تقول الحكمة التي باتت مقبولة اليوم ان الازمات البيئية تسبب الحروب، فبينما نقوم بتجريد الارض من الاخشاب والنفط والموارد الطبيعية الاخرى، فإن البلدان الاكثر تعرضاً للتخريب، والأقل حظاً من الثروات الطبيعية ستقع في أتون حرب اهلية، والبعض يقول ان هذا الامر قد حدث بالفعل في رواندا والمناطق المتمردة في المكسيك وكولومبيا وحتى في افغانستان. ولكن السؤال هنا هو: هل الواقع على هذا النحو فعلاً؟ يقول العديد من المحللين الذين بحثوا عن وجود الصلة بين الامرين بأن الواقع ليس كذلك بل انه على العكس تماماً فالأخطر من الفقر البيئي هو الثروات البيئية ويقول مايكل روس، وهو عالم سياسي في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس: «ان البلدان التي تعاني من ندرة في الموارد الطبيعية ليست معرضة بدرجة كبيرة لخطر الحرب الاهلية ولكن البلدان التي لديها وفرة في تلك الموارد معرضة لهذا الخطر». وفي الدول الفقيرة بشكل خاص، يبدو ان سخاء الطبيعة يعمل على احباط النمو الاقتصادي ويشل الحكومات ويملأ جيوب المتمردين وغالباً ما يشعل حروباً أهلية طويلة الاجل. واليوم بات الثوار مهتمين بتحرير الألماس اكثر من اهتمامهم بتحرير الناس المضطهدين والاسوأ من ذلك هو انهم يمولون نفقات الانطلاق باطلاق الوعود للمصالح الاجنبية بمنحها حصة في غنائم الحرب. وقد شهدت السنوات الاخيرة قيام مجموعة من امراء الحرب ببيع حقوق امتياز لموارد طبيعية الى شركات اجنبية خذ انجولا على سبيل المثال. لقد جعلتها مواردها الغنية تملك الامكانية لأن تكون من اغنى الدول في افريقيا، ولكنها اصبحت لا تذكر الا وذكرت معها عبارة الثروة المبددة، فبعد استقلالها في عام 1975، دخلت في حرب اهلية طاحنة، وفي البداية قامت كل من الولايات المتحدة وروسيا وجنوب افريقيا بتسليح الاطراف المتحاربة ولكن عندما وضعت الحرب الباردة اوزارها، انسحبت تلك الدول واصبحت الموارد الطبيعية للدولة المصدر الرئيسي لتمويل الطرفين، كما يقول روس. وكانت جماعة الثوار الرئيسية، وهي الاتحاد الوطني لاستقلال انجولا الكامل، والتي كان يقودها الراحل جوناس سافمبي، قد غزت منطقة لوندا الغنية بالألماس في شمالي انجولا وكانت كميات الألماس المنتشرة على طول مجاري الانهار سهلة النهب، واستطاع سافمبي ان يجني مليارات عدة من الدولارات من مبيعات الألماس في التسعينيات، وفي غضون ذلك، احتفظت الحكومة بالسلطة عن طريق بيع حق الوصول الى الحقول النفطية البحرية الضخمة في البلاد لاتحاد مؤلف من شركات نفطية كبيرة من بينها بريتيش بتروليوم واكسون موبيل وشيل وشيفرون تيكساكو. ويقول روس: «لو لم يكن الامر متعلقاً بالألماس والنفط لانتهت الحرب منذ عشر سنوات» وقد ادى موت سافمبي في وقت سابق من هذا العام الى وقف الصراع، في الوقت الحاضر على الاقل ولكن حقول انجولا، التي كانت تزهو بمحاصيل القهوة والذرة في يوم من الايام، باتت اليوم مملوءة بالألغام وعادت الادغال الى السيطرة عليها اما سكانها البالغ تعدادهم 12 مليون نسمة، فإن متوسط العمر المتوقع لديهم يبلغ 44 عاماً، وهو يعتبر من بين الادنى في افريقيا. يعتبر اندرا دي سويزا من مركز بحوث التنمية التابع لجامعة بون احد الباحثين العديدين الذين يعكفون على تحليل الصلات بين الموارد الطبيعية والحروب الاهلية. وقد قام بوضع رسم بياني لتقديرات البنك الدولي لقيمة الموارد الطبيعية في 139 دولة مقابل تكرار حدوث الحروب الاهلية منذ عام 1990 ويبدو من الرسم البياني ان تجربة انجولا هي القاعدة وليست الاستثناء ووجد دي سويزا ان الحروب مرشحة للحدوث بنسبة اكبر في البلدان التي تتمتع بوفرة في الموارد الطبيعية. وبحث بول كوليير وانكي هوفلر، وكلاهما من البنك الدولي، عن الصلة بين الحرب الاهلية في بلد معين والاعتماد الاقتصادي لذلك البلد على تصدير الموارد الطبيعية. وخلص الباحثان الى نتيجة مفادها ان قدرة المتمردين على نهب الموارد الطبيعية كانت «اكبر تأثير على الاطلاق على احتمال وقوع الحرب» ويحسب مايكل رينر من معهد وورلد واتش، وهي مؤسسة فكرية مقرها واشنطن ان ربع الحروب حول العالم اما تشن بسبب الموارد الطبيعية المغرية او يتم تمويلها من قبلها. وفي السابق، حظيت الفكرة القائلة ان نقص الموارد يشعل الصراع بقبول كبير وتعود هذه الفكرة الى عام 1992 عندما كتب توماس هومر ديكسون، مدير برنامج دراسات السلم والحرب في جامعة تورنتو يقول: «عندما يتم هدر الموارد، فإن العنف الجماعي سيرتفع فالندرة في الموارد المتجددة تساهم بالفعل في صراعات قائمة في اجزاء عديدة من العالم النامي» وبحلول عام 1997 اعترف وزير الخارجية البريطاني مالكولم ريفكند بأن «المشكلات البيئية تساهم بلا شك في اذكاء النزاعات والحروب». وبالنسبة للعديدين، فإن الدليل الافضل على هذه الصلة جاء من جرائم الابادة في رواندا في عام 1994، عندما تم قتل قرابة مليون شخص وكما اشار الكثيرون في حينه، فإن رواندا تعتبر واحدة من اكثر الدول كثافة بالسكان في افريقيا كما انها وقعت ضحية لنقص في الغذاء كان يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وخلص رينر وكثيرون غيره الى ان الكراهية القبلية كانت مبرراً ضعيفاً لارتكاب مجازر الابادة وذهب رينر الى القول ان «المأساة الرواندية كانت لها جذور في شبكة معقدة من النمو السكاني المتفجر والنقص الحاد في الاراضي الزراعية وتدهور مستواها والانخفاض السريع في الانتاج الغذائي». ولكن لدى النظر الى قضية رواندا عن كثب، فإن هومر ديكسون وجد ان هذا الرأي لم يصمد فالنقص في الغذاء كان الاكبر في جنوب البلاد، ومع ذلك فإن القتل بدأ في اوساط الميليشيات في الشمال ويقول ان نقص الموارد الطبيعية لعب دوراً متدنياً في احسن الاحوال ويبدو ان الاضطرابات العرقية هي المسئولة عن المذابح التي وقعت.