في حين يتهدهد الجمهور الباريسي كل عشية في المسارح التقليدية، توقظ رغبة الاكتشاف في الجهة الأخرى من الأوتستراد الدائري حول باريس، حوالي خمس عشرة مجلة ثقافية بديلة، ويأخذ الابداع نفحاً جديداً في جو حميم مع برامج انتقائية على أنقاض مصانع أعيد ترميمها. يوحي تعبير الضاحية للباريسيين من هواة المسرح بمعان خاصة ويستحضر حيزاً من حوالي خمسة عشر مسرحاً يؤمها جمهور غفير حيث تتجاوز شبيبة موهوبة وتعج بالحركة، فمع الظلام، يرتسم خارج الأوتستراد الباريسي الدائري مشهد فني جديد فهناك فرقة «لارمور» (الشائعة) التي استقرت في مبنى مدبغة قديم في مدينة شوازي لو روا، و «بوبليك شيري» (جمهور عزيز) في مبنى محترف خياطة قديم في بانيوليه و«لي هيلياد» في مصنع تعدين في حي سكني في كولومب، و «لي ميم» (ذاتهم) في مبنى مصبغة مستشفى شارل فوا في ايفري سور سين، يقول انطوان بوفور من مسرح «ايشانجور» ان «الهدف الأساسي هو ايجاد محلة بهوية ذات معنى، يرغب الجمهور بالقدوم إليها، على هامش الاماكن المؤسساتية الباريسية» لا يزال هذا النوع في الاماكن بشكل عفوي للقاء الثقافة، لكن في هذه الاماكن تحدث الثقافة وليس في غيرها. يتكلم الجيل الجديد كثيرا عن اللقاءات، والعمل، والبحث، والابداع، والكتابة المعاصرة، والانفتاح على مشاريع فنية متعددة المواد تسودها كلمة فصل هي: الحرية، في هذا الصدد تقول أنياس شانيو مديرة مسرح هونلدر: انه ترف ونضع الوسيلة لبلوغه، ونقلب طرق الابداع السائدة رأساً على عقب، عادة، تبرمج الحفلات لفترة قصيرة، حسب المزاج في الفترة وحسب فرقة الممثلين ويتم الاتصال مباشرة بين الجمهور والممثلين. في مسرحية «وضع حميمي» لمرغريت دوراس من تقديم فرقة «لا غوت دو» (نقطة الماء) استقبل عدد محدود من المشاهدين في غرفة واسعة وتحت أضواء خفيفة، أما فرقة «آ تابل» (إلى الطعام) فيبدأ الحفل بعشاء على أنغام ناعمة تتلألأ فيه الشموع ومع الممثلين، وتسمع خلال المسرحية ضربات الملاعق وضجيج القطار، لأن فرقة «محطة القطار» تقدم مسرحياتها منذ عشر سنوات في مستودع تفريغ البضائع في فيتري سور سين، جنوب شرق باريس، إذ تم توسيع البناء باضافة مساحة 300 م2 وسبع غرف نقالة، يقول مصطفى أعور، مدير فرقة «محطة القطار» ان «المكان قابل للتكييف ويتيح عروضاً متنوعة، وبالامكان ايجاد مختلف أنواع الصلة بالمشاهدين، فإما مواجهة أو بشكل دائري أو جانبي». في نانتير، وعلى بقعة أرض جرداء تحاصرها جامعة باريس 10 والأوتستراد من الجهة المقابلة، ارتفعت قاعة تحت «اسم «مزرعة السعادة» تستقبل الممثلين والمشاهدين، وتأوي دجاجاً وماعزاً، وأرانب، تمارس فيها كل أنواع الفنون التشكيلية والمسرحيات والاعشاب الطبية والرقص والموسيقى الكلاسيكية مع بعض المشاتل للزراعة، يتجاور فيها فنانون متنوعون طيلة العام، وسبق ان قدم فيها خمس حفلات بينها مسرحيتان لجان جينيه، أثناء عرض مسرحية «ورق العشب» للشاعر الأميركي والت ويتمان، تناول المشاهدون حساءً شهياً حضره مدير القاعة نفسه روجيه دي بري، في هذه القاعة، وعند التصفيق في نهاية المسرحية، لا يختفي الممثلون بل يتجهون نحو الجمهور لتناول كأس شراب معه وبحضور المؤلفين. في مسرح «ايشانجور» الواقع على بعد خطوات من محطة مترو جالياني، على طرف باريس الشرقي، يختلط الجمهور، وتصبح السهرة مناسبة للحوار وتبادل الحديث، وينظم فريق العمل محترفات مع سكان المدينة حيث يلتقون بالممثلين، وهنا أيضاً تختلف البرامج فمن مسرحيات وعروض فيديو ورقص ومعارض وصور وعروض أزياء تعطي الفرصة لفرق مجهولة وتكون العروض عادة طليعية، وتختلف الآراء والتقييمات فالبعض يحب والآخر لا لكن لا يمكن عدم الاهتمام. حالياً يتغنى المسرح من تغيير الاتجاهات ومن الانفتاح على تعددية الاعلام، وتشارك فرقة «محطة القطار» في انشاء شبكة تبادل وبحوث مسرحية بين أفريقيا والعالم العربي بواسطة الانترنت، ونظمت منذ عام 1996 عشرات اللقاءات في قاعة المسرح وأيضاً في مدن أخرى (ليون، نيم) ويصله مع الجزائر ومع تركيا. منذ سنوات طويلة تمارس فرق عديدة مبدأ: مسرح الشقة، ويعتمد ذلك على اتصال جمعية، أو معتمدية المدينة بفرد ما، يطلب منه وضع شقته تحت تصرف الممثلين، ويدعى الاصدقاء والجيران لحضور الحفل، انها مناسبات لسهرات خالدة مع شبيبة مبدعين، كما تحدث أشياء أخرى كثيرة في العالم الصغير المسرحي، يكفي معرفة أين تضيف انياس شانيو يلتقي جمهور متنوع جداً، وحسب المسرحيات التي تقدم، ويتبادل الافراد الاعلان عنها شفهياً من (اللسان إلى الأذن)