار سلبية غير مسبوقة على العالم الإسلامى. وقد ألقى فضيلة الشيخ فرحات عدة محاضرات فى البرلمان الاوروبى وفى البرلمان البلجيكى وبعض الجامعات البلجيكية تناول فيها العديد من القضايا مثل الربط بين الجهاد والإرهاب واتهام الإسلام بانتقاص حقوق المرأة واضطهادها وإلزامها بارتداء الحجاب دون رضاها وتعدد الزوجات وهل يمثل ظلما للمرأة؟ والرد على الإدعاءات الغربية بأن الإسلام دين عنصرى وبأن المجتمعات الإسلامية تهدر فيها حقوق الإنسان وتعتدى على حقوق الأقليات الدينية ولا تسمح لها بممارسة شعائرها الدينية فى حرية، أيضا تناولت المحاضرات الصراع العربى الإسرائيلى والأوضاع الحالية فى الأراضى المحتلة والمقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال الإسرائيلى. فى هذا الحوار مع فضيلة الشيخ فرحات السعيد نتعرف على تفاصيل الزيارة والقضايا التى تمت مناقشتها هناك ومدى النجاح الذى حققته فى تغيير صورة الإسلام المشوهة لدى الرأى العام الاوروبى. ـ كيف تم الإعداد لهذه الزيارة؟ وما الأهداف التى كانت تسعى إلى تحقيقها؟ ـ تم اختيارى من جانب الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر لتمثيل الأزهر ضمن وفد رابطة العالم الإسلامى الذى تم تشكيله من علماء مسلمين من بلاد مختلفة لزيارة بعض الدول الاوروبية لتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام فى تلك البلاد وقد قمنا بزيارة مدينة بروكسل التى تعتبر عاصمة لاوروبا ويوجد فيها مقر البرلمان الاوروبى والسوق الاوروبية المشتركة وزرنا هذه الأماكن بالإضافة إلى البرلمان البلجيكى ووزارة الداخلية للتعرف على علاقة الأقلية المسلمة بالسلطات البلجيكية وزرنا أيضا وزارة العدل البلجيكية وقد ألقيت محاضرات عن حقوق الإنسان فى الإسلام سواء أكان مسلما أو غير مسلم فى جامعة جيت وهى أقدم الجامعات هناك كما ألقيت محاضرة أيضا على هامش افتتاح دورة تدريب الدعاة التى تنظمها رابطة العالم الإسلامى فى معهد تدريب الدعاة التابع لها فى بلجيكا وهو يقوم بتدريب الدعاة الذين يتم إيفادهم إلى الدول الغربية لتعريفهم بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة وإلقاء الضوء على أهم المشكلات التى تواجههم فى تلك البلاد وكيفية الرد عليها. أسئلة استفزازية ـ ما أهم الأسئلة التى وجهت إليكم خلال تلك الزيارة؟ ـ فى الحقيقة كانت هناك أسئلة واعتراضات واتهامات كثيرة تدور حول حقوق المرأة فى الإسلام وحقوق غير المسلمين فى بلاد المسلمين وعلاقة الإسلام بالإرهاب وفرضية الجهاد فى الإسلام وكان هناك مجموعة من الأشخاص يسألون بطريقة استفزازية ورغم القسوة فى طريقة إلقاء الأسئلة إلا أننا نجحنا فى استيعاب الحاضرين بطريقة جيدة. ـ كيف قمتم بالرد على الإتهامات التى توجه للإسلام بانتهاك حقوق المرأة؟ ـ عندما طرحت الأسئلة فى تلك القضية رايت أن الذين تقدموا بها يريدون أن يجعلونا فى قفص الإتهام وفى موقف المدافع بصفة مستمرة لكننى وجهت إليهم سؤالا ردا على أسئلتهم وقلت لهم إذا كانت النساء المسلمات فى بلادنا قد بلغن درجة عالية من العلم والثقافة والمعرفة وأصبحن وزيرات ورائدات فى مجالات كثيرة فهل تقدمن إليكم يطلبن منكم أن تخلصوهن من الدين الإسلامى؟ وهل ذكرن لكم أن الإسلام يعتدى على حقوقهن؟ وهل النساء المسلمات منحنكم تفويضا لتتحدثوا نيابة عنهن؟ وإذا كان ذلك لم يحدث فلما تتدخلون فى شئونهن الخاصة ولم تتكلمون بالنيابة عنهن رغم أنهن لم يفوضونكم فى ذلك؟ هذا فى الإسلام هو الفضولى الذى يتدخل فى أمور لم يندب إليها ثم قلت لهم إن المرأة فى مجتمعاتكم تصرخ وتتألم من شدة القيود المفروضة عليها فحينما تتزوج المرأة يطرح اسم أبيها وعائلتها جانبا وتنسب لزوجها وكأن علاقتها قد انتهت بمن تولى تربيتها ورعايتها وتعليمها والمرأة عندكم لا تستطيع صرف شيك من أى بنك إلا إذا وقع زوجها على الشيك بجوار توقيعها فهى ليس لها ذمة مالية مستقلة وأظن أن أمامكم سنوات طويلة حتى تتحرر المرأة فى مجتمعاتكم وتصبح مثل المرأة المسلمة وإذا كنتم ترفضون تعدد الزوجات على أساس أنه يضر بالمرأة فإن المرأة عندكم لو أوقعها حظها العاثر فى شخص سكير عربيد يضربها ويعتدى عليها ليس من حقها الطلاق بل يظل أمرها على تلك الحال إلى أن تموت فهل هذا هو الحل؟ لقد امتهنت المرأة فى بلادكم لكنكم تنظرون إلى القذى فى أعين الناس ولا تنظرون إلى الخشبة فى أعينكم كما يقول المسيح وأنتم تعلمون ذلك أكثر منى. اتهام الاسلام ـ الإسلام يتهم بالإرهاب من جانب الغربيين وقد زادت حدة هذه الإتهامات فى أعقاب أحداث سبتمبر الماضى فكيف عالجتم هذه المشكلة خلال الزيارة؟ ـ قلنا لهم حينما خلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ البشر جعلهم جميعا متساوين فى الحقوق والواجبات وسألناهم هل من المنطقى أن يخترع الإنسان آلة ثم يخترع أو يوجد ما يدمرها؟ لقد خلق الله الخلق فكيف يوافق على الإرهاب بأن يقتل هذا وذاك وهؤلاء كلهم خلقه وصنعته؟ وبالتالى كان لابد أن يحرم الله القتل فقتل الإنسان جريمة أكبر عند الله من هدم بيته وحتى بالنسبة لترويع النفس الإنسانية لا يوافق عليه الإسلام فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهى عن أخذ متاع الآخرين سواء كان الذى يأخذ مازحا أو جادا ويرفض الإسلام أيضا ترويع الآمنين وحرم كل ذلك حتى فى الحروب، أما بالنسبة للجهاد فلم يشرع فى الإسلام إلا للدفاع عن النفس يقول تعالى: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير» وقد ظل النبى ـ عليه السلام ـ فى مكة ثلاثة عشر عاما ثم هاجر إلى المدينة وظل عامين وطوال هذه الفترة كان هو وأصحابه يتعرضون للإيذاء والتعذيب ويعتدى على ممتلكاتهم وأموالهم ورغم ذلك لم يعتد المسلمون على أهل مكة لكن الله وجد المشركين قد استمرأوا هذا وتواصلت اعتداءاتهم على دين الله وحرماته فكان الإذن للمسلمين بالقتال من أجل الدفاع عن أنفسهم وفى نفس الوقت يرفض الإسلام فى الحروب قتل الأطفال والنساء والشيوخ والذين يتعبدون فى دور العبادة وينهى عن اقتلاع الأشجار أو إحراقها وتسميم الآبار، وقلت لهم ان المسلم حينما يريد الجهاد واتخاذ قرار بالحرب ضد بلد انتهك حرمات الله لابد أن يعلم هذا البلد بذلك القرار يقول تعالى: «فانبذ اليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين». ـ تتهم المجتمعات الإسلامية بانتهاك حقوق الإنسان عامة وحقوق الأقليات الدينية التى تعيش على أراضيها خاصة ما هو ردكم على تلك الإتهامات؟ ـ لقد أوضحنا لهم أن علاقة المسلمين بغيرهم حددها الشرع وهى تقوم على قاعدة معروفة مفادها أنه لا ضرر ولا ضرار يقول تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا على إخراجكم أن تبروهم وتقسطوا إليهم...» هذا هو أساس المعاملة فى الشرع والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يسأل عن جاره اليهودى وعن غير المسلم إذا مر فى مكان كان يتواجد فيه ولم يجده وكذلك عمر بن الخطاب وكل السلف الصالح وعلى مدار التاريخ لم نجد دينا أهين فى بلاد الإسلام أبدا وإنما كل الأديان لقيت التكريم ومنح أتباعها الحرية الكاملة فى ممارسة شعائرهم ولذلك الإسلام يزيد ولا ينقص لأن دعوته تقوم على السماحة وعلى المودة والمحبة بين البشر جميعا. من أهم القضايا التى يثيرها الغربيون حجاب المرأة المسلمة فهم يزعمون أن هذا الزى غير حضارى وأنه يفرض على المرأة دون رضاها فما ردكم على تلك الإدعاءات؟ ـ الحجاب كان موجودا حتى قبل الإسلام ولم تكن ترتدى الحجاب أو النقاب إلا نساء الملوك والأمراء حتى يكن فى موضع العفاف بعيدا عن التشبه بسفلة القوم فكانت زوجة كسرى لا يرى وجهها أحدا وترتدى عباءة تلفها من أولها إلى آخرها حتى يعرف الناس أنها زوجة كسرى وكذلك كانت زوجة قيصر فهؤلاء كانوا يدركون أن الحجاب والنقاب إنما هو لإعزاز المرأة وتكريمها والحجاب مفروض على المرأة المسلمة للحفاظ عليها أم غير المسلمة فتفعل ما يأمرها به دينها والإسلام يصون المرأة والحجاب عفة وشرف لها وقلت لهم إذا خرجت المرأة سافرة كاشفة عن كل مفاتنها فماذا أبقت لزوجها؟ عنصرية الدين ـ يزعم بعض الغربيين أن الإسلام دين عنصرى لأنه يرفض أن تتزوج المرأة المسلمة من غير المسلم فى حين يسمح للمسلم أن يتزوج من غير المسلمة كيف نواجه هذا الإتهام؟ ـ لقد قلت لهم إن الشرع ليس فيه ما تقولون إذا أراد غير المسلم أن يتزوج من مسلمة وهو يحبها وهى تحبه فأنا على استعداد أن أعقد له عليها الآن ويتزوجها بشرط واحد أن تؤمن بنبيها كما تؤمن المسلمة بنبيك فهل هناك مشكلة فى ذلك فالمسلمة إذا تزوجت بغير المسلم وذكر موسى أو عيسى ـ يهوديا كان أو نصرانيا ـ فإنها تقول عليه الصلاة والسلام أما غير المسلم هل إذا ذكرت هى نبيها سيقول مثلما تقول هى عندما يذكر نبيه؟ إذن كيف يكون الزوج أدنى من زوجته وهو القوام؟ لابد أن يكون على الأقل مثلها فما دامت تؤمن بنبيك فآمن أنت بنبيها وتنتهى المشكلة وعندئذ تتزوجها. ـ هل تمت إثارة القضية الفلسطينية والصراع العربى الإسرائيلى خلال المحاضرات؟ ـ نعم أثيرت القضية الفلسطينية وكان معظم الذين يوجهون الأسئلة منحازين إلى إسرائيل ويؤيدونها بشدة وبعضهم كان يساند الحقوق العربية لكننى لاحظت أنهم لا يعرفون كثيرا من الأمور التى نظن أنها معروفة بالبديهة فعلى سبيل المثال أكد بعضهم أن هذه الأرض هى أرض يهودية وأن اليهود يعيشون فى بلادهم والفلسطينيون هم الذين يعتدون عليهم وعلى ممتلكاتهم وديارهم لدرجة أن البلجيكيين كانوا يعتقدون ـ كما روجت لهم الدعاية الصهيونية التى قلبت الحقائق ـ أن الشهيد محمد الدرة يهودى والذين أطلقوا عليه النار هم الفلسطينيون لكن مع وصول شرائط الفيديو وإذاعة بعض وسائل الإعلام الحقيقة بدأت تنقلب الصورة لكن بعد ما اقتنع من اقتنع. ـ كيف كانت ردود أفعال الغربيين على هذه الطروحات التى قدمتها فى تلك القضايا الحساسة؟ ـ هذه الإجابات رغم أننى لم أتعرض فيها لحديث نبوى أو لآيات من القرآن الكريم والتركيز على الأدلة العقلية وحدها وفى نهاية المحاضرة كنت أذكر النصوص التى تؤكد أقوالى والحمد لله اقتنع الذين استمعوا لتلك المحاضرات بطهارة الإسلام ونزاهته ودعوته إلى الحب والتعايش والتسامح بين الناس جميعا والذين استمعوا لتلك المحاضرات ينتمون إلى فئات مثقفة فهم إما أعضاء فى البرلمان الاوروبى أو البرلمان البلجيكى أو أساتذة فى الجامعات وهؤلاء كانوا يوجهون إلي أسئلة كثيرة ورد الفعل كان جيدا فى مجمله وقد اجتمعنا بالسفراء العرب والمسلمين وشرحنا لهم ما يتعرض له الإسلام فى تلك الفترة والدور الذى يجب عليهم القيام به وطرق الرد على الإتهامات التى تثار ضد الإسلام وقبل عودتنا بساعات ـ ربما للتأثير الكبير الذى أحدثته زيارتنا ـ وصل وفد من حاخامات اليهود إلى بروكسل وقرروا زيارة نفس الأماكن التى قمنا بزيارتها لعرض وجهة النظر الإسرائيلية. ـ من خلال زيارتكم المهمة لبلجيكا كيف نستطيع تحسين صورة الإسلام فى الغرب ومواجهة الإتهامات الباطلة التى توجه للمسلمين؟ ـ المواجهة المباشرة من أهم الوسائل التى تجعلنا نصل إلى عقول الغربيين ونستطيع إقناعهم بجانب الوسائل الأخرى من وسائل اعلام وغيرها.