كان قرارها بأن تتشاطر متأخراً جداً، عشرين عاما على الأقل، لكنه كان من الرسوخ لدرجة أحست ان كل خلية في جسدها توقع موافقة على قرارها الذي احتاجت لنصف قرن كي تنضجه. كان الزمن يدفعها برفق أحياناً، وبعنف أحياناً نحو بلورة هذا القرار.. أجل ستتشاطر مثلها مثل كثيرات. لكن صورة فلك تطغى في ذهنها كلما فكرت بمنطق الشطارة، كانت صديقة طفولتها ومراهقتها وزميلة دراستها الجامعية في كلية الحقوق. في الجامعة نبذتها لأن سلوك فلك كان بعيداً عن الاخلاق التي تؤمن بها رهام. لم تكن فلك جميلة لكنها كانت فائضة الانوثة، كانت تملك شحنات أنوثة فائضة، شحنات توجهها وتوظفها من أجل غايات معينة تنجح دوما في الوصول اليها. كانت تختار ثياباً بسيطة وشديدة الاغراء، لم يكن الاغراء يكمن في الثياب، بل في الجسد الملتهب الذي يبث رسائل الفتنة الخفية مع كل حركة. قضت فلك سنوات الجامعة بالجينز الضيق والقمصان، الضيقة من القطن المحزز الذي يظهر تفاصيل الجسد الفتي. كانت تتباهى باظهار عُري كتفيها النضرين المستديرين. في سنتها الجامعية الأولى صادقت فلك طالباً ثرياً من الاردن، خدرته وجعلته يختزل جنس النساء في جسدها الصغير، الكل لاحظ كم تستفيد من هذه العلاقة. المتيّم ساعدها في دراستها وغمرها بالهدايا الثمينة، وعرفها بالمطاعم الفخمة، لكنها في نهاية العام الدراسي عقدت قرانها على ابن خالته، التاجر الثري القادم من عمان ليزور قريبه، استمر الزواج ثلاثة أشهر، لتعود بها فلك مطلقة ثرية، ولتستأنف عامها الدراسي الثاني بهمة عالية ومعنويات مرتفعة، ودون أدنى احساس بالهزيمة رغم غمزات طلاب الجامعة التي تدين زواجها بأنه زواج متعة، كانت تسير منتصبة القامة، متجاهلة التعليقات الجارحة التي تثقب أذنيها.في عامها الدراسي الثاني نصبت فلك شباكها على أهم استاذ في الجامعة، ولاحظ الطلاب ان علامات فلك قفزت من المعدل الأدنى الى العلامة الكاملة في كل المواد، كاد الاستاذ الذي يفوق عمره سن والدها ينسف زواجه الذي عمره عشرون عاماً، ليرتبط بالطالبة التي جسدت له فتنة الانثى، حاولت جبهة الانقاذ المؤلفة من زوجته واصدقائه إعادته الى رشده، واعتقدوا انهم نجحوا في مساعيهم، لكن الحقيقة التي تجاهلها الجميع ان فلك قررت التخلي عنه بعد ان انتهى دوره في حياتها. فقد تجاوزت سنتها الجامعية الثانية بتفوق، ولم تعد مجرد طالبة، بل صارت الانثى المدللة التي لا يرد لها طلب في الجهاز التدريسي كله. لم يلاحظ على فلك أي نشاط غرامي ـ انتهازي في عامها الدراسي الثالث. تساءلت العيون: هل زهدت؟ هل حدث انقلاب جذري في شخصيتها؟ هل خبت شعلة الفتنة في أعماقها؟ كانت تتغيب فترات طويلة، وتقدم تقارير طبية زائفة لعميد الكلية وفي نهاية السنة الثالثة، صدر قرار بايفاد فلك الى الولايات المتحدة في منحة دراسية. كيف وصلت الى السفارة وحاكت تلك العلاقات؟ لم يعرف أحد التفاصيل. أنهت دراسة الحقوق وطارت الى الولايات المتحدة. انطفأت أخبارها، البعض قال انها تزوجت من أرمل مليونير، وآخرون قالوا انها عشيقة أحد السفراء، والبعض أكد انها تزوجت من زميل لها في الاختصاص، ولكن السنوات المتعاقبة لم تحمل أي خبر مؤكد عن فلك. انشغل الطلاب بالهموم اليومية، وبلملمة الاحلام الوردية المتناثرة والذابلة لسنوات الجامعة بعد ارتطامها بالواقع الفظ. عادت فلك بعد غربة عشر سنين في أميركا، لتفتتح أهم شركة لأجهزة الكمبيوتر. تحولت الفتاة الفقيرة التي كانت تخجل من ان تزورها صديقاتها في البيت الى سيدة أعمال يحسب حسابها، ارتقت سلم المجد درجة درجة، وصارت نجمة لامعة في المجتمع المخملي، لم يعد أحد ينبذ فلك ويتهمها انها داست على الأخلاق، أجمع الناس ـ خصوصا الذين نبذوها واحتقروا سلوكها ـ انها تشاطرت. الشطارة كلمة تذيب عدة معان وتصهرها وتميّع معناها، فأن تمتطي الفتاة جسدها وتعيره لرجال في سبيل الوصول الى مكاسب معينة، ان تتزوج زواج متعة لتكسب ثروة، وان تؤمن ان الغاية تبرر الوسيلة، كل هذه الممارسات تختزلها كلمة «شطارة». فكرت رهام المنقوعة في تحنيط وظيفتها منذ خمسة عشر عاماً، انها لم تملك موهبة الشطارة أبداً. حاولت ان تستعيد سيرة فلك وتتعلم منها وتستخلص العبر. كانت رهام تؤمن بالمباديء والأخلاق، كلمتان تختزلان كل مفاهيم التربية الفاضلة والقيم الدينية التي ترعرعت عليها. تزوجت وهي على أعتاب الثلاثين بعد خطبة دامت أربعة أعوام، كي تتمكن ـ هي وزوج المستقبل ـ من تأمين غرفة وصالون. أحست انها تستحق وسام الصبر أكثر من وسام الشرف، حين قدمت للزوج عذريتها المحنطة ليلة الدخلة، انها تفكر الآن بدهشة كيف صانت نفسها أربع سنوات، وكيف كانت تلجم خيول الشهوة من الانفلات من روحها المتوثبة للحب الحر؟ بعد أربع سنوات من هزيمة الحب أمام تفاصيل الحياة اليومية، تطلقت، كان زوجها يبدأ يومه بلعن الظروف، فتحسه يلعنها، كأنه نادم على الارتباط بها، لم يكن يبالي بمدى الألم الذي تحسه وهو يعدد مناقب زوجات اصدقائه الثريات، لدرجة كانت تنفجر صارخة: لماذا لم تتزوج فتاة ثرية؟ فيتمادى باهانتها، ويعدد اسماء الفتيات الثريات اللاتي حلمن به زوجاً، وبأنهن كن يقعن صرعى عينيه الخضراوين الفاتنتين، وقوامه الممشوق الرشيق. كانت تحس باشمئزاز وقرف، وتحدث نفسها بأنها تنفر من المرأة الجميلة حين تتباهى بجمالها، فكيف برجل لا حديث له سوى فتنته وجماله! تحنطت في الوظيفة مذعورة من الغد، كانت تشعر انها تجلس على بساط يتقلص يوماً بعد يوم وغالباً تستيقظ مذعورة وهي تحس ان البساط غدا رقعة صغيرة، وبأنها مهددة بأن تُرمى في الشارع. لم تشعر بالتحول البطيء في حياتها، كحلزون يدخل شيئاً فشيئاً في قوقعته حتى ينكفيء داخلها الى الأبد، وصارت لا تجرؤ على التفكير بتناول الغداء في مطعم، أو دعوة احدى صديقاتها لعشاء. تخاصمت مع محال الالبسة الجاهزة، وانسلت خطواتها الى سوق الألبسة المستعملة، ومراراً كبحت صراخها في وجه والدتها: لم يعد بمقدوري شراء الدواء لك، يا الهي من أين أتاك التهاب المفاصل الرثوي هذا؟ لكن انكماش المرأة المسكينة وراء سنيها السبعين والتشوه الشديد في أصابعها، كانا يكبحان ثورات غضبها. رفعت شعار: خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، مضطرة، الى ان التقت ذات صباح بفلك صديقة الطفولة والشباب، شاهدتها كيف ترجلت من سيارة فخمة لم تر مثلها من قبل، بعد ان فتح السائق الباب لسيدته، دخلت مباشرة الى غرفة المدير الذي كان بانتظارها لعقد صفقة شراء أجهزة كمبيوتر من شركة فلك. تشابكت نظرات فلك ورهام، كل منهما التقطت نظرة الأخرى، تساءلت رهام بانكسار: ترى هل تذكرتني فلك؟ وتساءلت فلك بشماتة: ترى هذه تذكرتني تلك المغفلة التي حرمت نفسها من بلوغ قمة المجد بسبب وهم اسمه المباديء والأخلاق؟ لكن يبدو ان دفء العلاقات التي تُبنى في الطفولة لا يخبو، فجأة اندفعت المرأتان باتجاه بعضهما بعضاً وتبادلتا عناقاً صادقاً، وكل منهما تؤكد لصديقتها انها لم تتأثر بالزمن، كانت كل منهما بحاجة لتأكيد الأخرى انها لاتزال شابة، لكأن تواطؤا خفياً سربلهما وسرى في عناقهما. طرحتا في الوقت ذاته الاسئلة التقليدية، ووجدتا في تعبير (الحمد لله) خير تمويه لفجوة الزمن الشاسعة التي فصلتهما، قدمت فلك بطاقتها لصديقة طفولتها، وألحت عليها ان تزورها، وبأنها مستعدة لتلبية أية خدمة تطلبها منها. تمنت رهام ان تزورها في اليوم نفسه، وتطلب اليها، حتى لو اضطرت للبكاء لتريها مدى القهر الذي تعيشه ـ أن توظفها في شركتها ـ لكنها لجمت نفسها، لتؤجل الزيارة أياماً. إذ يصعب عليها سحق كرامتها أمام صديقة عمرها. سارت الامور ببساطة غير متوقعة، للحال وظفتها فلك في قسم المحاسبة، وغمزتها بأن عليها ان تتشاطر إذا أرادت الحصول على نجاحات سريعة. هوى قلبها وهي تعي أبعاد هذه الكلمة، لكن كيف يمكن لامرأة على أعتاب الاربعين ان تتشاطر؟ انها لم تعد الفتاة الطرية الفاتنة كما كانت فلك في الجامعة، ولم تملك خبرة أو موهبة التشاطر أبدا. مرّت سنوات حياتها أمامها كالظلال، تفرجت بعينها النفسية على حرمانها النفسي والجسدي القاتل بعد الطلاق، لكن الهموم المعيشية واللهاث وراء رغيف الخبز انسياها جوع روحها وجسدها. حاولت ان تقنع نفسها انها بعملها عند فلك ستصيب عصفورين بحجر واحد، ستشبع توقها للرجل الذي أضناها حرمانها منه، وستحقق مكاسب مادية كبيرة. ورغم انها كانت تبتسم سعيدة، مؤكدة لنفسها انها مقتنعة تماماً بقرارها تشاطرها المتأخر وبأن عشرين عاماً من ذل الحرمان قادتها للايمان بايمانها الحالي بمبدأ الشطارة. لكنها كانت تحس في قمة حماستها بعالم يتقوض في داخلها، وبصدى نواح روحها آتياً من بعيد، من غرف روحها العميقة جداً، فتتهاوى بانكسار وهي غير قادرة على خداع نفسها بزيف وبطلان كل افكارها. قررت ان تتشاطر لأول مرة، حين طلبت اليها فلك ان تقنع مدير أهم شركة لاستيراد السيارات بشراء أجهزة كمبيوتر من شركتها. قالت لها فلك: كل جهاز تبيعينه لك نسبة عليه. هيا تشاطري. فكرت، يبدو ان فلك ما عادت ترضى بأسلوبها القديم، امتطاء جسدها للوصول الى غاياتها، لعلها صارت تمتطي ما هو فعال أكثر من الجسد؟ ترى ما هو؟ هذا ما كانت تفكر به وهي تطلب من السائق أن يوصلها الى مكتب التاجر المرموق، فيما يداها منهمكتان بفك الزرين السفليين للفستان، ثم بتكثيف عطرها وأحمر شفاهها. استقبلها التاجر بحفاوة مصطنعة، قررت منذ اللحظة الأولى ان تتشاطر، جلست بطريقة تجعل فستانها ينحسر كاشفا عن جزء واسع من فخذيها، وكانت بلا سبب تشحن ابتسامتها بكل طاقتها على الاغواء. وصلت الرسالة سريعاً الى التاجر، حدثت الرجل ذا الكرش الهائل عن أجهزة الكمبيوتر الرائعة. وختمت حديثها بأنه يسعد السيدة فلك ان تتعاون مع شركته. لفظت كلمة تعاون بطريقة ملتبسة، ليفهم من خلالها ان ثمة تعاوناً سرياً سينشأ بينها وبينه. أشعل سيجارة، ضغط زراً بجانبه وقرّب فمه من الآلة طالباً عصير برتقال، أحضرته بعد ثوان شابة رائعة الجمال تلبس تنورة قصيرة من قماش مطاطي يلتصق بالجسم كاشفة عن ساقين بديعتين. أحست وهي تتأمل الشابة بثقل سنوات عمرها. أعطى أوامره للموظفة بألا تزعجه وألا تحول له الكلمات الهاتفية، قالت الموظفة بلهجة الطاعة التامة: حاضر، وهي تغلق الباب وراءها. تحامل على نفسه وقام من كرسيه حاملاً ثقل كرشه، قدم لها كوب العصير بيمناه، وبينما يسراه تقرص ساقها، أجفلت كيف انتهكها بهذه البساطة، ودت لو تصرخ: ايه، ماذا دهاك؟ لكنها تذكرت انها اتخذت قرارا بالتشاطر، ابتسمت مدارية ارتباكها موحية له انها سُرّت بسلوكه. قال لها: أنت ساحرة حقاً، هل تقبلين دعوتي الى الغداء؟ قالت وهي تحس انها ترتقي الدرجة الأولى من سلم المكاسب بشطارتها: بكل سرور. تذكرت ان كل جهاز ستبيعه ستقبض عليه عمولة، لكنها تمنت من قلبها لو كان التاجر مقبول الشكل، ما هذا الكرش الهائل الذي تحسه قادراً على احتوائها فيما لو انطوت قليلا؟ اثناء الغداء اكتشفت ان أسنانه البنية الكريهة المصبوغة بدخان سيجاره، أصابها اشمئزاز، وتذكرت معادلتها البائسة، سأشبع جسداً هذا هدّه الحرمان واستفيد مادياً، أي اشباع هذا؟ كادت تتقيأ الطعام وهي تتخيل انه يقبلها ويداعبها. حين رافقته الى شقته بعد الغداء، أحست انها ترمي نفسها من شفير هاوية لا تعرف قرارها. لم يكن بيته مجرد بيت، بل قصر حقيقي، وما ان جمعهما سقف واحد حتى أخذ يخور كثور. خرجت مهشمة لدرجة انها لم تجرؤ على النظر الى نفسها في المرآة، كانت تلملم اشلاءها قطعة قطعة، وهي تحس انه مضغ لحمها بأسنانه الخشبية البنية، تساءلت بضياع أهذه هي الشطارة؟ لكم هي شاقة! ما أصعب ان تتشاطر المرأة! بعد أيام استدعتها فلك وأخبرتها ان التاجر رفض شراء أجهزة الكمبيوتر من شركتها. فهمت كلامها جيداً.. لم تتشاطري كفاية. ودت لو تعترف لها بما حدث، لكنها لم تجرؤ، يا لها من حمقاء، كان لا يجب ان تسمح له بلمسها إلا بعد ان يشتري الأجهزة. قالت لها فلك ـ ملكة التشاطر: حسناً سنهمله الآن، سيعود عاجلاً أم آجلاً أنا متأكدة، الآن لدينا الأهم، يجب ان تساعديني يا رهام بعقد صفقة بالغة الاهمية مع شركة يابانية تصنع الجهاز نفسه بنصف القيمة. تصوري يا رهام، يجب ان نحيط الوكيل باهتمامنا ولا نسمح لأحد ان يتشاطر أكثر منا ويعقد الصفقة مع الوكيل، سأقيم حفل عشاء على شرفه وسأكلفك شخصياً بدعوته، انه يقيم منذ يومين في الشيراتون. حلّ صمت ثقيل بين المرأتين خرقته فلك بقولها: خسارة يا رهام، ضيّعت أجمل سنوات شبابك وأنت سجينة أوهام. همت أن ترد عليها، لكنها آثرت الصمت، لأن الطريقة التي لفظت بها فلك مفرداتها جعلتها تشعر حقاً ان الزمن انقضى كسراب كالظلال، كغيمة شاردة. أحيت بينها وبين نفسها حفلة رفع معنويات، حدثت نفسها بأن ما حصل مع التاجر، خطأ جسيم لن يتكرر مع الوكيل الياباني، هذه المرة لن تعطي قبل ان تأخذ، يجب أن يوقع العقد أولاً، ثم.. فكرت ماذا لو كان الياباني كريهاً وذا كرش هائل؟ لكنها فوجئت انها بحضرة شاب جميل رشيق يصغرها بسنوات.. غمرت روحها باحساس طاغ بالخجل: هذه المرة سأستمتع مع هذا الشاب. فعلاً الشباب ثروة. حدثته بانجليزية صحيحة عن رغبة الشركة بالتعاون مع الشركة اليابانية، كان فائق اللطف، رغم احساسها ان لطفه مدروس، وبأنه جزء من عمله. دعاها الى غرفته ليقدم لها هديته الخاصة، قال لها انه يحمل دوماً هدية خاصة، يقدمها للمرأة التي تدهشه أكثر. أحست ان ارادتها مشلولة، كيف تنقاد وراءه الى غرفته قبل توقيع العقد؟ لكن ماذا لو تنفس جسدها بحضرة جسد فتي طالما أضناها حرمانها منه؟ كانت الهدية رائعة حقاً، حديقة من خشب محفور بدقة، تمثل أشجاراً وزهوراً وبيتاً ريفيا، تسكن قفصا من زجاج. احتواها من الخلف بين ذراعيه القويتين، غزتها رائحته دفعة واحدة. همس لها كلمة واحدة محملة بشبقه كله، اختزل كل احاسيسه وهو يقول هامسا: تعالي. فكرت بالطاقة القليلة المتبقية لديها للتفكير بأن اللقاء بين آدم وحواء يجب ان تكون ركيزته الأولى الحنان وليس الشهوة. لقد استهلكها، لم تشعر بانسانيتها وتفردها، انها الأنثى التي يرغب ان يشبع منها، مشكلتها انها لا تستطيع ان تتعامل مع الجسد بمعزل عن الروح، هكذا تكونت، أم كونوها ـ لا فرق ـ طول حياتها لم تشهد خصاماً بين روحها وجسدها. انسل سؤال خبيث الى اذنيها احست ان الوسادة تهمس به: لكن ألا تعني الشطارة ان يرسم الجسد طريقه بمعزل عن الروح؟ لملمت اشلاءها وهي تتساءل: كيف يكون للجسد طريق، وللروح طريق آخر؟ آلمها ان تقابل رجلاً لا يخصها بكلمة تدل على اشتياقه لها، انتظاره لها. أرادت ان تنتزع موافقته على التعامل مع شركة فلك التجارية، لكنه تملص بذكاء وقال انه مضطر لدراسة شروط عدة شركات قبل ان يتخذ قراره. سألته عيناها بانكسار: وجسدي، ألم يكن عربوناً كافيا للاتفاق؟ لم تعرف إن كان قد فهم لغة عينيها المنكسرتين، لكنه ربت على كتفها بجفاف وقال لها: أنت امرأة رائعة، أتمنى أن أراك غداً. خنقها الهواء المشبع بالترف في الشيراتون، تساءلت وهي تحس بالاختناق: ترى ما هي قواعد الشطارة؟ كيف تشاطرت فلك وتحولت من طالبة مغمورة الى سيدة ثرية تلعب بالملايين؟ ترى ألا توجد كتب ومراجع تدلني على أساليب الشطارة. فلك تعطيها ثلاثة أضعاف راتبها، لكنها تشعر انها تملكها، من حسن الحظ انها لم تعلق على فشلها مع الوكيل الياباني ومع تاجر السيارات. ترى ماذا يدور في دماغ فلك؟ ماذا ترى فيها من امكانيات، وهي تستطيع ان تشتري بنات العشرين، الفائرات بالنضارة لترسلهن هدايا للتجار الذين تود عقد صفقات معهم؟ بعد ثلاثة أشهر استدعتها فلك لتقول لها منفعلة ان فرصة العمر قد زفت، وانها سترسلها الى السعودية لتشرف بنفسها على العمل في فرع الشركة الذي ستفتحه في الرياض، هوى قلبها: السعودية، لكنها داخت حين ذكرت لها الراتب، لم تتمالك ان سألتها: لكن لماذا أنا يا فلك؟ قالت فلك: لأنني أعرفك، وأثق بك، أنت خارقة الذكاء يا رهام، متحدثة بارعة ومقنعة. أتعرفين لا أزال أذكر افتتاني بمواضيع التعبير التي كنت تكتبينها. ضحكت وهي تسألها: أما زلت تذكرين تلك الأيام؟ قالت فلك: طبعاً، خسارة يا رهام، احياناً يضيع الانسان حياته معتقداً انه يسير في الطريق السليم، للأسف انت صدقت الناس وآمنت بما يسمونه الاخلاق، في الحقيقة الحياة لعبة شطارة، انظري الى أكثر الأسر تبجحاً بالاخلاق، انهم يرفضون تزويج بناتهم من شبان شرفاء فقراء، يبحثون عن العريس الغني، ورغم انهم يعرفون ان ماله حرام إلا انهم يغضون النظر، المهم مصلحتهم ومصلحة بناتهم. مشكلتك انك صدقت تلك المباديء، فماذا كانت النتيجة؟ قالت: أرجوك، لا داعي لهذا الحديث، أريد أن تمهليني بعض الوقت لأدرس موضوع السفر الى السعودية. ـ وهل يحتاج هذا الموضوع لدراسة يا رهام؟.. انها فرصة عمرك. ـ أرجوك، عدة أيام فقط. ـ حسناً، كما ترغبين. لم تفارقها الكوابيس، في حياتها لم تكن كآبتها شديدة الوطأة عليها، كما كانت في هذه الأيام، تستيقظ مذعورة والكآبة والكرب متربصان بها، يحدقان في وجهها بعيون من رماد. شكّت انها مصابة بالربو لضيق النفس الشديد الذي أخذ ينتابها، كان صوت ساخر لا يرحمها ينفلت من مكان ما من روحها يقول لها: هيا تشاطري هناك. في ليلتها الرابعة، هاجت أشواقها لراتب الاحتقار كما كانت تسميه، اشتاقت لأزقة سوق الألبسة المستعملة، أسعدها انها تطيل التفرج على الواجهات ولا تشتري منها. انتفضت من فراشها، ورغم ان الساعة لم تكن قد تجاوزت الخامسة فجراً، إلا انها رفعت سماعة الهاتف وأدارت بتعميم الرقم، أتاها الرنين الطويل ثم صوت فلك ناعساً ممطوطاً، وقبل ان تترك لها فرصة الدهشة، قالت لها وهي تحس ان صوتها يخلصها من دنس الأيام التي قضتها تحت خيمة فلك: اسمعي يا فلك، لن أتشاطر، لن أتشاطر. أغلقت السماعة وهي تحس انها تبرأ من علة أصعب من السرطان وأشد فتكاً منه، عاد لها احساسها القديم بالحرمان رقيقاً ناعماً كوشاح من حرير، غمرها دفء شفيف، أحسته كرجل يحبها منذ زمن بعيد ولا يجرؤ أن يبوح لها بحبه خوفاً من صدها له، انها الآن تحس بقيمته ونزاهته، لن تصده، سترتمي في أحضانه الدافئة، انه يحبها ويحترمها لذاتها، ويعتذر منها بقوة الحب ان جيوبه خاوية. اعتذرت من احساسها القديم بالحرمان، أليس هو تحديداً الذي حفظ روحها من الاهتراء والنخر. ـ قاصة سورية تعمل في حقل الطب، صدرت لها عدة روايات منها «امرأة من طابقين، قبو العباسيين، يوميات مطلقة» وصدرت لها عدة مجموعات من القصص، منها: «خواطر مقهى رصيف، الساقطة، عطر الحب».