تشير معظم الدراسات بإصبع الاتهام الى التلوث كونه يهدد صحة الإنسان والبيئة أيضا، ومن المعروف بأن التلوث بمختلف أشكاله يعتبر من المشكلات الصحية التي تحتل مكانة هامة لدى المؤسسات الصحية المعنية بصحة الإنسان وسلامة البيئة. وتعتبر المواد الكربونية من أخطر الملوثات تتسم بميلها للتبخر سميتها عالية نسبيا ودائمة، ولهذا فإن المؤسسات المختصة تسعى لمنعها دوليا. عن هذه الملوثات تقول الدكتورة نادية العوضي:الملوثات العضوية الدائمة هي مركبات كيميائية أساسها الكربون، وهي معروفة منذ الاربعينيات ففي عام 1944 اكتشف العلماء أن الـ DDT أحد مبيدات الحشرات المستخدمة ضد الناموس-يترك إحدى نتائج تحلله في دهون الإنسان. وبعد سبع سنين أخرى أظهرت دراسة أن الDDT يفرز في لبن الأم. وفي أوائل الخمسينيات لاحظ علماء الطبيعة أن قشور بيض النسور الصلعاء تزداد رقة، بالإضافة إلى انخفاض مفزع في أعدادها. وفي عام 1962 أوضحت «راشل كارسن» الآثار المدمرة للملوثات العضوية الدائمة على الحياة البرية وعلى صحة الإنسان. صنعت هذه الكيماويات أساسًا من أجل السيطرة على الأمراض، ولزيادة الإنتاج الزراعي، ولتحسين مستوى المعيشة، حيث إنها تستخدم كمبيدات حشرية زراعية ومنزلية، ولكن واقعيا تسببت هذه الكيماويات في تهديد خطير للتنوع الحيوي ولصحة الإنسان، وبما أن مخاطرها أكثر بكثير من منافعها فلم يعد لاستخدامها أي مبرر. للملوثات العضوية الدائمة خاصية تسمى بالتراكم الحيوي بمعنى أنها تدخل إلى الكائنات الحية عن طريق طعامها أو مائها أو عن طريق الاحتكاك المباشر بها أو استنشاقها، ثم تبقى داخل ذلك الكائن الحي، تستمر هذه الملوثات في التركيز كلما انتقلت إلى أعلى السلسلة الغذائية؛ حتى تصل إلى الحيوانات في قمة السلسلة بما في ذلك الإنسان؛ حيث توجد أعلى التركيزات لهذه الملوثات. تتحلل هذه الملوثات ببطء شديد؛ حيث تستمر عالقة في البيئة أو في الأنسجة البشرية لسنين طويلة. تستطيع هذه الملوثات أن تنتقل آلاف الأميال في رحلات معقدة عبر الهواء والتيارات المائية ومن خلال الشبكة الغذائية، حتى أصبح استخدام إحدى الدول لها مشكلة للعالم أجمع؛ حيث اكتشف العلماء نسبًا مركزة من هذه الملوثات في مناطق هي أبعد ما تكون عن مناطق استخدامها، فمثلا وجد العلماء مادة «التوكسافين» في أسماك بحيرات القطب الشمالي الكندي في حين أنها لم تستخدم قط في أي منطقة قريبة منها. كما وجدت ملوثات دائمة في طيور «القطرس» المقيمة على جزيرة «ميدواي» المنعزلة في وسط المحيط الهادي، كما أن بطاريق «آنتاركتيكا» أصبحت ملوثة بإحدى نتائج تحلل مادة «الكلوردين» وملوثات دائمة أخرى. سمية عالية كما قلنا فإن الملوثات العضوية الدائمة ذات سمية عالية، ولا تقتصر سمّيتها على التركيزات العالية منها فقط التي تتسبب في الوفاة أو في أمراض خطيرة، بل إن التركيزات الضعيفة منها تتسبب في مشاكل عديدة للبيئة ولصحة الإنسان؛ لدرجة أن تركيزًا من هذه الملوثات يصل فقط إلى جزء من ترليون يؤثر على درجة ذكاء الإنسان، كما أن هذه الملوثات تقوم بتعطيل الغدد الصماء، ويكون التأثير سيئًا إذا تعرض الجنين لها وهو في بطن أمه؛ حيث تؤثر من خلال تعطيلها للغدد الصماء على نمو الجنين بالإضافة إلى تأثيرها على قدرته على التعلم، ومقاومته للأمراض وللإنجاب مستقبلا. أما كونها دائمة فبسبب عدم تحللها بالطرق المعروفة الطبيعية من تعرض للضوء والتفاعلات الكيميائية والعمليات الحيوية التي كانت ستحيلها إلى مواد غير ضارة. بل على النقيض فإن مادة الDDT مثلا تتحول إلى مادة الDDE في جسم الإنسان التي تعتبر أكثر استقرارًا ودوامًا من المادة الأصلية، لا يستطيع جسم الإنسان التخلص منها إلا عن طريق الرضاعة؛ وبالتالي تستمر هذه المواد في التركيز في جسم الإنسان على مدى السنين. وتجدر الاشارة الى أنها تؤثر بشكل سلبي على الجنين والطفل الرضيع. فأثناء حياة أية امرأة تستمر هذه الملوثات في التركيز في الأنسجة الدهنية. وبسبب متطلبات الحمل والرضاعة التي تتسبب في تكسير الخلايا الدهنية من أجل الاستفادة بها تغرق دورتها الدموية في وقت قصير بكل الملوثات التي تراكمت في الأنسجة الدهنية على مر السنين التي تمر بالتالي على الجنين أو تفرز في اللبن إلى الطفل الرضيع، وبالتالي يتعرض الإنسان إلى هذه الملوثات في مرحلة حساسة جدا من حياته. تؤثر الملوثات العضوية الدائمة في الجهاز المناعي للإنسان و جهازه العصبي، كما أنها تتسبب في مشاكل سلوكية له بالإضافة إلى تأثيرها على الإنجاب. هناك دراسة أقيمت في السويد أثبتت أن هناك علاقة بين كميات الـ PCBs والدايوكسينات والفيورانات في غذاء الإنسان وانخفاض ملحوظ في أعداد الخلايا الطبيعية القاتلة التي تلعب دورًا هاما في مقاومة السرطان. كما أثبتت دراسة كندية أن تعرض الأطفال للملوثات العضوية الدائمة يعرضهم للإصابة بالالتهابات بنسبة 10 إلى 15 مرة أكثر من غيرهم، ودراسة هولندية وجدت أنها تؤثر في نمو الجهاز المناعي للطفل الذي قد يتسبب في مشاكل مستقبلية من إخماد المناعة والحساسيات والإيدز. وقد وجدت دراسة أميركية أن أطفال بعض الأمهات اللاتي قد تربين على أكل أسماك بحيرة «ميتشيجان» لديهم درجات ذكاء منخفضة مقارنة بغيرهم من الأطفال وذاكرة ضعيفة طويلة المدى وقصيرة المدى بالإضافة إلى درجة تركيز منخفضة. ارتبطت الملوثات العضوية الدائمة أيضًا بانخفاض في أعداد الحيوانات المنوية عند الرجال وزيادة في العيوب الخلقية للجهاز التناسلي وزيادة نسبة سرطان الخصية. أما بالنسبة للحيوانات البرية فقد أثبتت دراسات عديدة علاقة POPs بضعف نمو الجهاز التناسلي فيها وبالتالي علاقتها المباشرة بتعرض الكثير من الحيوانات للانقراض. قدم منتدى الحكومات للأمان الكيميائي في عام 1996 تقريرًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يقرر فيه أنه لا بد من إجراءات عالمية للتقليل من آثار اثنتي عشرة مادة ملوثة عضوية دائمة على صحة الإنسان. ومنذ عام 1997 تتفاوض 100 حكومة على عمل اتفاقية لمنع استخدام هذه المواد على أن تكون الدورة الخامسة والأخيرة لهذه المفاوضات في ديسمبر 2000 في جنوب أفريقيا. من ضمن المشاكل التي على تلك الحكومات معالجتها إيجاد بدائل لتلك المواد التي تستخدم كلها كمبيدات حشرية سواء زراعيا أو لإبادة الناموس. فمثلا في الدول الحاضنة لمرض الملاريا ما زال استخدام الـ DDT منتشرًا. فما زالت دول أفريقيا والهند والاتحاد السوفييتي السابق تستخدم الكثير من الملوثات العضوية الدائمة لإبادة الحشرات والناموس. مشكلة أخرى هي الملوثات القديمة المخزونة بشكل غير سليم التي لا بد من التعرف على أماكنها وتجميعها وتدميرها بشكل سليم حتى لا تؤثر على البيئة. ولهذا يمكن القول إن مشكلة الملوثات العضوية الدائمة مشكلة عالمية وبالتالي لا بد لها من حل عالمي. ولن تكفي اتفاقية عالمية بل لا بد من تعاون جميع الحكومات والمؤسسات الصناعية والجمعيات الأهلية والمستهلكين لمنع استخدام هذه المواد الضارة بالبيئة وبالإنسان والحيوان