اثبتت التجارب ان الاطفال عادة ما يكونون اكثر ضحايا الحروب تضررا، فهم اول من يموتون واول من يصابون، واثناء المجاعات وظروف الفقر المدقع، يصلون الى درجة من الضعف، لا يتمكنون معها من اجتياز المحنة ويموتون قبل ان تصل المعونات ولعل الاوضاع في دولة انغولا، التي شهد شهر فبراير الماضي فقط انتهاء حرب اهلية عانتها هذه الدولة لمدة 30 عاما بلا توقف، اثر مقتل زعيم المتمردين جوناس سافيمبى، هي اكبر شاهد على معاناة الاطفال والشعوب بشكل عام من اوقات الحرب او المجاعات فقد شهدت المناطق العليا لذلك البلد الافريقي معاناة من اشد ما رأته القارة السمراء في تاريخها، فقد ظلت تلك المناطق محظورة ومغلقة امام كل من يحاول الوصول اليها من قبل المجتمع الدولي لسنوات طويلة حيث سمح للمصورين وجهات المساعدة الدولية ومنظمات الاغاثة العالمية في ابريل الماضي للدخول اليها اثر توقيع اتفاقية بوقف اطلاق النار مع حركة «يونيتا» الانفصالية، تلك الحركة التي كانت تحتجز الرجال والنساء والاطفال في مناطق معزولة على امتداد 30 عاما، ذاق فيها الاطفال والنساء والرجال صورا من ابشع صور التعذيب ومروا بأقسى ظروف يمكن ان تمر بانسان على وجه الارض، وذاقوا خلالها ابشع ازمات سوء التغذية التي حدثت في افريقيا خلال العقد الماضي. يصف اريك دي مول، منسق الاعمال الانسانية بالامم المتحدة الوضع في المناطق التي كانت تسيطر عليها حركة «اليونيتا» بأنها بشعة الى حد لا يوصف، الناس يعانون من ضعف فظيع، لاسيما الاطفال وبلغ النقص في الادوية والعناية الطبية أوجه واسفر عن نتائج رهيبة. تلك الاوضاع المأساوية تعكس نتائج حرب كانت دائرة منذ فترة الستينيات بدأت بكفاح لطرد البرتغاليين المحتلين للبلاد، ووقف خلالها سافيمبى مع البرتغاليين ضد الحركة الشعبية لتحرير انغولا، فالصور المأساوية التي يشاهدها المرء في تلك الدولة، التي بدلا من ان تكون احد اثرى البلدان الافريقية بفضل ما تمتع به من ثروات نفطية كبيرة تحولت الى حطام دولة بفعل الحروب الاهلية، تعكس مأساة من صنع الانسان والانسان وحده، فمنذ حوالي 27 عاما كانت انغولا، تحت حكم الحركة الشعبية لتحرير انغولا، بلد يضرب به المثل في تطبيقه برامج التعليم الطموحة التي كانت في ذلك الوقت يرعاها الاف من الاطباء الكوبيين والروس، غير ان واشنطن لاعتبارات مرتبطة بالحرب الباردة، عملت على اسقاط الحكومة اليسارية للبلاد التي كانت مدعومة بألوف من القوات الكوبية وكانت وسيلة واشنطن لتحقيق ذلك الامر هي جيش جنوب افريقيا العنصري وجوناس سافيمبى، الذي كان حينذاك احد قادة المعارضة، والذي اخذت واشنطن في تلميعه واستضافته في البيت الابيض، وساعدها على ذلك شعبيته واجادته لعدة لغات، حتى تطور الامر واطلق على الرجل لقب «القائد الديمقراطي لانغولا الذي تحتاجه افريقيا» وعملت واشنطن على دعم جيشه وساعدته وكالة الاستخبارات الاميركية «سي.اي.ايه» وامدته بأحدث الاسلحة التي من خلالها استطاع ان يعيث في الارض الفساد ويزلزل دعائم ويقوض اركان المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليسارية للبلاد، فلم يكن هناك مكان في انغولا كي يحمل صفة الامان. ووصل الامر الى ان استولى سافيمبى على مناجم الماس في البلاد التي تمثل جزءا مهما من ثروة انغولا لتمويل حربة، واستمر في نهب ثروات البلاد التي لم يتمكن الشعب الانغولي البسيط من التمتع بها على مدار العقود السابقة، واشارت الاحصائيات في فترة التسعينيات الى انه كان يموت الف شخص في انغولا كل يوم عام 1994 بسبب الجوع والمرض واضطرب التوزيع السكاني للبلاد بسبب الحروب، حيث كان جنود حركة يونيتا يدخلون القرى ويختطفون الشباب للانضمام اليهم في الحرب ويأخذون الفتيات كسبايا وعبيد، وكان يتم اجبار اهل القرى على تقديم الغذاء والمؤن للجنود، مما تسبب في زيادة معاناة تلك القرى التي كانت تفقد معظم مؤنها وتموينها الغذائي. هذه الظروف ادت الى ايجاد حالة من المجاعة وانتشار الاوبئة مثل الملاريا والجدري والامراض المرتبطة بسوء التغذية وكان المحظوظون من الشعب الانغولي هو من يستطيع ان يهرب الى المناطق العشوائية، القريبة من المدن والتي تحتوي حاليا تقريبا على 50% من الشعب يعيشون على الفتات من الطعام، فالاحصائيات تشير الى ان ثلث شعب انغولا حاليا اي 4.5 ملايين شخص مشرد. وبدأ سوء الاوضاع في البلاد يطول المناطق التي تسيطر عليها اليونيتا وتسربت الامراض والاوبئة الى صفوف اتباع سافيمبا نفسه في النصف الثاني من التسعينيات وبدأوا يذوقون المرارة التي اذاقوها للشعب الانغولي طوال مدة الحرب الاهلية، حيث بدأ اقرب حلفائه في الفرار من المناطق التي يسيطر عليها حتى انتهى الامر باغتياله في فبراير الماضي، وهو الامر الذي عجل بالوصول الى اتفاقية لوقف النار، ولكن بعدان تفتت اوصال تلك البلاد ووصل شعبها الى اقصى مراحل الضياع والتشرد. فتبعا لاحصائيات منظمة «اطباء بلا حدود» تم العثور على 200 شخص يعاني من سوء التغذية من شمال شرق مقاطعة مالازج وحدها التي يقطنها 2000 شخص ويبلغ معدل الوفاة في المنطقة سبعة اشخاص من كل 10 الاف شخص يوميا. وحاليا تبذل منظمات الاغاثة جهودا مضاعفة الى المناطق التي كانت حركة اليونيتا تحجز فيها النساء والاطفال والذين يقدرون بعشرات الالوف. ولاشك في ان انغولا تمثل احدى المناطق من المعالم الذي تسبب الغرب في تحويلها الى مقابر جماعية بسبب اعتبارات سياسية ودينوية دفعت القوي لان يدهس الفقير الذي كان يمكن ان تستمر مأساته لولا مقتل ذلك الطاغية سافيمبي، الذي ادى مقتله الى ايجاد موقف سياسي جديد وفرصة اخرى للحياة في بلد كان قد فقد فيه الامل. ترجمة: حاتم حسين عن «صنداي تايمز مجازين»