القصر التاريخي في بيت الدين بمنطقة الشوف في جبل لبنان يستعد لاستقبال رئيس الجمهورية اميل لحود واسرته، وفريق عمله الرئاسي. فمع مطلع كل صيف يتحول القصر المعروف باسم «قصر الشعب» والذي بناه الامير بشير الشهابي قبل حوالي 200 عام الى مقر صيفي لرئاسة الجمهورية، على بعد حوالي 45 كيلومترا من مقرها الشتوي والاساسي في بعبدا الراكنة على الكتف الشرقي لبيروت. عودة الى البدايات قبل مئتي عام بنى الامير بشير الشهابي الثاني قصرا له في قرية صغيرة في الشوف اسمها بيت الدين، ما لبثت ان تحولت عاصمة للامارة الشهابية. ومع الايام صار هذا القصر قبلة سياحية ودرة تراثية تربض في قلب جبل لبنان تستجلب السياح والزوار. الا ان اهميته لا تنحصر فقط بالقيمة التاريخية التي ارتداها والشخصيات التي اقامت فيه والاحداث التي شهدها على مر الاعوام، بل هي ازدادت تألقاً خلال المرحلة الاخيرة عبر المتاحف التي انشئت في قاعاته في العقدين الاخيرين من القرن العشرين والقطع الاثرية النادرة والثمينة التي تضمها. في العام 1800 وضع مهندسون معماريون ايطاليون التصاميم، وامتد العمل في القصر على مدى 40 سنة وجاءت النتيجة تحفة فنية وتراثية مزيجا من فن العمارة الاوروبية والعربية، تمتد على مساحة 30 الف متر مربع، تحوطه حدائق غناء مساحتها 60 الف متر مربع، ويتألف من ثلاثة أقسام: قصر الحريم والدار الوسطى والدار الخارجية، مما جعله معلماً من معالم السياحة والثقافة في لبنان. موقعه في منطقة جبلية هادئة وجميلة، وطابعه التراثي وجمال عمارته اضافة الى مساحاته الواسعة، عوامل تجمعت لتجعله مقرا رسميا مناسبا للعهود المختلفة. فبعد عزل الامير بشير الثاني ونفيه الى مالطا وقيام المتصرفية في جبل لبنان، حوّل المتصرفون الاتراك قصر بيت الدين مركز اصطياف لهم بين العامين 1861 و1915، ثم اصبح مركزاً لسلطات الانتداب الفرنسي المحلية بين 1918 و1943. وبعد نيل لبنان استقلاله صار القصر مقرا صيفيا لرئاسة الجمهورية. وكان الرئيس بشارة الخوري اول قاطنيه بعدما ادخل تحسينات على المبنى والقاعات والديكور. وكان الرئيس الياس سركيس اخر الرؤساء الذين صيّفوا فيه، اذ تسبب الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 باضرار بالغة في القصر اضافة الى تعرضه لاعمال نهب كبيرة. بعد «حرب الجبل» في العام 1983 وقيام «الادارة المدنية» التابعة لحزب التقدمي الاشتراكي، اصبح قصر بيت الدين، بحكم الامر الواقع، خاضعا لسيطرتها، وفي اشراف مباشر من رئيسها النائب وليد جنبلاط. قصر المتاحف من يعرف «وليد بيك» جيداً يدرك انه من هواة جمع التحف والاثار والحفاظ عليها، ومنزله يضم الكثير منها. وابان الحرب، وفي ظل غياب القانون، كثرت اعمال التنقيب غير الشرعية عن الاثار وسرقتها وتهريبها الى الخارج وبيعها الى هواة النوع. فوجد جنبلاط الفرصة سانحة لضرب عصفورين بحجر واحد: الاول حماية الثروة الاثرية اللبنانية، والثاني اقامة متحف ومعلم ثقافي ينعش المنطقة ويجلب اليها سياحا وزائرين. وكلاهما يعكسان وجهه الاخر الحضاري والمثقف. وفي العام 1984 اطلق على قصر بيت الدين اسم «قصر الشعب»، وبوشرت فيه اشغال الترميم والتجديد، وبدأت التحضيرات لاستحداث متاحف جديدة واجنحة هي: متحف الفسيفساء البيزنطية في «قاعة الامير عادل ارسلان»، ومتحف الفخاريات والخزفيات في «قاعة رشيد كرامي» ومتحف كمال جنبلاط اضافة الى نصبه وشعلة الشهداء. عند دخولك القصر يلفتك الترتيب والنظام والنظافة في المكان باكمله. والبرد الذي يلفه لم يمنع سياحا بريطانيين وفرنسيين من التجول في ارجائه برفقة دليل سياحي، مدهوشين بدقة الزخرفة العربية وجمال المنطقة الطبيعي. اما اهل الدار الجدد، اعضاء لجنة المديرية العامة للاثار التي شكلها وزير الثقافة برئاسة الاثري الدكتور شاكر غضبان، فبدأوا جولتهم لاعمال الجردة انطلاقا، من قاعات قصر الحريم. الموزاييك من بين المتاحف المستحدثة يجمع الزوار على الاهمية الاستثنائية «لمتحف بيت الدين للفسيفساء البيزنطي» في قاعة «الامير عادل ارسلان»، وهو الثاني من نوعه في منطقة الشرق الاوسط بعد متحف باردو في تونس. ويشغل حاليا مكان اسطبلات الخيل والاقبية القديمة في القصر، اضافة الى الحدائق المحاذية، بعد تنظيف المكان وتأهيله وضرب حجارته بالرمل في العام 1987. وهو يضم حاليا نحو مئة قطعة موزاييك من مختلف الاحجام والقياسات، يصل طول احداها الى 14 مترا وعرضها الى ثلاثة امتار، وكانت تشكل ارضية لرواق كنيسة. بعض القطع يحتوي على كتابات يونانية ورسوم هندسية ونباتية وحيوانية. معظم تلك القطع تم استقدامها بطلب من جنبلاط، من كنيسة بورفيريون البيزنطية في الجية، وتمثل ارضيات لرواقها ومذبحها اضافة الى شرائه قطعا اخرى من بلدة صديقين في الجنوب ومناطق اخرى، وتعود معظمها الى القرنين الخامس والسادس الميلاديين وقد استقدم في البداية خبراء في ترميم الموزاييك من حلب واقام محترفا خاصا لهذه الغاية، وفيه حاليا نحو ثلاثين قطعة قيد الترميم في اشراف الخبير حمادة زعيتر. متحف الاثريات اما متحف رشيد كرامي فقد افتتح في الاول من سبتمبر 1990 ويضم 11 غرفة مرقمة بالرومانية ويبلغ طوله 110 امتار، وهو ثلاثة اقسام. الاول يحوي مجموعات من الفخاريات، وجرار تحمل اثار متحجرات، واسرجة زيت، يقارب عمرها الخمسة الاف عام وتعود الى العصور الكنعانية والفينيقية اضافة الى زجاجيات ومجوهرات وحلى واقنعة جنائزية من الذهب ونواويس وتماثيل صغيرة من العهد الروماني وخزفيات اسلامية مزججة. الثاني يحوي مجموعات كبيرة ومتنوعة من الاسلحة القديمة تمتد من العصور الوسطى الى النصف الاول من القرن العشرين، من بارودة «بندق بوفتيل» الى بارودة حجر الصوان الى الابراهيميات والرماح وصولا الى بنادق ومسدسات من جنسيات تركية وانجليزية وروسية، واسلحة من الحرب العالمية الاولى، وبزات عسكرية صليبية وسيوف عربية وخوذ ايرانية واسلحة. كما يضم قاعة خاصة بمشاركين في احداث 1958 تظهر انواعا من الاسلحة تعود الى النصف الاول من القرن العشرين. الثالث يضم قاعتين تحتويان على ازياء لبنانية من القرن التاسع عشر وصور اميرات من جبل لبنان يرتدين الطرطور ووشاح الحرير. وتجدر الاشارة الى ان كل هذه القطع الاثرية موضبة ومعروضة بالطريقة المتبعة في المتاحف العالمية، وامام كل مجموعة لوحة صغيرة تعرف عنها وعن تاريخها، وبعضها يعرّف عن مكان اكتشافها، واشارة واضحة الى ان «كل المجموعات الاثرية المعروضة في متاحف قصر الشعب هي تقدمة وليد جنبلاط» .