في العصر الحديث دأب الدارسون والنقاد على ذم المدح، وعلى التنديد بشعرائه، ورميهم بالتوسل بغية التسول، وبتصوير الممدوحين على نحو مزور مكبر. ذهبوا الى ان المادح يموه الحقائق، ويجمل القبائح، ويحول المثالب الى مناقب، والرذائل الى فضائل، ليفوز ممن يمدح بمال يفضي الى زوال، وصلة تؤول الى انقطاع، انه بمدح غيره يهجو نفسه، وبتعظيم الممدوح يصغرها فأقل جرائره الضعة والافتراء، وأيسر جرائمه شهادة الزور، والمفتي بقطع لسانه قد يكون على حق. ولتسويغ هذه الفتوى شفعوا الدعوى بالحجة، وظاهروا الاتهام بالدليل، والدليل برهان قطعي لا لبس فيه، ذكره ابن رشيق في العمدة، فقال: «لما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجر به نحو البلدان، وقصد حتى ملك العجم، فأثابه، واجزل عطيته، علماً بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه، واكثر الشعراء يقولون: انه اول من سأل بشعره وقد علمنا ان النابغة اسن منه، واقدم شعراً، وقد ذكر عنه التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر مع ما فيه من قبح من مجاعلة الحاجب». ومحك النقد لا ينكر الاتهام، وما ادى اليه من احكام، وما اقتضى من فتوى، غير انه يستأني المفتي، ويقول له: اسرعكم الى الفتوى اسرعكم الى النار. وهو في الوقت نفسه لا يدفع السكين عن لساني النابغة والاعشى، وانما يخشى ان تمتد السكين الى ألسنة الشعراء العظماء كزهير وابي تمام وابي الطيب، فتأخذ البريء بجريرة المسيء، ان ما رسمه الدارسون المحدثون هو الوجه المتجهم القبيح، وللمدح وجه مشرق جميل، يحسن بالنقد ان يجلوه قبل ان يتهم المدح كله بالتزلف، والتعفف مأثور، وقبل ان يصمه كله بالكذب، والصدق مذكور. وربما جلت اعمال الممدوح، فاستحقت الشكر والذكر، وشكر المنعم ان لم يكن واجباً فهو مندوب ومعنى ذلك انه لا يستطيع احد ان يلوم الشاعر على مدحه، وانما يلومه على صمته، ويحمل صمته على الجحود وأجل الاعمال عمل عم نفعه، فشمل الجماعة، ولم يخص الشاعر، وأنطق ألسنة القوم بالحمد، فكيف يسكت الشاعر ولسانه افصح الألسنة، ويترك المدح لأهل العي والحصر، والقرزمة والغمغمة؟ أعجب زهير بن أبي سلمى بالحارث بن عوف، وهرم بن سنان اللذين اصلحا بين عبس وذبيان، وحقنا دماء غطفان، فكانا جديرين بالمدح، فأي نقص اصاب زهيراً من هذا المدح؟ وأعجب امرؤ القيس ببني تيم رهط المعلى، لأن المعلى اجاره ونصره، فمدحه شاكراً لا متكسباً وأعجب بسعد بن الضباب لأنه ايده وشد ازره، فاستحق شكره، قال امرؤ القيس: سأجزيك الذي دافعت عني وما يجزيك عني غير شكري لو كان امرؤ القيس من السوقة ومدح اميراً لكان للنقاد المحدثين ان ينتقصوه، لكنه امير يمدح سوقة، فالدافع شريف، والمعنى شريف، والشرف مفخرة لا منقصة. ويبدو ان كثيراً من النقاد اغفلوا هذا الدافع وزعم زاعمهم «ان العاطفة التي يصدر عنها المديح في الشعر العربي عامة، والجاهلي خاصة عاطفة هزيلة لا رواء فيها ولا رونق، باهتة تتراءى على استحياء». ومحك النقد لا ينكر هزال العواطف في قصائد كثيرة، لكنه يحب ان يستقصي، فيزعم ان ارتباط المادح بالممدوح قد ينقلب الى حب، وقد تتحول الصلة من مجاملة رسمية الى معايشة يومية، وحينئذ ينقلب الطمع الى شبع، كالذي احس به زهير من صلات هرم. فلا يرى الشاعر من الممدوح الا خيره، فإن عثر بنقيصة اغضى وان ظفر بمأثرة نظر إليها من الجهات الست حتى تغدو ست مآثر، فبالغ وهو يزعم الانصاف. ان في اغفال الاعمال التي ينهض بها عظماء الرجال غمطاً للحق: حق العظيم على الشاعر، وحق الشاعر على العظيم، وتجنياً على طبيعة النفس الانسانية التي يدفعها الثواب الى العمل الطيب، وتشجعها الاشادة بالمعروف على المضي فيه. اما المبالغة في المدح فلها ما يسوغها، ومما يسوغها ان الشاعر ينقل الينا صور الحياة، وأحداث التاريخ بريشة الفن لا بعقل الفيلسوف، فله ان يستخدم من المعاني والصور ما يصلح لإمتاع الناس قبل اقناعهم، ومما يسوغها ايضاً ان الشاعر لم يكن يرسم الممدوح بصفاته التي يراها فيه، بل بالصفات التي يود لو تكون فيه. وبتعبير آخر كان المادح، وهو يرسم الممدوح، يتصور المثل الاعلى للرجل الكامل الفاضل كما تصوره المفاهيم الاجتماعية في زمانه، سواء أتحقق الكمال في الممدوح ام لم يتحقق، وكأنه بهذا الصنع يسعى الى غاية حددها تصور الناس للفضيلة و الرجولة. انه يعبر عن الجانب الاجتماعي، وعن الوظيفة الاصلاحية، وعن الرسالة الخلقية والانسانية في وقت واحد. وحينما ينظر محك النقد الى شعر المدح من هذا الجانب، والى موقف المتحاملين عليه من جانب آخر يعجب من امرين: اولهما النظر النقدي القاصر الذي لم يدرك جوهر الموضوع، واكتفى بملامسة قشرته والثاني اللسان الفاضح الذي انتهك به الغلو النقدي حرمة التراث، وراح يجرحه تجريحاً عنيفاً. ولهذا يفضل محك النقد الاحتكام الى التربية لترى رأيها فيه. تقضي التربية بأن شعراً من هذا النمط يعد اسلوباً ناجعاً من اساليب التوجيه التربوي فهو يلقن الناشئة الفضيلة، ويبث فيهم روح السخاء والاباء، ويحثهم على الأنفة والعفة، ويرغبهم في الشجاعة والتضحية، ويشق امامهم السبل الى ارتقاء قمم المجد، ويقنعهم بأن السلوك الحسن ما حسن عند الله وعند الناس، فيجعلون مثلهم العليا وفاء السموأل، وكرم حاتم، وشجاعة عنترة، ومروءة حامي الظعائن ونجدة المعتصم، وحمية سيف الدولة. وربما كان الاقدمون اصح ادراكاً لطبيعة المدح، واقدر منا على فهم وظيفته التربوية، اذ اعتقدوا ان في الممدوح اسوة وقدوة، وان الفضائل بمفاهيمها النظرية المجردة عاجزة عن الترغيب في الخير، واقعة دون القصد. اما الفضائل الحية في ممدوح حي، او في صفوة من خيار الناس فإنها من اقوى العوامل على القيام بجلائل الاعمال. واما الممدوحون فإنهم وحدهم الجديرون بالخلود، والميت الحقيقي الموت من دثر ذكره بدثور جسده. قال يزيد الحارثي: واذا الفتى لاقى الحمام رأيته لولا الثناء كأنه لم يولد وآية ذلك ان غطفان أنجبت آلاف الكرماء والفرسان، ولم يخلد منهم الا اثنان: الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، لم يخلدهما دفعهما ديات القتلى لإقرار السلم بين عبس وذبيان فحسب، بل خلدهما مدح زهير، وخلد بتخليدهما مثلاً اعلى، وفكراً رفيعاً، وموقفاً مضيئاً من تاريخنا في العصر الجاهلي. ومن يستعرض آراء القدماء في الشعراء الذين مدحوا الاكفاء من الامراء القمناء بالثناء لم يلق عندهم زراية بمادح، ولا تسفيهاً لممدوح لايمانهم بأن الفريقين على حق، وبأن العلاقة التي جمعتهما ذات وجهين من النفع: وجه فردي اذ يفوز الامير بالذكر العطر، ويفوز الشاعر بالجائزة السنية، ووجه اجتماعي، اذ تفوز الأمة كلها بالتصور الامثل للانسان الأكمل. وعلى هذا التصور الفني ينشّأ الناشئة، ويصنع منهم الرجال. ولم يراود كبار الشعراء ادنى احساس بالضؤولة والفسولة، وهم يلقون المدائح، ويتلقون المنائح، بل كانوا يحسون احساس الواثق بنفسه المخلص لفنه، المؤمن برسالته انهم يعملون ويؤجرون وانهم مهما يؤجروا فلن يوفيهم الامراء حقوقهم، لأن المال الى زوال، والشعر خالد الذكر. وعن هذه القوس نزع ابو الطيب حينما سدد سهامه الى الشعارير المناكير الذين كانوا يطاولونه فلا يصلون الى ضبنه وبهذه الثقة بالموهبة الفذة طالب سيف الدولة ان يعطيه جوائزهم، لأنهم يجترون ما ينظم، ويكررون ما يبتكر: وما الدهر الا من رواة قصائدي اذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً فسار به من لا يسير مشمراً وغنّى به من لا يغني مغردا اجزني اذا أٌنشدت شعراً فإنما بشعري اتاك المادحون مردداً ودع كل صوت غير صوتي، فإنني انا الطائر المحكي والآخر الصدى ويستطيع القارئ ان يسوغ ارتباط الشاعر بالامير اذا قرن هذا الارتباط بما يماثله في عصر النهضة الاوروبية، ثم بما آل اليه حال الشاعر في عالمنا العربي سحابة القرن العشرين. ففي عصر النهضة بسط آل بورجيا الايطاليون رعايتهم المادية على اكثر من شاعر، وحاكم فيرونا (غراندي دلا اسكالا) انزل (دانتي) قصره سنوات حتى أتم الكوميديا الإلهية. والشاعر الانجليزي (تشوسر) كان يتلقى من الملك راتباً ثابتاً، ولا عمل له الا نظم الشعر. و(سرفانتس) مؤلف دون كيشوت عاش تحت جناحين: جناح الكونت (ليموس) وجناح كردينال طليطلة والوزير الفرنسي (ريشليو) كان يجري راتباً ضخماً على (كورنبي) ليكفيه مشقة التحصيل ويفرغه للكتابة و(درزافين) الروسي مدح كاترين الثانية مدحاً جعلها ـ على سمنتها ـ ترقص طرباً، وتغمره نشباً وذهباً، و(لويس الرابع عشر) أوفى على الغاية فيما انفق على الشعراء والادباء في اوروبا كلها لا في فرنسا وحدها، حتى بلغ عدد الشعراء الذين كانوا يظفرون برواتب دائمة من خزينته ستين شاعراً وأديباً، ابرزهم الكاتب والشاعر الساخر (موليير) الذي كان يخلص للملك، ويقابل الاحسان بالاحسان. والمسوغ الثاني ما آل اليه المدح في العصر الحديث. فالعصر الحديث لم يلغ المدح، بل غير صورته واسمه. ولم يمسخ المداحين ولم ينسخهم بل ألبسهم حللاً جديدة، وأبقاهم على صلة وثيقة بالقادة والزعماء. وربط اسبابهم بأسباب السياسة وانظمة الحكم، وأنطقهم بالمفاخر والمآثر والاعمال الجليلة التي انجزها الحكام. فجاء شعرهم ـ وان كان يسمى وطنياً او قومياً ـ حافلاً بإطراء الزعماء، منطوياً على كثير من دوافع المدح، كتعظيم الممدوح، وروح الطموح، والرغبة في الشهرة، والسعي الى الاوسمة، وتسنم المناصب، والظفر بالحظوة، والظهور بزي الابطال، والتستر بظلال النضال، والاتشاح بسلاح الكفاح. فإذا سقط الوشاح، وسكت الصداح، لم تلق خلف الصدح الا المدح. واخيراً اذا كان المحدثون ينكرون المدح، ويقرون الشعر القومي، فهل شعرهم القومي الحديث اصدق قومية من سيفيات المتنبي وروميات ابي فراس، وعمورية ابي تمام؟؟ ثم هل لك ان تقول: ان السر ليس في ضيق هؤلاء بمدح القدماء، بل في قدح المحدثين للتراث والتراثيين؟؟ الله أعلم!!