حلم يرافقه منذ ولادته ويعتقد ان الحلم ولد معه، الحلم لا يتغير. حلم يرافقها، ولد معها، لم يتغير. لم يستطع تحديد معالم حلمه، لم تعرف حلمها بوضوح. (نائل) من ـ مجدل الشمس الجنوبية ـ (حورية) من ـ انطاكية الشمال. لم يكن يعرف شيئا عن حلمها لم تكن تعرف شيئا عن حلمه. عشرون عاما عاش الحلم معهما عندما عادا بعد عشرين عاما إلى ـ دمشق ـ ومن بين آلاف الطلاب المنتشرين في جامعتها التقت نظراتهما: نظر مباشرة في عينيها تطلعت مباشرة في عينيه عندها: سكب في عينيها بعضا من حلمه تحدثا عن حلم، حاولا رسم صورة واضحة للحلم: «سرب حمام يشكل لوحة نادرة في السماء الزرقاء الصافية، تبدأ الغيوم بالتجمع معكرة صفاء السماء، حمامتان تنفصلان /مجبرتين/ عن السرب: واحدة تتجه شمالا والاخرى جنوبا والغيوم تتحول الى خط احمر قان يفصل بينهما». هذا ما وصلنا اليه بعد لملمة اجزاء الحلم/ قال نائل/ ـ لا تفاصيل اخرى؟ ـ لم نتذكر اكثر من ذلك/ اجابت حورية/ ـ يبدو ان شيئا يمنع لقاءكما ـ وكيف نعرفه؟ ـ لنذهب الى العراف في معبد ـ داجون ـ في ـ اوغاريت ـ استقبلنا العراف، كان لطيفا معنا سألنا عن غايتنا روى له (نائل) فكر كثيرا التجأ الى الصلاة انفصل عنا تجولنا في ـ اوغاريت ـ تسلينا بلقاء اهلها كانوا طيبين معنا عدنا اليه كان قد انتهى من صلاته: ـ خلقتما معا وستبقيان معا عائق واحد في طريقكما. دم جديد. صمت العراف، صمتنا، غادرنا ـ اوغاريت ـ نزولا إلى الصخور البيض عند البحر وكانت مياه تغسل الصمت. تقابلت ايديهما، شفاههما كنت اغوص بعيدا في البحر كان موجه هادئا واشعة شمس جميلة وكان حب. كانت ـ اوغاريت ـ قد اعلنت التعبئة وبدأت تجمع دماءها من اجل استرجاع منزل البعل الذي بناه (كوثر) في ـ الجبل الاقرع ـ وتفنن في صنع نوافذه المطلة على ـ المتوسط ـ في الغرب، وعلى ـ اوغاريت ـ في الجنوب وكان جبل الجنوب الشيخ ـ حرمون ـ يبعث بالرسائل نسمات باردة حينا ويحملها للعاصي احيانا وكان ـ البرابرة ـ شمالا وجنوبا يحاولون منع اللقاء وكان نهر العاصي لا يكترث بالسدود ولم يكن يكترث بالحدود، ويعبرها دون جواز سفر حاملا رسالة حب تبعث بها بلاد بأسرها الى عاصمتها المفقودة ـ انطاكية ـ وعندما يطل من البعيد على ـ الجبل الاقرع ـ كان الجبل يقول له: ـ سنسهر انا وانت دائما على هذه البلاد ونبقى معها سنحبها ونتألم من اجلها. والالم يزين الحب (نائل وحورية) قصة حب مختلفة ترعرعت بين صخور ـ المينا البيضا ـ شهودها ملوك اوغاريت واشعة الشمس النقية وكانت ـ اوغاريت ـ القلب. عندما كانا يغيبان خلف الجبل كانت نجوم السماء مجالا رحبا لنداءاتهما كانت (حورية) من خلف ـ الاقرع ـ : ـ انت في القلب، اخبرني هل استطيع ارسال رسالة من وراء الجبل عبر مجموعة الدب الاكبر في هذا الوقت؟ ودون تفكير كنت اقول: ـ السماء صافية هنا ستصل الرسالة الى ـ حرمون ـ ويتسلمها (نائل). وكانت الرسائل تصل وكل منهما يؤكد من جهته ان السبب في وصول الرسائل هو ـ اوغاريت ـ التي تحدد الاتجاه الصحيح، اضافة الى جهودي المشكورة. كانت تغني له: نسمت من صوب سورية الجنوب قلت اين الملتقى يا حبيبي هو بعيد و(حورية) تغني وتحاول معي ايجاد طريقة تجمعهما إلى الابد في رباط مقدس اذكر اني قلت لها شيئا يساعدها في الوصول الى حل لكن بعد الكأس الرابع، الخامس، لم اعد اذكر، فقط ان شيئا ما في رأسي يمنعني من النوم، وصوت مستمر لمنبه سيارة اسعاف صفير، ينتفض رأسي اخلع عني لحافي يستمر الرنين انه صوت الهاتف: ـ اين حورية؟ ـ حورية!! ـ مالك يا رجل؟ ـ آه /نائل/؟ ـ اي/نائل/ ـ لا ادري. ـ لا ندري؟ ـ آ، آ، انتظر «نائل» ربما هي في الغرفة المجاورة؟ لا. لا. «نائل» ربما في دمشق. ـ وماذا تفعل؟ ـ اذكر قبل الكأس الاخير، وقبل ان يلبسني النوم قلقا ومشوشا، نصحتها ان تلجأ الى الصليب الاحمر وحقوق الانسان، وحزب الخضر..و ـ هيه، سجيع، سجيع، ماذا تقول؟ ـ أنا جاد يا «نائل» ـ لماذا؟ ـ كي تلتقيا ـ انت تمزح - صدقني ، ذهبت من اجل ذلك. ـ وماذا ستفعل؟ ـ لا ادري، لقد حدثتني البارحة عن حبها الكبير لك، وبأنها لا تستطيع العيش بعيداً عنك، فقلت لها الطريق الوحيد امامك هو الامم المتحدة. ـ وصدقت؟ ـ سننتظر انا وانت، ربما تتصل هاتفيا؟ لم تتصل، يومان مرا، مساء اليوم الثاني، هبطت من سيارة اجرة، ابتسامة تملأ وجهها، ركضت الي: ـ وعدوني بحل المشكلة. ـ أو تعتقدين؟ ـ هذا ما فهمته، ما لك انت؟ ـ اتصل «نائل» وهو قلق جدا. ـ هل سيتصل ثانية؟ ـ لا، سيصل هذه الليلة. بعد ان فهم «نائل» ان «حورية» كانت جادة في ذهابها الى الامم المتحدة وصليبها الاحمر قرر ان يبقى قريبا منها. ـ ألن تتزوجا؟ ـ لا يهم قالت. ـ المهم ان نكون معا/قال/. تزوجا في انطاكية /قلت/. ـ لا نستطيع/ قال نائل/ لا يسمح لي بالذهاب الى هناك دون جواز سفر «بربري». ـ طيب، ليكن في مجدل شمس ـ وانا لا يسمح لي بالذهاب الى هناك/قالت حورية/ ـ إذن هنا ـ لا يمكن/غصا معا/ ـ فلتبقيا عندي، وليأت الحل، فلا بد ان يأتي ـ من الصليب الاحمر؟ قال ـ ربما من الزمن؟ قلت غير مطمئن مع احساسي بأن الامل يتسرب من بين اصابعي، لكن وكعادته، عند الحاجة الماسة اليه، جاء «ذاك اللامعروف من اوغاريت» جاء يرتدي الاخضر الموشى بالارجوان: ـ انهض. ـ انت؟ ـ انهض باسم ذاك الذي ابدع الحرف. ونهضت، نهضا معي، سارا صامتين دون ان يعرفا الى اين تقدمنا «ذاك اللامعروف من أوغاريت» دخلنا قصراً جميلا قال: ـ قصر «نقماد» ملك اوغاريت ـ صديقي اعرفه، /قلت/. ـ ادخلوا بأمان كان نقماد بانتظارنا، سألنا وأجبنا، سار وسرنا، صعد درجا يؤدي الى السماء، صعدنا، سبعا بسبع، سبعين، توقف «نقماد» توقفنا، ركع، سجد، استقام، رفع صوته كالرعد عاليا، كانت سحابة تظلله، وكان يستمع الى صوت قادم من السماء، خر ساجداً، طال سجوده طال صمتنا، نهض بهدوء مستبشراً: ـ الدم في قلب ـ اوغاريت ـ طازج مايزال ، انهضا، اللقاء في القلب، موعدكما في ـ اوغاريت، هي القلب لكما.. وبينما كانت السماء تجمع غيومها، ورعودها، وبروقها وامطارها، لتلقي بها في الاتجاهات كافة، تسمرنا عند الدرجة السابعة والسبعين بعد المئة السابعة، كان «نقماد» يواصل ارتقاءه، وكان «البعل» بانتظاره عند شرفة قصره العالي الواصل الى السماء في حضن الجبل الاقرع، بدأت العاصفة، وبدأنا نهبط الدرج الواصل الى الارض، التفت خلفي لالتقط آخر ظهور لـ «البعل» و«نقماد» قبل ان ألحق بـ «نائل» و«حورية» حيث أخذ «ذاك اللامعروف من ـ اوغاريت ـ ايديها قاصدا القلب.. كانت ـ أوغاريت ـ ورغم العاصفة، تسير الدم بين العروق شمالاً وجنوباً، ويستمر القلب بالنبض، وارسال الدم، وكان ـ جبل الشمال الاقرع ـ يرسل التحيات الى ـ جبل الجنوب ـ الشيخ، وكان ـ الشيخ ـ يرسل الرسائل الداعمة مع النهر العاصي الذي لا ينسى، وكان الدم يجد بين ذرات التراب منفذا هنا، وآخر هناك، وبدأت الارض ترتدي ثوبها المزركش بـ «شقائق النعمان». سجيع قرقماز