لا حاجة لأن تكون حاد الذكاء كي تعرف مسبقاً ما يحمله لك الغد. فالوضع في المناطق سيئ جداً، ويزداد سوءاً مع مرور كل يوم. فالوضع أشبه بطنجرة ضغط كبيرة، يتزايد فيها الضغط، ويعلم الجميع بأن مصير الطنجرة هو الانفجار وهذه النهاية باتت قريبة. كم من الوقت يمكن فرض حظر التجوال والحصار والاغلاق على مئات آلاف البشر، حتى ينتفضوا؟ كم من الوقت سيستيقظ الناس على صباح آخر من البطالة، وبقاء الأولاد في البيت، وإغلاق المدارس وانعدام الخبز؟ ما الذي تبقى لهم ليخسروه الآن، في وقت تصم فيه آذانهم صرخات المرضى والجياع؟ من يقرر كسر الجوع ويحطم كل شيء في سبيل الحصول على الطعام؟ الطنجرة ستنفجر بعد فترة قصيرة، ولن يميز هذا الانفجار، كالمعتاد، بين العرب وبين اليهود. كلنا جرحى وجراحنا ما زالت تنزف. من الشرعي تماماً محاربة الارهاب الموجه ضدنا، لكنه ليس من الشرعي استخدام سلاح التجويع ضد جمهور بأكمله. هذا السلاح مرفوض في جميع الحالات، ومن يستخدمه شارون، فؤاد، بيرس، إيفي إيتام وشريكهم بوش يخاطر بارتكاب جريمة حرب. واضح تماماً ما الذي سيحدث: بعد عدة أيام سيبلغ السيل الزبى، وسيخرق الفلسطينيون أوامر حظر التجوال. فالألم والمعاناة والضائقة والاهانة ستعمي عيونهم، لن يروا الدبابات ولن يروا الجنود، ولن يسمعوا مكبرات الصوت، بل سيحثون خطاهم بجموع حاشدة. ورغم عدم وجود ما هو مفاجئ هنا، فسنفاجأ جميعاً، وسنسأل، ما الذي يحدث هنا، ما الذي يفكرون به بالضبط. هناك عامل مشترك واحد وواضح يجمع جميع المفاجآت التي نزلت على رؤوسنا خلال السنوات العشر الاخيرة، وهو أن كل الأضواء الحمراء قد لمعت، وقرعت جميع النواقيس، إلا أننا وحدنا لم نر ولم نسمع لأننا لم نشأ ذلك. طبعا، سيفاجأ الجنود، أيضاً، وبشكل مطلق إذ لم يتم إعدادهم مسبقاً لمثل هذا التطور العاصف. صحيح أنه تم هنا وهناك، تسجيل تحذيرات على هامش التقارير الاستخباراتية، لكنه تم تسجيل مثل هذه الملاحظات في السابق، أيضاً، لرفع العتب فقط، وكانت مادة جيدة للجان التحقيق. كما سيظهر دائما ذلك الموظف الذي حذر، وستقابله الصحف. فكل مفاجأة غير مفاجئة. في اللحظة التي ستندلع فيها الهبة، لن يكون أي مفر أمام الضباط والجنود، وسيطلقون النيران على الجموع العاصفة. سيسقط عشرات الضحايا، وستحدث هبة شعبية كبيرة، كيف يمكن حدوث ذلك كله. سيضج المجتمع الدولي وسيشجب ويصر على حقه وعلى واجبه بارسال لجنة تحقيق إلى هنا. ولن يكون أمام الحكومة اي مفر، وستقيم لجنة تحقيق خاصة بها. وفي ظل الوضع الذي سيتولد آنذاك، ستنسحب إسرائيل من كل التجمعات السكانية الفلسطينية. لقد سبق حدوث مثل هذا الأمر: في مأساة قرية قانا اللبنانية، انتهت عملية «عناقيد الغضب»، وأدت مأساة مخيم جنين إلى إنهاء عملية «السور الواقي» باكراً. وهكذا، أيضًا سيكون مصير عملية «طريق الإصرار». لماذا ننتظر هذه النهاية القاتلة والمتسرعة؟ لماذا لا نستبق الضربة؟ يتحتم علينا الآن ترك الجمهور الفلسطيني وشأنه، تمكينه من التنفس. يتحتم علينا رفع حظر التجول المتواصل وغير المحتمل فوراً. على إسرائيل الوقوف على رأس مبادرة دولية شاملة تتجاوب مع الاحتياجات الانسانية العاجلة لثلاثة ملايين فلسطيني. ويتحتم على الرئيس بوش، من خلال إبداء الشفقة، إرسال مساعدات واسعة إلى المناطق بدل الخطابات. لا يمكن وقف الحرب ضد الارهاب طالما لم يتوقف الارهاب. لكنه يتحتم تغيير طريق الحرب: يجب أن تقود مباشرة إلى الارهابيين، ويمنع مرورها على ظهور ثلاثة ملايين فلسطيني. في الوقت الذي نبحث فيه عن قنبلة موقوته على الأرض، تتحول الأرض كلها إلى قنبلة واحدة وكبيرة. عن «يديعوت أحرونوت»