تعد ظاهرة التصحر، من الظواهر المهمة والخطيرة، التي تشغل الكثير من دول العالم، خاصة تلك التي تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة وحتى شبه الرطبة، حيث تسبب اثاراً سلبية على الصعيد الاجتماعي، والاقتصادي والبيئة. ويعتبر الاردن ضمن هذه الدول التي تعاني من التصحر، لكنه يبذل جهوداً وخاصة في مجال توسيع الغطاء النباتي لمواجهة تلك الظاهرة. وقال محمود الدويري وزير الزراعة الاردني خلال ندوة اقيمت مؤخراً حول الاثار الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة التصحر والتي نظمتها المؤسسة العامة لحماية البيئة بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي والجامعة الاردنية ـ كرسي اليونسكو للمياه والجمعية الاردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية: «ان التصحر ظاهرة قديمة قدم التاريخ، الا انه عاد واشار الى ان هذه الظاهرة آخذة بالتسارع والتوسع في الآونة الأخيرة بسبب الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية لتلبية احتياجات النمو الهائل في عدد السكان، مما أدى ويؤدي في كثير من الحالات الى تدهور هذه الموارد كليا او جزئيا وذلك حسب طبيعة استثمارها». وحول الجهود الرسمية للتصدي لهذه الظاهرة اوضح الوزير الاردني ان وزارة الزراعة قامت بتنفيذ العديد من المشاريع ذات العلاقة بمكافحة التصحر والتي تهدف الى زيادة الغطاء النباتي وتعظيم الاستفادة من المياه للحفاظ على التربة من التدهور، فيما قامت العديد من المؤسسات غير الحكومية وبالتعاون مع المنظمات الدولية مثل البرنامج الانمائي للأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي بتنفيذ مشروع بالتعاون مع الجامعة الاردنية ممثلة بكلية الزراعة والتي قامت بأنشطة مميزة بهذا المجال وكذلك الآلية العالمية التي نحن بصدد التعاون معها لوضع استراتيجية لمكافحة التصحر في القريب العاجل، مشيرا الى انه مازال هناك الكثير من الجهود التي يجب بذلها في هذا المجال وبحيث نولي بالغ الاهتمام للتصحر لما له من اثار سلبية اقتصادية واجتماعية على المدى القصير والبعيد. وشدد في المقابل على ان عملية اشراك المواطن في موضوع مكافحة التصحر يجب ان تحتل اولوية مهمة، فمشاركة المجتمعات المحلية ستؤدي الى رفع مستوى الوعي لدى المجتمع الاردني وبالتالي يضعنا على الطريق الصحيح في مكافحة هذه الظاهرة. ويقع على عاتق المؤسسات الاعلامية عبئا كبيرا في عملية زيادة الوعي البيئي في موضوع التصحر. الابحاث العلمية من جانبه قال الدكتور عبدالله الموسى رئيس الجامعة الاردنية ان الجامعة الاردنية حرصت على تشجيع الابحاث العلمية في المناطق الجافة الاخرى، حيث كان لها دور فاعل في برنامج تطوير وبحث البادية، اذ قام عدد من أعضاء عدد من أعضاء هيئة التدريس بتنفيذ مجموعة من المشاريع البحثية التي تعالج القضايا الاقتصادية، والاجتماعية، والغذائية للبادية الأردنية. وأضاف هناك مشاريع اخرى قامت بها الجامعة بهدف تنمية المناطق الجافة وشبه الجافة عن طريق العمل مع مؤسسات محلية واجنبية مثل مشروع الحصاد المائي بالتعاون مع الجانب الكندي، ومشاريع تنمية المراعي، ومكافحة التصحر بالتعاون مع المركز العربي والايكاردا. فيما أشار الدكتور عبداللطيف عربيات رئيس الجمعية الاردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية خلال كلمته الى ان واقع الاردن ماضيا وحاضرا ومستقبلا وكذا المنطقة المحيطة يجد وبوضوح ان المساحة الزراعية الحالية والزيادة السكانية وتوفير الغذاء اللازم لهذه الزيادة الطبيعية يمكن تصنيفها في قمة الاولويات الاستراتيجية على مستوى الوطن. وقال ان المساحة الزراعية في الاردن لا تكاد تصل 8% من المساحة الكلية من مساحة الاردن، مشيرا في ذات السياق الى الواقع المائي الذي ينذر بأخطار وطنية جسيمة حيث اصبح الاستهلاك منه يتجاوز الاحتياطي المتجدد الى الثابت وما منطقة الازرق الا مثال واضح في تصوير هذه الحالة. وتساءل بما ان الامن الغذائي هو اخطر حالات الامن واكثرها الحاحا وحساسية وانه يتهدد الوطن مستقبلاً ووجودا، فأين تقع هذه الاولوية في حسابات الحكومات المتعاقبة، وماذا بذل من جهد لمواجهة هذا التحدي! واشار الى الخطوات التي يجب اتباعها في هذا الموضوع فقال انها معالم لمسيرة وطنية رائدة تحشد فيها كل الطاقات وتوزع فيها المسئوليات على جميع المستويات الحكومية والعامة والتطوعية والشعبية وكأولوية اولى لحماية الوطن ومواجهة التحديات التي تتهدد الاردن حاضرا ومستقبلاً وهي الاعلان عن مشروع وطني عام تحت عنوان «امننا الغذائي والمائي ومستقبل الاردن» وتحرير المصطلحات المستخدمة في هذا الميدان وتحديد مدلولاتها وتعميمها لتصبح مادة دراسية في قطاعات التعليم ومستوياته كافة. في الوقت الذي أكد فيه على ضرورة اعطاء مهنة البحث الوصفي الدور الكامل في بيان ما يجري على الارض في عناصر البيئة الأساسية: الماء والتربة والهواء والانسان. كما أشار الى ضرورة اجراء مسح وطني شامل لواقع المشكلة في الاردن، تاريخيا وواقعيا وتوحيد التشريعات المعمول بها وبما يخدم خطة العمل الوطني الشامل من اجل توحيد اطر العمل اللازمة لتنفيذ الخطة الوطنية المنشودة، وازالة الازدواجية في المهام والمسئوليات وانشاء اطار تنظيمي مسئول يقود عملية التغيير المطلوبة ويعطي صلاحيات تشريعية وادارية تسود كل الحالات المتعثرة القائمة عليها. التدهور البيئي من جهته المهندس فارس الجنيدي مدير عام المؤسسة العامة لحماية البيئة أكد على ان مشكلة التصحر كواحدة من مظاهر التدهور البيئي هي من المشاكل التي تهدد البرامج التنموية في الاردن، ولأهمية وكبر حجم هذه المشكلة فلقد واكب الاهتمام الحكومي اهتمام مماثل من المجتمع المدني حيث تم تأسيس عدد من الجمعيات غير الحكومية التي تتعامل مع الظاهرة اما بشكل مباشر او مع نتائجها كتلك التي ركزت على مشاريع تنمية المناطق المتأثرة ومشاريع محاربة الفقر وزيادة الانتاجية وتأهيل المرأة. وبدوره ثمن موقف الحكومات المتعاقبة للتنبه لمخاطر التصحر بحيث اتخذت العديد من الاجراءات وتعديل السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالموضوع لتعمل باتجاه مفهوم التنمية المستدامة. تهديد عالمي وأوضح مدير عام المؤسسة العامة لحماية البيئة انه وبالرغم من شح الدراسات المستفيضة عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتصحر فان بعض تقارير الأمم المتحدة تشير الى ان 250 مليون انسان يعانون بشكل مباشر من اثار التصحر وسدس سكان العالم تحت تهديد هذه الظاهرة، وان من 10 ـ 15 مليون انسان اصبحوا لاجئي بيئة بسبب ضعف انتاجية الاراضي وانعدام مصدر رزقهم و15 مليون هكتار من الاراضي يتم فقده سنويا في العالم و26 مليار طن من التربة السطحية تفقد بسبب عوامل التعرية. وكان ذات التقرير قد تحدث عن ان التصحر وانعدام الانتاجية قد ادى في بعض الدول الى انتشار المجاعات والأمراض وزيادة الوفيات وهجرات قسرية الى المدن والمناطق الاخرى وما واكب هذه الهجرات من زيادة الضغط على الموارد الطبيعية في تلك المناطق وحدوث بعض الصدامات الثقافية. لذلك ـ يقول المهندس الجنيدي ـ فان التركيز على البعد الاجتماعي والاقتصادي للتصحر يجب ان يأخذ حقه دون الإقلال من أهمية العوامل الفيزيائية الاخرى، وهنا يجب التنويه على ان التصحر كظاهرة لا يدرس فقط من علماء البيئة ولكن ايضا من قبل علماء الاقتصاد والاجتماع. الدكتور محمد الشطناوي مدير كرسي اليونسكو للمياه في الجامعة الاردنية تعرض بدوره الى ما تعانيه المملكة من هذه المشكلة وقال لقد بدا واضحا ان الاردن يعاني من مشكلة التصحر منذ اربعة عقود الى درجة كبيرة خاصة في مناطق البادية الاردنية حيث تمثل ذلك في فقدان الغطاء النباتي وزيادة انجراف التربة وتدني خصوبتها وزيادة تملحها. وأضاف لقد صاحب ذلك تعاقب سنوات الجفاف والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، مشيرا الى ان من اهم الظواهر تقلص وجفاف واحات الازرق وانعكاس ذلك على تردي الغطاء النباتي والحياة البرية وحركة الطيور المهاجرة وتدني نوعية المياه الجوفية. وأوضح ايضا ان الاسباب والعوامل التي تؤدي الى ظاهرة التصحر يمكن تقسيمها الى مجموعتين عوامل انسانية وعوامل طبيعية فالعوامل الانسانية وهي نتيجة لسوء فهمنا وطريقة تعاملنا مع الاراضي الصحراوية في البادية الاردنية. اما العوامل الطبيعية ـ المياه والامطار ـ وما تعنيه من توال لسنوات الجفاف وتذبذب في هطول الأمطار من سنة الى أخرى ومحدودية كمياتها. وكانت الجامعة الاردنية قد حظيت باستضافة كرسي اليونسكو للمياه «هيدرولوجية الاودية» وذلك لدورها البارز في البحث العلمي والتدريب وتخريج المؤهلين في قضايا المياه وتقديرا للدعم الكبير الذي توليه لبرامجها الأكاديمية المختلفة في موضوع ادارة وتنمية الموارد المائية.