نشرت مجلة «سيانس» الاميركية دراسة انجزها عدد من علماء النفس وتحمل اثباتا على الرابط الوثيق بين الزمن الذي يمضيه امام التلفزيون فتيان من ولاية نيويورك وسلوكهم العدواني وتتمثل احدى اهم نقاط هذه الدراسة في انها اجريت على مجموعة تعدادها 707 اشخاص توبعوا على مدى سبعة عشر عاما، وتكمن فرادتها الثانية في انها تستخلص نتائجها من عنف الراشدين، وليس فقط من عنف الاطفال، كما هي حال غالبية الدراسات. هل يولد التلفزيون العنف او يشجع على السلوكيات العنيفة؟ السؤال مثير للاهتمام، ولكن غالبا ما يفتقر الجدل الى الاسس العلمية المتينة التي يرتكز اليها، ومع ذلك وفقا لمعطيات احد علماء النفس، من معهد الابحاث والدراسات السلوكية «اريسكو» فإن ما لايقل عن 2200 دراسة منشورة عالجت هذا الموضوع ومع اطلاق اولى البرامج المتلفزة عام 1946 في الولايات المتحدة، تساء ل علماء النفس، وعلماء الاجتماع، والجمعيات الاسرية، حول تأثيرات الشاشة الصغيرة على السلوك ومنذ عام 1972 اكد عدد من علماء النفس الاميركيين، عبر دوريات عملية، منها «سيانس» ان الصور العنيفة التي تعرض في التلفزيون تتميز بتأثير مفسد على بعض الاشخاص، اما الجديد الذي تحمله الدراسة المنشورة اليوم في اهم مجلة علمية اميركية مرجعية، «سيانس» من المناسب الاشارة الى ان من النادر ان تترك «سيانس» صفحات منها لدراسات علم النفس، المخصص بشكل عام لمنشورات اكثر تخصصا وسرية، ووفقا لمعطيات مؤلف الدراسة الرئيسي، «جفري جونسونش الباحث في جامعة كولومبيا ومعهد الطب النفساني في ولاية نيويورك، فان هذه هي المرة الاول التي يتم فيها اخضاع مجموعة من الاشخاص للدراسة طيلة سبعة عشر عاما. السلوك العنيف تابع فريق «جفري جونسون» 707 اسرة تمثل سكان كونتيتين من شمال ولاية نيويورك وجرت حوارات معمقة بين الاختصاصيين واباء الاسر المدروسة واطفالها في ستة اعوام متفرقة، حيث احصى علماء النفس الاعمال العنيفة التي ارتكبها الفتيان «اعتداءات، شجارات، تهديدات، استخدام السلاح» من خلال استمارات استجواب بل ايضا من خلال ملفات شرطة الولاية ومكتب التحقيق الفيدرالي، كان العمر الوسطي لمجموعة الفتيان المدروسة بين 16 سنة عام 1985 ـ 1986 و 30 سنة عام 2000. اولى النتائج الواضحة للمؤلفين: كلما ازدادت رؤية الفتيان للتلفزيون، ارتكبوا مزيدا من اعمال العنف، وبعد ساعة من المشاهد التلفزيونية اليومية، يصبح ازدياد الاعمال العنيفة بالغا، مثلا: لوحظ لدى الصبيان الذين كانوا يمضون اكثر من 3 ساعات في اليوم امام التلفزيون عندما يكون عمر المجموعة الوسطي 14 سنة ان 41.7% اي 48 من مجموعة قوامها 115 صبي» اعتدوا او جرحوا احدهم خلال الشجار، وفقا للمعطيات التي تم التوصل اليها بعد 8 سنوات لاحقة، وبالنسبة لاولئك الذين كانوا يشاهدون التفزيون لمدة تقل عن الساعة، ارتكب 8.9% منهم فقط الاعمال العنيفة المصنفة في الفئة نفسها، ولكن الا يشكل الزمن المنقضي امام التلفزيون متغيرا شديد البساطة لتمييز الفتيان العنيفين عن غير العنيفين؟ في الواقع يحترز الدكتور «جونسون» وزملاؤه من التطرق الى روابط السبب والنتيجة، الا ان دراستهم ذات مغزى من حيث انهم تمكنوا من عزل «المتغير تلفزيون» وهي منهجية يتبعها خبراء الاوبئة والاحصاء ومن الواضح انه ايا كان مستوى عائد الاسرة، ومناخ العنف في الحي، والشهادات التي يحملها الابوان، وسوابق الفتيان النفسانية، فإن الفتيان الاكثر مواظبة على مشاهدة التلفزيون هم اكثر عنفا من اولئك الاقل مشاهدة له. هل يمكن قلب العرض وطرح فرضية ان الفتيان العدوانيين هم الذين يشاهدون التلفزيون اكثر، «بطبيعتهم» من قبيل الحذر، لم يستخلص المؤلفون ذلك، بل يشكون بهذا التفسير. تتمثل احدى النقاط اللافتة للانتباه في الدراسة، حسبما يشير «اندرسون» و«بوشمان» في شرح نشرته «سيانس» ايضا، في انها شملت راشدين، ولم تقتصر على الاطفال وقد احصيت التصرفات العدوانية عندما كان الفتيان بعمر وسطي 16، 22، 30 سنة، ويأسف «اندرسون» و «بوشمان» ان الدراسة تشمل مضمون البرامج التي شاهدها الفتيان الذين توبعوا على مدى هذه السنوات الطويلة. غصون عمار