بين أسوار البلدة القديمة يستشري الفقر المدقع والجريمة وتجارة المخدرات هذا ما يأتي في تقرير سينشره معهد القدس لدراسات اسرائيل في هذه الايام يكشف النقاب عن انتشار الفقر الشديد والجريمة وتجارة المخدرات بين أسوار البلدة القديمة، في القدس بشكل ظاهر للعيان تماما من دون ان ينتبه أحد بأن المكان الأكثر قداسة للأديان السماوية الثلاثة وأحد المواقع التاريخية الأهم في العالم يتحول الى منطقة تعاني من الضائقة حيث تقطنه عائلات كثيرة من دون حمام وفي اكتظاظ شديد. المختصون الذين شاركوا في التقرير وصفوا الوضع بأنه مثل البركان الذي يهدد بالانفجار. وحسب التقرير الذي أعدته البروفيسورة روت لبيدوت إثر مداولات لجنة خبراء قام المعهد بتشكيلها، فانه يقطن في البلدة القديمة التي تبلغ مساحتها كيلومترا مربعا واحدا فقط أكثر من 32 ألف نسمة حيث تبلغ نسبة الازدحام فيها أعلى النسب في العالم. الشقق السكنية في البلدة القديمة صغيرة جدا ولا توجد حمامات للاستحمام في رُبع المنازل الموجودة في الحي الاسلامي. في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط مساحة الوحدة السكنية في القدس 73 مترا مربعا نجد ان متوسط مساحة الشقة في الحي الاسلامي في البلدة القديمة هو 40 مترا مربعا وفي حارة النصارى 42 مترا مربعا وفي الحي الأرمني 54 مترا مربعا وفي الحي اليهودي 75 مترا مربعا. كما ان ما تم التوصل اليه حول مستوي تعليم السكان في المكان صعب ايضا: أكثر من 60 في المئة من القاطنين البالغين في الحي الاسلامي ذوو دراسة ابتدائية أو أقل من الابتدائية. في حارة النصارى تبلغ نسبة ذوي التعليم المتدني 50 في المئة، وفي الحي اليهودي والأرمني تبلغ النسبة أقل من 30 في المئة. و30 في المئة من السكان في الحي الاسلامي وفي حارة النصاري فقط يملكون سيارات. واذا لم يكن الوضع الصعب الذي يعيشه السكان هناك كافيا، فهناك ايضا فجوة كبيرة بين الخدمات التقنية الفنية التي تمنح للبلدة القديمة بالمقارنة مع مستوى الخدمات في غربي المدينة. صحيح ان كل المنازل مربوطة مع شبكتي الكهرباء والمياه، ولكن الوضع في البلدة القديمة ليس مرضيا بالمرة في باقي المجالات خصوصا الطب والمساعدات الاجتماعية والمجاري. والاستخلاص الذي توصل اليه المختصون هو: هناك حاجة لتحسين جودة الحياة في البلدة القديمة عن طريق تحسين وضع السكان الاقتصادي والاجتماعي، ومن خلال تحسين البنى التحتية في الأحياء غير اليهودية. الفقر والاكتظاظ هو الأكثر حدة في الحي الاسلامي حيث يوجد أكثر تجمعات الفقر كثافة في القدس الشرقية جاء في التقرير. الفقر يجر معه ظواهر العنف والجريمة والاستخدام الواسع للمخدرات. وهناك حاجة ماسة واسعة لخدمات الضمان الاجتماعي البلدية وحالة تشرد اجتماعي. السبب يكمن في المجريات التي بدأت منذ الاربعينيات وازدادت حدة في العقد الاخير. من قبل حرب الاستقلال بدأ السكان المسلمون بمغادرة الحي الاسلامي، وجاءت مكانهم عائلات اللاجئين الفقيرة. وفي السبعينيات عندما ازداد الاكتظاظ في الحي الاسلامي حدة غادرت عائلات ثرية أخرى المدينة وحلت محلها عائلات فقيرة بسبب وفرة الشقق الصغيرة والأكواخ والأقبية والأجرة الرخيصة والثابتة. المغادرون لم يبيعوا أملاكهم في العادة واحتفظوا بحقوق الملكية حتى في حالة انتقالهم الى الضفة. وفي عام 1993 بدأت اسرائيل بسحب هويات من لا يقطنون في القدس، وهكذا بدأت هجرة عكسية نحو القدس والبلدة القديمة. وإثر ذلك ازدحم الحي الاسلامي بالسكان وبدأت موجة بناء غير قانونية. في السنوات الاخيرة بدأ الوعي الاسلامي يتعزز في الحي الاسلامي، وجزء من الاسباب يعود للتوتر الاجتماعي ـ الاقتصادي القائم في الحي وارتباط مهاجرين من منطقة الخليل بحركات مثل حركة الاخوان المسلمين. السكان اليهود في الحي اليهودي يتألفون من 70 في المئة أصوليين و25 في المئة متدينين وطنيين و5 في المئة علمانيين. هذا مقابل 40 في المئة علمانيين و60 في المئة متدينين وطنيين في أواخر السبعينيات. الاصوليون الذين يشترون الشقق في الحي اليهودي هم بالأساس من خريجي المعاهد الدينية الناشطة في الحي أو انهم عائلات للتائبين العائدين الى حظيرة الدين. إثر التغير الديمغرافي طرأ هبوط على مستوى سكان الحي الاجتماعي ـ الاقتصادي وهنا تحدث تغيرات أخرى اضافية: عدد كبير من السكان هم من أصحاب الاراء اليمينية المتطرفة، طرأ ازدياد على عدد المؤسسات التوراتية في الحي، وفرض حظر على بيع الصحف العلمانية في الحي. والتقرير يقدر ان مجريات تحول السكان الى اصوليين في الحي اليهودي ستتواصل عما قريب. عدد اليهود الذين يقطنون في الحي الاسلامي والمسيحي ازداد في السنوات الاخيرة. واليوم يقطن في الحي الاسلامي 400 يهودي و60 في الحي المسيحي. وفي التقرير جاء بأن الجمهور اليهودي الذي يقطن في الأحياء غير اليهودية من البلدة القديمة وخصوصا سلوان قد يشكلون عقبة ملموسة أمام التسوية الدائمة في القدس عند طرح المسألة على جدول الاعمال. وقد جاء في التقرير ان حدوث تطور ايجابي في عملية السلام وتحسين الوضع الاقتصادي نتيجة لذلك قد يعطي نتائج ايجابية بالنسبة للمسيحيين. هذه التطورات قد تساعد في النشاط الاقتصادي خصوصا السياحي الذي ما زال المسيحيون يحتلون فيه مكانة مهمة. فصل منفرد في التقرير يتناول المسألة الأمنية، وقد أعده اللواء احتياط آريه عميت قائد لواء القدس في شرطة اسرائيل سابقا. وعلى حد قول عميت يمكن لتدهور الاوضاع في البلدة القديمة ان يصل الى درجة الخطر الاستراتيجي بالنسبة لدولة اسرائيل، ذلك لانها قد تتدهور الى درجة اعلان الجهاد المقدس على دولة اسرائيل. الوضع الاقتصادي الصعب في المدينة، والاحتكاك والتقارب بين أبناء الأديان المختلفة، والفجوات الاجتماعية ـ الاقتصادية بين اليهود والعرب قد تصبح عاملا لاندلاع الصدامات في البلدة القديمة. عميت يذكر ايضا ان لحكومة اسرائيل السيادة في الحرم شكليا، ولكن نتيجة لتجاهلها لأحداث وخطوات سياسية فلسطينية جرت هناك أصبحت السلطة الفلسطينية هي المسيطرة على المكان السلطة الفلسطينية عينت مفتيا للقدس من جانبها لمعالجة شئون الحرم، كما بدأت تستخدم قوات أمن خاصة بها هناك وتجلب ضيوفا من الخارج لزيارة الموقع. عميت يحذر ايضا من ان الحركة الاسلامية قد تحولت الى لاعب مركزي في الحرم، وحماس ايضا تنشط في المكان لحشد القوة والنفوذ لنفسها. الخطب التي تلقى في ايام الجمعة والمناسبات أمام حشود المصلين أصبحت متطرفة جدا خلال السنوات الاخيرة، واثارة الخواطر في احدى الخطب أمام رُبع مليون مصل ملتهب المشاعر قد يتمخض عن حدث يصعب وصف نتائجه. وبالنسبة للشرطة جاء في التقرير أنها لم تخدم سكان شرقي المدينة، ودورها الاساسي في القدس كان الحفاظ على السكان اليهود في القدس من عرب شرقي المدينة. وهكذا دخلت الى هذا الفراغ منظمات اسلامية ودينية وسياسية خصوصا في العقد الاخير. التقرير يذكر ان هناك بناء غير قانوني في البلدة القديمة وبأحجام كبيرة من دون رقابة بلدية القدس. البناء يتم في داخل الباحات والأقبية من اجل الاستجابة لضغوط تكاثر السكان، وأغلبية البناء غير القانوني تتم من قبل أفراد، ولكنه يتم ايضا على يد مؤسسات كنسية ويهودية واسلامية، يبنون من دون تراخيص ومن دون مبالاة في مباديء الاحتفاظ بالاماكن التاريخية والدينية. وأحد الأمثلة على ذلك ما يحدث في كنيسة القيامة حيث جرى بناء اضافي من دون ترخيص. جرى في اللجنة نقاش حول الحلول المحتملة لقضية السيادة في البلدة القديمة. فالحدود في العالم فقدت أهميتها حسب رأي لبيدوت إثر منظومات الاتصال الحديثة والعلاقات الاقتصادية الدولية. السيادة ليست مهمة طالما تم توزيع الصلاحيات بشكل مقبول على الطرف الآخر. ولبيدوت تستبعد امكانية تقسيم المدينة بين اسرائيل والفلسطينيين ذلك لان المساحة الصغيرة والتقسيم سيمس بأداء وطابع المكان. واقتراحها هو تقسيم الصلاحيات حسب مفتاح وظيفي عندما تكون للدولة كامل الصلاحيات السيادية المطلوبة فقط من اجل تنفيذ وظيفة معينة. لبيدوت تقترح تسمية المنطقة منطقة محايدة مثل المناطق المحايدة في شمال الجزيرة العربية بين السعودية والكويت، أو مركز انساني شامل. وهذا الحل يلزم حسب قولها اجراء تقسيم الصلاحيات حسب الأحياء. وتذكر ان من الممكن منح صلاحيات ايضا لجسم دولي مثل صلاحية الاشراف على الاماكن المقدسة وربما الحفاظ عليها ايضا. وهناك اقتراحات أخرى تدارستها اللجنة، وهي السيادة المشتركة بين اسرائيل والفلسطينيين وربما جهات أخرى ايضا بحيث تعطي كل خدمة وصلاحية بشكل متواز من قبل كل طرف. وفكرة اخرى: تدويل كل البلدة القديمة، هذا الحل الذي قد يلقى الترحاب من الأسرة الدولية، الا ان الفلسطينيين والاسرائيليين سيعارضونه.