المشهد المتكرر يومياً في شوارع العاصمة صنعاء هي صهاريج نقل الماء التي تجوب الشوارع منذ الساعات الاولى من الصباح لتزويد السكان بمياه الشرب والاستعمال المنزلي وتزايد هذا النشاط خلال السنوات الاخيرة بشكل ملحوظ نظرا للتوسع العمراني المتزايد الذي تعيشه المدينة وهو التوسع الذي لم يواكبه توسع مماثل في امدادات المياه. وتشير الدراسات والتقارير حول الوضع المائي في صنعاء الى ان حوض المنطقة يعاني من استنزاف كبير والامدادات بمياه الشبكة الحكومية لا تغطي سوى 32% من احياء العاصمة فيما بقية الاحياء تحصل على المياه عن طريق جلبها بواسطة الصهاريج من الابار المنتشرة في الأحياء والمناطق وهناك قلة قليلة من الاحياء يوجد بها مشاريع مياه اهلية خاصة تعود ملكيتها الى احد سكان الحي الذي يقوم بتزويد الحي الذي يوجد فيه بالمياه مقابل تعريفة شهرية يؤديها السكان مقابل هذه الخدمة. هذا الوضع الذي تعاني منه العاصمة صنعاء لم يكن من الممكن مواجهته الا بالوسائل الخاصة للسكان طالما ان السلطات لم توفر هذا المورد الحيوي الضروري للسكان ما يضطرهم الى شرائه عن طريق الصهاريج التي توصلها الى خزانات منازلهم يومياً بمقابل مادي يشكل ضغطاً على ميزانية الاسرة علاوة على ما يتسبب به من شجارات ومشاحنات بين سكان العمارات المكونة من عدد من الشقق وتثور مثل تلك الشجارات بسبب الخلافات على المبلغ المستحق دفعه من كل ساكن من سكان العمارة الامر الذي يضاعف معاناة الكثير من السكان ابتداء من البحث عن الماء وجلبه الى المنازل ودفع المبالغ المطلوبة عن ذلك ونشوب خلافات بين السكان بسببه حتى غدت هذه المعاناة السمة الغالبة على حياة العديد من سكان العاصمة. ويقول عبده محمد العديني ان معاناته مع البحث عن مياه الشرب تبدأ من ايجاد مزود بالماء من أصحاب الصهاريج حيث يصعب على المرء ان يجد الشخص المناسب الذي يلتزم بجلب الماء واحضاره بشكل يومي وبالميعاد المراد ولهذا يعمد الناس الى تفضيل شخص عن اخر وهذا الشخص المفضل غالباً ما يكون في المنطقة نفسها لانه يراعي الانحدار من بلد واحد وعلى سبيل المثال تعاملت انا مع أناس كثيرين لكنهم كانوا دوماً ما يتخلفون عن الميعاد المنتظر ويتركونا ليوم او يومين بدون ماء ومثل هذا الامر كان يتكرر بصفة دائمة لهذا اخترت التعامل مع ابن قريتي الذي يراعي المعرفة والقرابة بيننا ورغم ذلك يقول العديني تبقى المشكلة قائمة خاصة عندما تتعرض سيارة الشخص هذا الذي يزودنا بالماء للعطل او لحادثة تضطره الى البقاء في الورشة لاصلاحها وعندها يتعين على المرء البحث عن مزود اخر بالماء وهكذا الى ان يعود المزود السابق الى عمله ويضيف العديني ان التعاقد مع شخص واحد على مدار فترات طويلة يعني ايضا المراعاة في السعر فمثلا نحن نسكن في حارة «بيت معياد» وهذه الحارة قريبة من بعض ابار المياه فيطلب منا المزود للصهريج الواحد ستمئة ريال هذا اذا كان معروفاً ونتعامل معه باستمرار اما اذا كان غير معروف فانه يطلب اكثر من ذلك اما الذين يسكنون في مناطق او احياء بعيدة عن الابار او البئر الذي يحفر منه صاحب الصهريج الماء فان المبلغ المستحق دفعه يتوقف على بعد المسافة وهناك من يدفع مقابل الحملة الواحدة الف وخمسمئة ريال وهذا بطبيعة الحال يشكل عبئاً كبيراً على ميزانية بعض الأسر التي تسكن في مناطق بعيدة عن مناطق تواجد الابار. المعاناة مع مياه الشرب لا تقف عند البحث عنه والاتفاق مع الشخص الذي يزود الساكن بمطلوبه من الماء بل هناك مشكلة اخرى تبرز بين بعض السكان وهي توزيع الاعباء والتكاليف على السكان الذين يقطنون العمارات ويقول علي قائد محمد انه يسكن في حي الستين في عمارة تتكون من ثماني شقق منها شقة يسكنها صاحب العمارة وهو المتعاقد مع صاحب الصهريج الذي يزود العمارة بالماء الذي يصب في الخزان السفلي للعمارة ثم يشفط الى الخزانات العلوية التي توجد في سطح العمارة الامر الذي يؤدي الى مسارعة كل امرأة من الساكنات في العمارة الى تعبئة خزانها قبل خزان جارتها وفي مثل هذا التسابق كثيرا ما ينشب الشجار بين السكان من نساء ورجال على حد سواء اضف الى ذلك ان تقدير المبالغ الواجب دفعها عن كل شقة تقدر تقديراً جزافياً من قبل مالك العمارة تبعاً لعدد افراد الاسرة الواحدة وهنا يثور دوماً خلاف حول عدالة ما يدفعه شخص مقابل ما يدفعه اخر وهذا بدوره يقود الى مشاحنات والمؤسف ان العمارة التي اسكن بها دائما يرد صاحبها على من يعارض او يحتج على المبلغ الذي يفرض عليه بقوله الذي لم يعجبه الحال يخرج من بيتي فيضطر كل ساكن الى دفع ما يحدده صاحب العمارة والا قوبل بمثل هذه اللهجة المعتادة منه. ويقول محمد ناجي صاحب عمارة ان مشكلة الماء المجلوب بواسطة الصهاريج الى عمارته المكونة من عشر شقق كثيرا ما كان يتسبب بنزاع وشجارات بين سكان عمارته نتيجة لعدم قبول البعض بالتعريفة المطلوبة منهم نهاية كل شهر وكانوا دائمي الشكوى من عدم عدالة ما يفرض عليهم وامام تزايد المشكلة ونشوبها من حين لآخر لجأت الى طريقة تضمن التوزيع العادل لقيمة الماء نهاية كل شهر حيث قمت بتخصيص عداد لكل شقة بربطه بالخزانات العلوية في سقف العمارة وبالتالي يحسب مقدار ما يستهلكه كل ساكن من سكان الشقق وفي نهاية كل شهر اقوم بتسجيل ارقام كل عداد على حدة وثم اجمعها وأقسم المبلغ المدفوع لشراء الماء على المقدار الكلي لأحصل على قيمة كل وحدة على حدة ثم احسب عدد الوحدات التي استهلكتها كل شقة على حدة وأحدد المبلغ الكلي المستحق على كل ساكن تبعاً لعدد الوحدات التي استهلكها طيلة الشهر وهذا الأسلوب اراحنا من المشاكل والخلافات التي كانت تنشب مع السكان بسبب الاحتجاج على ما يطلب منهم نهاية كل شهر ويستطرد ناجي موضحاً بقوله على الرغم من ان هذه المشكلة قد تجاوزناها الا ان هناك مشكلة مازالت قائمة وهي تسابق السكان على تعبئة خزاناتهم حيث هناك خزان سفلي للعمارة كلها وخمسة خزانات علوية في السطح بواقع خزان واحد لكل شقتين ولهذا يحاول سكان كل شقتين او شقة تعبئة خزاناتهم قبل غيرهم نظرا لان صاحب الصهريج المزود بالماء يتأخر في بعض الاحيان فيتسبب ذلك بانقطاع الماء عن البعض ولهذا كثيرا ما يتسابقون خشية انقطاع الماء. امنيات الناس هي ان تصل المياه الى منازلهم ليرتاحوا من المعاناة اليومية التي لا تنتهي بحثاً عن الماء لكن هذه الامنيات يبدو انها مازالت بعيدة المنال لاسيما في ظل الوضع المائي الذي يعيشه حوض صنعاء حيث تقدم الدراسات والابحاث صورة قاتمة لمستقبل حوض المياه لمنطقة صنعاء فهناك حوالي 800 بئر موزعة على الحوض تشكل استنزافاً كبيراً للحوض اذ ان 80% من مخزون الحوض يستنزف سنوياً مقابل 20% فقط من موارده المتجددة كل عام بفعل تساقط الامطار ما يعني ان مخزون الحوض الذي تراكم منذ ملايين السنين مرشح للنضوب خلال العقدين المقبلين وهذا يعمق من خطورة الاشكالية القائمة بل وسيؤدي الى تفاقمها مستقبلاً على نحو مقلق ما لم تسرع السلطات المعنية باتخاذ تدابير واجراءات تحد من تدهور منسوب المياه في الحوض ومن تلك الاجراءات التي تقترحها الدراسات والبحوث المعدة من قبل هيئات استشارية وضع ضوابط رادعة للحد من تزايد عدد الابار في منطقة الحوض ومراعاة التباعد بين بئر واخر. وانتشار السدود والحواجز المائية حول تساقط مياه المطر لان ذلك من شأنه ان يساهم في تغذية مخزون المياه، الاستفادة من مياه الصرف الصحي واعادة استخدامها للأغراض الزراعية نظرا لان الزراعة تستنزف لوحدها ما يعادل 60% خاصة منها زراعة القات التي توسعت بشكل كبير خلال السنوات الاخيرة. وتخلص تلك الدراسات الى ان اي ابطاء او تأخير لمثل تلك التدابير والاجراءات المقترحة سيؤدي الى تزايد المشكلة واستفحالها الى درجة يصعب تداركها او التقليل من انعكاساتها في المستقبل ويعلق البعض على مثل تلك الدعوات بقولهم ليست هذه هي المرة الاولى التي تدعو فيها الدراسات والابحاث الى البدء باجراءات فاعلة ووقائية للحد من مزيد من تدهور الحوض بل هناك دراسات حذرت من خطورة الوضع منذ مطلع الثمانينيات دون ان تبادر الجهات المسئولة الى اتخاذ اللازم بل انه مع تزايد مثل تلك التحذيرات وتعدد جهاتها ومصادرها نجد ان بعض المتنفذين وكبار المسئولين يعملون بالموازاة مع تزايد تلك التحذيرات على حفر المزيد من الآبار داخل مساكنهم ولوحظ في السنوات الاخيرة لجوء مثل هؤلاء الى حفر ابار خاصة بهم في الوقت الذي تنادي فيه تلك الدراسات بوضع ضوابط وموانع رادعة لحفر الابار في منطقة الحوض. يبدو ان مشهد الصهاريج وهي تجوب شوارع العاصمة ووقوفها في طوابير طويلة امام الابار سيظل مشهداً مألوفاً بل ومرشحاً الى المزيد من الانتشار خاصة في ظل غياب المبادرات الرسمية لوضع حد لهذه المشكلة وبالتالي فان تلك المشاجرات والمشاحنات يمكن لها ان تتطور بتطور هذه الظاهرة والمعاناة اليومية للسكان بحثاً عن الماء وتوزيعه ستزداد عما هي عليه اذا لم يتم تدارك واقع الحال والحد من تدهور منسوب المياه في الحوض