إذا كان هناك وقت تحتاج فيه تركيا الى حكومة قوية ومستقرة، فلاشك ان هذا الوقت هو الآن، والأسباب كثيرة فخطة الاصلاح الاقتصادي التي يدعمها صندوق النقد الدولي باتت تواجه أخطاراً حقيقية كما ان واشنطن تطالب الآن بالحاح بالحصول على دعم انقرة في عمليتها العسكرية التي لا تحظى بشعبية كبيرة ضد العراق. وفي حين وصلت المحادثات المتعلقة بتسوية قضية قبرص الى مرحلة حساسة ومهمة، فإن العلاقات مع الاتحاد الاوروبي باتت على المحك، خاصة ان هناك حزمة من الاصلاحات المتعلقة بحقوق الانسان تنتظر المصادقة عليها من قبل البرلمان، في الوقت الذي تطالب فيه انقرة بتحديد موعد لبدء محادثاتها حول مسألة العضوية. ولكن إذا كانت هناك مرحلة تبدو فيها مسألة اقامة حكومة قوية أمرا غير وارد على الاطلاق فهي الآن بكل تأكيد، فقد جاءت الاستقالة الاخيرة لوزير الخارجية الذي يحظى باحترام دولي كبير، اسماعيل جيم لتشكل ضربة قاسية لمصداقية حكومة رئيس الوزراء بولنت أجاويد.؛ وقد كان من المفترض ان تكون استقالة وزير الاقتصاد كمال درويش القشة التي تقصم ظهر البعير، ورغم انه تراجع في اللحظة الأخيرة بعد ضغوط مارسها عليه الرئيس نجدت سيزر إلا ان ذلك لن يكون كافياً لحماية الاسواق التركية من التعرض لأزمات جديدة. ورغم ان بولنت اجاويد رئيس الوزراء المنهك والذي طالب الرجلين بتقديم استقالتيهما قد اصدر مناشدة عاجلة للمنشقين عن حزبه بمن فيهم 7 وزراء داعياً اياهم للعودة الى حكومته ثانية إلا ان قليلين يعتقدون بقدرته على قيادة الحزب ثانية. فمن الواضح ان أجاويد قد خسر ثقة الاصلاحيين الذين كانوا يدعمونه ولم يعد معه الآن الا بعض غلاة القوميين المتطرفين. وبالاضافة الى ذلك فإن شريكيه في الائتلاف الحكومي حزب العمل القومي اليمين المتطرف وحزب الوطن الام يمين الوسط قد دعيا الى انتخابات مبكرة في أسرع وقت ممكن. ولكن لا توجد أية ضمانات إلا بأن الانتخابات المبكرة ستحسن الأحوال أو ستجعل الامور تبدو أفضل، فالاصلاحيون يأملون ان يوحد اجاويد ودرويش صفوفهما لتشكيل حزب يؤيد فكرة الانضمام الى الاتحاد الاوروبي في أسرع وقت ممكن ويدعم خطط صندوق النقد الدولي الاقتصادية. ورغم ان مثل هذا الأمر في حال حدوثه سيكسر التقاليد المتعارف عليها في السياسة التركية، إلا انه من غير المرجح ان يحصل الحزب الجديد على التأييد الشعبي المطلوب، ولكن الخبر الجيد هو ان الأزمة السياسية الحالية تتعلق بقضية سياسية حقيقية ومهمة فهل ستلزم تركيا نفسها بخطة لادخال اصلاحات جوهرية على النظامين السياسي والاقتصادي بحيث تستطيع الانضمام الى الاتحاد الاوروبي أم انها ستلجأ الي خيار يعود بها خطوات الى الوراء؟ حتى الآن لم تتدخل القيادة العسكرية القوية والمؤثرة لتدلي بدلوها في التطورات السياسية الأخيرة والمتلاحقة، فالمؤسسة العسكرية تجد نفسها بين الرغبة في دعم خيار الاصلاح والانضمام الى الاتحاد الاوروبي وحقيقة ان تدخلها بشكل معلن سيأتي بنتائج عكسية وسلبية على البلاد بأسرها. وإذا ما أريد لتركيا ان تظهر بمظهر الديمقراطية الحقيقية فإنه من الأفضل والأسلم ان يبقى الجنود في معسكراتهم ويطالب بعض الاصلاحيين في انقرة الآن الاتحاد الاوروبي بتحديد موعد لمحادثات الانضمام بهدف دعم حظوظهم في الانتخابات المقبلة ولكن مثل هذا الطرح يفتقد الى الواقعية السياسية وينم عن عدم نضج واضح. فتركيا لن تخرج من أزمتها السياسية الحالية من خلال تدخل بعض الفرسان البيض القادمين من بروكسل فالخيار يجب ان يكون محلياً قلباً وقالباً حتى لا يتكرر السيناريو الحالي مرة أخرى. عن «تركيش ديلي نيوز»