انتهت مؤخراً فعاليات ندوة متخصصة نظمتها امانة عمان الكبرى، وحملت عنوان فن العمارة الاسلامية وخصوصية عمان المعمارية والتي قد جاءت ضمن برنامج الدائرة الثقافية بالامانة للاحتفال باعلان عمان عاصمة للثقافة العربية. وفي كلمته الافتتاحية قال المهندس عبدالرحيم البقاعي نائب امين عمان ان هذه الندوة مخصصة بصورة استثنائية في محاور خاصة لها علاقة بخصوصية فن العمارة وعلاقته بالانسان والمكان معا مع الاهتمام ببعدين رئيسيين هما: فن العمارة الاسلامية، وخصوصية عمان المعمارية. وأضاف البقاعي ان عمان ستبقى مرآة صادقة تحكي قصة أهلها، وستبقى سجلا تاريخياً للمجتمع الذي اسهم في تكوينها وعمرانها، ذلك المجتمع الذي ادرك علاقة الانسان بالعمران، وكيف يؤثر احدهما في الاخر ويؤرخ له، مشيرا الى ان المدينة احتضنت كل ما يمكن ان يخطر على البال من أشكال جغرافية من الجبال والوديان وعيون الماء وغيرها ومن هنا فان الانسان لم يترك ـ هذا المكان ـ منذ العصور الحجرية، بل تتابعت عليها عدة مجتمعات تفاعلت معها وأثرت فيها وتأثرت بها، وتركت وراءها سجلات تاريخية تتمثل بتلك المعالم التي ازدانت بها عمان من مدرج روماني، وسبيل الحوريات، والقلعة، وغيرها. انجازات معمارية وأوضح نائب الأمين العام انه واستجابة للتطورات التي تعرضت لها عمان، كان لابد لها ان تبدأ في بلورة شخصيتها العمرانية الخاصة بها، فشهدت سفوح عمان ووديانها انجازات معمارية مميزة كان قوامها استعمال الحجر في البناء، وتبلور من خلال ذلك نمط معماري مميز وخاص بهذه المدينة. مشددا على ان من يدقق في الجانب المعماري في مدينة عمان، وبخاصة في السنوات الاخيرة، يرى تعددا في الانماط المعمارية، وتداخلا بين مدارس العمارة العالمية، ولعل هذا نتاج طبيعي يتطلبه الانفتاح على تجارب الاخرين.. وهو كذلك، على حد وصف البقاعي، نتاجاً لتعدد المواقع الجغرافية التي درس فيها طلابنا، فحملوا مدارسهم معهم الى وطنهم، مما اوجد هذا التنوع، بل هذه العالمية في الانماط المعمارية السائدة. وفي الندوة حصرت العديد من الاوراق كان ابرزها الحديث عن العمارة الاسلامية، النشأة الخصائص والتطور وهذا ما اتى عليه رئيس قسم العمارة في الجامعة الاردنية د. مجدي توفيق عندما أشار الى ان الحضارة الانسانية ارتبطت منذ فجر التاريخ بعدة حلقات متصلة مع بعضها بحيث اصبحت هذه الحلقات تمثل مجموعة من الانجازات المادية التي حققها الانسان عبر التاريخ. وقال: منذ اكثر من عشرة الاف سنة تمكن الانسان من اكتشاف ذاته، وبدأ الخطوة الاولى نحو الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فبعد ان غادر الكهف الى عمارة البيت البدائي تمكن مع اسرته وجماعته من بناء القرية التي يتوفر فيها بعض العناصر الاساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ثم بدأت المرحلة الاولى في تصميم البيت وتجمعت حوله عدة بيوت ومرافق متنوعة وبهذا تمكن من تحقيق الحلقة الاولى في عقد الحضارة الانسانية. نماذج متعددة واوضح ان الحلقة الخاصة بالانجاز العمراني تمثلت في مجموعة من الحلقات المتداخلة تمثل نماذج متعددة من التجارب المعمارية او الاجتماعية، فأصبحت الحلقات المتتابعة توحد نماذج وانماطا متنوعة من اساليب ومكونات البناء.. وهكذا يمكن ان نسجل ان المفردات العمرانية قد دفعت لنا بمجموعة من الاساليب والطاقات المتنوعة. وانتهى د. توفيق الى انه مع نهاية الحلقات التاريخية للعمارة الاسلامية بصورة خاصة نلاحظ ان جميع نماذج العمائر قد شهدت تطورا كبيرا سواء في اسلوب مخطط المساجد او في تنظيم وتوزيع القباب او المآذن الجدارية سواء بالطوب او الحجر او بالمقرنصات او بالخزف الملون او بالحجارة المزخرفة او الفسيفساء الرسوم الزيتية، وهكذا ظهرت العمارة والفنون الاسلامية منذ بدايتها حتى نهاية العصر العثماني تمثل نشأة المجموعات الاسلامية وخصائصها وتطورها. مشيرا الى انها تمثل الجهود العلمية والاخلاقية التي اسهم فيها العرب الفرس والاتراك في كافة اقاليم ديار الاسلام خلال خمسة عشر قرنا متواصلة. من جهته تصدى المهندس رائف نجم لورقة حملت عنوان: «العمارة الاسلامية ـ انموذج تطبيقي» وتساءل فيها عن افضل انموذج للعمارة الاسلامية يمكن الاستشهاد به فاجاب لو طرح علي هذا السؤال لما ترددت في اختيار مبنى قبة الصخرة المشرفة، لما فيه من خصائص مهمة للعمارة الاسلامية. ويلخص ورقة المهندس نجم قوله: لو حاولت اختيار انموذج للعمارة الاسلامية في مدينة عمان لادخلني ذلك في احراج مع المعماريين. لذلك اخترت انموذجا له علاقة وطيدة بي شخصياً، حتى اعفي غيري من الاحراج او الانتقادات. وهذا الانموذج هو مشروع جامعة العلوم والتكنولوجيا في الشمال، الذي اعتبره انموذجا تطبيقيا مناسبا للعمارة الاسلامية في المملكة الاردنية الهاشمية. وقول المهندس نجم هذا يشي في الحقيقة الى «غضب» المتخصصين في العمارة الاسلامية عن المنطلقات التي شكلت بها بيوت عمان الحديثة وهذا ما سنستعرضه لاحقا في الحديث عن التلوث البصري الذي خصص له العمانيون عددا من الندوات التي تعالج هذا الامر، خصوصا وان للامر علاقة كبيرة بالانسان حضارة وثقافة وبالابعاد النفسية لهذا الانسان وتطلعاته المستقبلية وهذا ما أشار اليه رئيس قسم الهندسة المعمارية بجامعة العلوم والتكنولوجيا.. فؤاد ملكاوي في ورقته المقدمة للندوة تحت عنوان «البعد النفسي والاجتماعي للعمارة». يقول ملكاوي: خلال الثلاثين سنة الماضية بدأ الاهتمام يتزايد في ايجاد علاقة تبادلية بين التنظيمات الفراغية للتجمعات البشرية وانظمة التمييز المحلية لتلك التجمعات فأصبح القضاء عبارة عن رمز لعلاقات اجتماعية مختلفة والبيئة الفيزيائية بدأت تستخدم كأداة لفهم النظم الاجتماعية في «مجتمعات المكان» ولقد اخذ الكثير من علماء النفس والاجتماع والمعماريين على عاتقهم قراءة هذه البيئة وترجمة معانيها الاجتماعية المختلفة، وتراوحت التراجم بين تلك التي ارتأت ان البيئة المبنية هي تمثيل مباشر لنظام اجتماعي وبين تلك التي اعتبرتها ذات رمزية معقدة تربط الكون بالحياة اليومية بشعائرها وطقوسها. وانتهت ورقة د. ملكاوي بالقول: تبين ومن خلال امثلة مختلفة من العالم الاسلامي عجز كل من النظريتين عن تفسير النسيج العمراني للمدينة الاسلامية وتطرح تفسيرا بديلا تقرأ فيه البيئة المبنية على انها نتاج علاقة اعتبارية تربط «النفس» بالعالم الاجتماعي وتنتقد الورقة الاساليب الشائعة في قراءة معاني العمارة الاسلامية والتي تعتمد الرؤية الخاصة وتطرح بديلا يكمن في الدراسات الانثروبولوجية. ولكن هل لامانة عمان الكبرى دور ما في الحفاظ على التراث المعماري؟ هذا الاستفسار كان عنوانا لورقة قدمتها م. نسرين داود عن امانة عمان الكبرى التي استعرضت خلالها المعلومات التاريخية عن عمان، والحفاظ على التراث المعماري، ودور امانة عمان الكبرى في الحفاظ على خصوصية عمان، بالإضافة الى الحديث عن استراتيجية الحفاظ على التراث الاسلامي في العاصمة. وقالت: ان امانة عمان ترتكز في استراتيجيتها في الحفاظ على التراث من خلال العمل على مستويين: المستوى الشمولي «كامل المدينة»، والمستوى الخاص «المباني التراثية». منتهية الى ان الامانة تعمل على زيادة الوعي بأهمية المناطق التراثية والحفاظ عليها من خلال عمل البرامج اللازمة لتنمية الوعي بأهمية المناطق التراثية واشراك سكان المنطقة لمتابعة عمليات التطوير والصيانة، الدعوة الى تأكيد وتنمية الوعي بمستويات التعليم المختلفة، والتوعية عن طريق وسائل الاعلام بحملة مستمرة للتعريف بمدينة عمان ومواقعها الاثرية. خطط تطويرية اما من حيث خطة العمل من اجل اصلاح وتطوير المواقع التاريخية فانها تسير وفق تخليص الموقع من مظاهر الاهمال والعزلة، وتوفير الخدمات الضرورية مع الحفاظ على الطابع المعماري للموقع، الا ان المهندسة نسرين استدركت قولها بأنه ليس بالتأكيد المطلوب والهدف من المشروع تحويله الى قطاع متحفي غرضه للسياحة فقط، بل يجب ان يكون الهدف الاساسي اعادة احياء التراث والحيوية للمنطقة التاريخية لتعيش حياة العصر من خلال خلق وظائف جديدة لهذه المواقع ذات أغراض سياحية وثقافية او كمؤسسات حكومية واسواق للصناعات التقليدية والمعارض الفنية، والتركيز على اضفاء البعد التاريخي والتراثي التقليدي للمباني الحديثة من خلال استخدام العناصر المعمارية التراثية، والاستعانة والاستفادة من الخبرات المشابهة وذلك من خلال الاستعانة ببيوت الخبرة واساتذة الجامعات وادارات المدن المشابهة، وتجنيد الايدي الخبيرة لتتولى التقييم الفني للتراث المعماري، وتقرير ما يجب هدمه وما يجب المحافظة عليه، وتطبيق الاسلوب العلمي المعتمد عالميا في ترميم المباني التراثية. ولكن ما هو المطلوب من القطاع الخاص للحفاظ على الخصوصية المعمارية لعمان، هذا السؤال تصدت له ورقة قدمها الدكتور عصام حماد، حيث أشار الى انه من دواعي الفخر لمدينة عمان بين مثيلاتها العربيات وجود بيئة ومناخ صالحين انتجا مجموعة من بيوت الخبرة المعمارية يديرها عدد من المهندسين الذين يعتبرون من صفوة الكفاءات المعمارية العربية والذين يتمتعون بقدرات وطاقات وشهرة تخطت الحدود الى آفاق عربية وعالمية. واضاف ان السوق الاردنية ومدينة عمان لم تحقق بما يكفي بالفائدة المرجوة من توفر هذه الكفاءات وان هناك الكثير مما يمكن عمله في مدينة عمان لتثبيت وتحقيق ما نسميه الخصوصية المعمارية لعمان اعتقد بأن امانة عمان الكبرى قامت مؤخراً بشيء من الرعاية والاهتمام لهذه البراعم الا ان المطلوب هو اكثر من ذلك. الا انه استدرك ان في عمان يمكننا تلمس نهضة وتصميم متقدم وشخصية معمارية «خصوصية» واضحة في مجال المباني بينما نرى بعضا من القصور في التعامل مع الفضاءات الشارعية والمدينية كالساحات العامة والارصفة، يمكن لهذه الكفاءات ان تضيف شيئا في هذا المجال. وبعيدا عن هذه الندوة فان هناك ما يدل على ان مشاريع امانة عمان الكبرى تعمل وفق منظومة واعية من اجل جعل عمان «عاصمة اكثر جمالا، وابتعادا عن التلوث البصري» ونشير في هذا الصدد الى مشروع يبدأ في يوليو المقبل من اجل تنفيذ الاعمال الانشائية للمشروع السياحي لوسط عمان المتضمن تطوير المنطقة واعادة تأهيل «محطة رغدان للباصات» الواقعة في وسط العاصمة والتي تعد المنطقة الاكثر اكتظاظا بالمارة والسكان معا. ويأتي هذا المشروع ضمن الاتفاقية بين الحكومة الاردنية وامانة عمان الخاصة باعادة اقراض جزء من اموال قرض ياباني لتمويل مشاريع عمان السياحية بقيمة 1.6 مليار ين ياباني. وحول ذلك قال الدكتور عبدالاله ابو عياش المدير التنفيذي لوحدة مشروع تطوير القطاع السياحي «المشروع الياباني» ان مشاريع امانة عمان السياحية في الاتفاقية التي وقعت في وزارة التخطيط مؤخراً وينتهي العمل بها خلال عام تشمل العديد من المناطق في العاصمة عمان ومنها شارع طلال السياحي الممتد على طول المنطقة من المدرج الروماني الى رأس العين وهي منطقة وسط البلد باكملها حيث سيعمل على تطوير الارصفة الجانبية والساحات الرئيسية في الشارع وخاصة الساحة المحيطة بالمسجد الحسيني وساحة المبنى القديم للامانة ومركز الزوار بالاضافة الى اربعة ادراج تراثية تربط بين قلعة عمان ووسط المدينة. غياب التخطيط وابرز ما يمكن الحديث عنه في هذه المشاريع ايضا «تطوير اعادة تأهيل منطقة محطة رغدان وفق احدث المواصفات العالمية لخدمة حركة النقل السياحي بالاضافة الى خطوط وخدمات النقل المحلي وبما يتناسب مع الاهمية التاريخية والحضارية لوسط عمان. ويؤكد المهندسون المختصون ان من شأن هذه المشاريع ازالة العديد من الاشكالات المتعلقة بما تعاني منه العاصمة وخصوصا في وسط البلد من اشكاليات «بصرية»، خصوصا وان مسألة «التلوث البصري» في العاصمة عمان وخصوصا في الاحياء القديمة منها مسائل تتعلق بالتنظيم ويقول المختصون في هذا الجانب ان هذا التلوث من شأنه التأثير على بنية المشهد البصري للمواطن الاردني فضلا عن اثرها في التربية الفنية الجمالية في تعامل المواطن مع المشهد العام للمكان. ويستذكر احد هؤلاء المختصين وهو د. رائد قاقيش ما عانت منه مدينة لندن قبل سنوات بالإضافة الى عدد من المدن الاخرى ابرزها نيويورك وطوكيو، حيث لجأت البلدية الى تعيين مهندسين مستشارين لدراسة المدينة بشكل كامل. ويرى د. قاقيش ان من اهم اسباب التلوث البصري في عمان هو كيف نستثمر الاليات والنظم الحديثة في مدينة عمان.. مشيرا الى ان قضية ترقيم الشوارع ووضع الاسماء لها اصبحت هي الاخرى تضيف الى التلوث البصري. ولكن كيف اثرت مجموعة الهجرات الى عمان على شخصية العمارة؟ يجيب المختصون على هذا السؤال بصورة متباينة فمنهم من يرى ان التأثير كان سلبيا لاسباب كثيرة لان مجموعة الهجرات التي حدثت في عمان كانت هجرات عانت منها الحكومات منها لان الانتشار سابقا في عمان كان عشوائيا على ان اخرين يرون عكس ذلك بالقول ان هذه الهجرات اثرت الطابع العمراني العماني بالكثير من الجماليات، الا ان الجميع في الختام يؤكدون ان عمان عانت كثيرا من غياب التخطيط.