تتوالى في عالم النقد والدراسات الادبية الكتب والمقالات المتخصصة التي تبحث موضوع القراءة والقاريء ونظرية التلقي وقيمة النص ودلالته ومعناه، وما الى ذلك من قضايا تستثير قابلية النقاد الى المزيد من الابحاث والدراسات،، فهل يمتلك النص قيمة بذاته ام تقوم هذه القيمة في كاتبه، على رأي من قال: «المعنى في قلب الشاعر» أم ان القاريء هو من يخلع مثل هذه القيمة عليه، أو بالأحرى: ما طبيعة العلاقة بين القاريء والنص الادبي؟ من هذا المدخل تسعى الباحثة الدكتورة سيزا قاسم لتناول قضية القراءة في اصولها المعرفية، ومن منطلقاتها البسيطة وصولا الى العلاقة التركيبية المعقدة التي تقوم ما بين القاريء والنص الادبي، منطلقة في ذلك من فكرة مسلمة تقول ان اللغة هي الملكة التي تميز الانسان عن غيره من الكائنات فكيف يتم استقبالها من قبل الانسان؟ وكيف تنتقل الدلالة من منبع ما الى مستقبلها؟ او كيف يفهم البشر بعضهم البعض؟ وتقر الباحثة ان شأن اللغة شأن كل ما يتعلق بالكيان البشري، لها جانب طبيعي بيولوجي معطى ولها جانب مكتسب، ومن هنا يمكن ان ينطلق التأمل حول التعامل مع اللغة في المجال الانساني، اي في المجال ذي الدلالة. وبطبيعة الحال فإن علم الابستمولوجيا يجيب عن الاسئلة المثارة أعلاه من خلال فرعي السيميوطيقا والهرمينوطيقا، فالاول يسعى الى تعريف العلامات التي يبدعها البشر ويصنفها ويحللها، بينما يسعى الثاني الى كشف الطرق والوسائل التي تمكن من فهم النصوص. والعلمان في الواقع تطوير لعملية القراءة، وتقنين لها، وطرح لجميع المشاكل المتعلقة بها، او هما معا المنهج الذي يمكن ان نسلكه من اجل قراءة العلامات والنصوص. وتقدم الباحثة القراءة على انها عملية تسلق سلم حلزوني تتدرج عليه مستويات القراءة الاربعة، فالطابق الاول يبدأ بالعلامات بكل انواعها تلك التي تدركها الحواس، ويعنى الطابق الثاني باللغة الخاصة بكل نص، ويأتي الطابق الثالث ليهتم بتفسير النص كمرحلة اولية او تأويله كمرحلة ارقى لا تقف عند حدود، اما الطابق الرابع فهو طابق الفعل او مرحلة تحول النص الى معايشة فعلية. وتصل المؤلفة الى تعريف للقراءة على انها خبرة محددة في ادراك شيء ملموس في العالم الخارجي، ومحاولة التعرف على مكوناته وفهم وظيفة هذه المكونات ومعناها. واذا كانت تقر بأنه ليس كل ادراك قراءة، فهي ترى ان القراءة لابد ان تبدأ من نقطة هذا الادراك لواقع محسوس، ثم تنتقل النفس الى تصنيف هذا الواقع الى ما هو قابل للقراءة، وما هو غير قابل للقراءة، واذا كانت بعض الادراكات تتم دون تدخل الوعي، مثل ان اسحب يدي اذا لمست شيئاً ساخناً، فإن القراءة تستلزم قدراً كبيراً من تدخل الوعي، بل اكثر من ذلك فهي عملية ذهنية تقوم على ترجمة عنصر مادي الى عنصر معنوي، فالقراءة في المقام الاول عملية واعية هذا بالاضافة الى انها عملية مركبة ومعقدة ذات مراحل ومستويات متعددة هي الادراك فالتعرف فالفهم ثم التفسير. فالادراك هو مستوى حسي يعتمد على الحواس الخمس، انه ادراك لشيء حسي موجود في عالم الواقع، والتعرف ينطوي على عملية ذهنية تجعل منه علامة مزدوجة البنية، لها جانب حسي مادي، وجانب آخر معنوي وهو الدلالة، اما الفهم فهو محاولة فك شفرة العلامات، وهو المستوى الاولي للتوصل الى الدلالة، وهذا المستوى يتطلب درجة كبيرة من التعلم، حيث ان الدلالة ليست معطى من معطيات الشيء او صفة من صفاته، ولكنها تسند اليه بفعل الاصطلاح والمواضعة، وقد تتوقف القراءة عند هذا المستوى الثالث، عند فك شفرة الشيء، ولكن في احيان اخرى تكون هذه الدلالة مبتورة أو مغلوطة، وعندئذ لابد من محاولة معرفة ما اذا كانت الدلالة المتعرف عليها غير كاملة، ولذا لابد من البحث عن شفرة جديدة تكمل الشفرة الاولى وتوصل الى المعنى الثاني او معنى المعنى. ويأتي الفصل الثاني بحثا في ابعاد السيميوطيقا، حيث تقف المؤلفة عند المعنى الدلالي الكامن عادة خلف النصوص الكثيرة القائمة في عالم الثقافة، اذ يمكن القول ان من آليات الثقافة الاساسية تحويل الاشياء الطبيعية الى ظواهر سيميوطيقية، ولكل ثقافة نظامها السيميوطيقي الخاص، تحدد نفسها من خلاله، كما تحكم على الآخر. وتصل الباحثة على ان العلامات السيميوطيقية مقننة تقنيناً ثقافياً محدداً ولا يمكن التوصل الى دلالتها إلا من خلال التعلم، لا التعلم النظري ولكن التعلم الحياتي، او الممارسة الفعلية، لذلك لم يكن كتاب الفرنسي رولان بارت «امبراطورية العلامات» في رأيها موافقا لوجهة نظر اليابانيين لانه كتب من زاوية ثقافية مختلفة، اقل ما يقال فيها انها تجهل المنظومة الثقافية للآخر، وتدرس الباحثة طبيعة النص السيميوطيقي مفرقة من حيث المفهوم بين الظاهرة والعلامة فالظاهرة السيميوطيقية هي كل ظاهرة لا تندرج تحت اطار الظواهر الطبيعية، اما العلامة السيميوطيقية فهي الوحدة التي تتكون منها الشفرات المختلفة، ثم تنتظم هذه العلامة مع غيرها لتكوين النصوص. وبالتالي فإن العلامة في تعريفها البسيط ما هي إلا شيء مادي يستدعى الى الذهن شيئاً معنوياً، والدلالة كمفهوم تتعامل حصراً مع اللغة، بمعنى ان العلامة السيميوطيقية، ايا كانت الشفرة التي تنتمي اليها لا تكتسب دلالة إلا من خلال ترجمتها الى علامات لغوية. ان اللغة الطبيعية في رأي المؤلفة هي النظام السيميوطيقي الوحيد الذي ينطوي على دلالة، اما باقي الانظمة فتكتسب قيمتها الدلالية من خلال ترجمتها الى علامات من اللغة الطبيعية، ومن هنا تتحدث الباحثة عن تعدد الشفرات وطبيعتها، وبالتالي تعدد دلالتها المرتبطة اساساً بالدلالة اللغوية، وتخلص الى ان القواعد السيميوطيقية هي الطريقة التي تنظم بها كل ثقافة آليات العلامات للاشارة الى نفسها، ولذلك يمكن القول ان العلامة السيميوطيقية اصطلاحية في اساسها ومقننة وان الفرد لا يملك القدرة على ايداع علامات سيميوطيقية ولكنه قادر على شحن هذه العلامات بدلالات خاصة به في صيغ الخطاب المختلفة، وتختلف نوعيات الخطاب وتصنف طبقا لشفرات محددة ثقافيا. ولكل ثقافة شفراتها الخاصة بها والمحددة بعلامات وغياب مثل حضورها له دلالة ايضا، وهنا ينشأ في الانظمة السيميوطيقية ما يعرف بثنائية الغياب/ الحضور. في الفصلين الثالث والرابع تناقش الكاتبة سيميوطيقيا المكان والزمان اللذين يمثلان على مستوى الملاحظة المباشرة في حياتنا اليومية الاحداثيات الاساسية التي تحدد الاشياء الفيزيقية، كما تتناول علاقة الزمان بالمكان وتداخلهما اذ نستطيع ان نميز بين الاشياء من خلال وضعها في المكان، كما نستطيع ان نحدد الحوادث من خلال تأريخ وقوعها في الزمان، وتفصل الكاتبة في دلالة المكان في اللغة، ثم تتناول المكان في معلقة امريء القيس وكيفية تشكله ودلالة اسمائه، وتستأنف تأصيلها البحثي بدراسة معمقة في الزمان ولغزه لدى مختلف الثقافات الانسانية، واتجاهات التطور الزمني، وانماط الازمنة، وكيفية تصور المفكرين والفلاسفة والشعراء للزمن، وكيفية تجلى البنيات السيميوطيقية الزمنية في عدد من الاعمال الفنية في مختلف الثقافات، مركزة بصورة اساسية على شعر المعلقات الجاهلية. في الفصل الخامس من الكتاب تبحث المؤلفة في العلاقة بين القاريء والنص، تلك العلاقة الموجودة في جميع فروع المعرفة فتجد انها إما ان تكون علاقة سيطرة او تبعية أو تكافؤ بين القاريء والنص، وان هذه المستويات الثلاثة تتحقق بطرق واشكال مختلفة، وتخص بالبحث مستويات القراءة عند العلماء المسلمين، وتتوقف مطولاً عند كتاب «البرهان في علوم القرآن» للزركشي، فتشرح منهجه في القراءة الذي طبقه على النص القرآني، وتخرج من ذلك الى دراسة مستويات القراءة عند العلماء المسيحيين التي تتم بين الاستاذ والمريد، كما في العالم الاسلامي فنجد قراءة الاستاذ وقراءة المريد والقراءة الخاصة.. وصولا الى مرحلة الفهم وفهم الفهم، وهو منبع الدلالة، والحقيقة ان الباحثة ستظل تقود فصول الكتاب متدرجة في عرض مفاهيم القراءة ونظرياتها الى حين الوصول الى سؤال مهم ألا وهو: من اين تتبع الدلالة؟ هل تنبع من المتكلم، أم من القاريء ام من النص؟ وتخوض في تناول هذه الاقطاب الثلاثة وتشكيلاتها التاريخية وتحولاتها في العصر الحديث، حيث توارى الاهتمام بالمتكلم في مقابل ظهور القاريء كمحور اساسي للبحث في الدلالة، فلم تعد دراسة النصوص محاولة لتفسير النص المعتمد على التوصل الى قصد المتكلم، بل محاولة معرفة آليات الفهم ذاتها، وهذا التحول آثار الكثير من المشكلات التي لم تكن مطروحة من قبل، منها الاطار الاجتماعي والثقافي والحضاري الذي ينتج فيه النص، مقارنة بالاطار الذي يستقبل فيه، ذلك في الوقت الذي بدأت تتسلل فيه الى دراسة النصوص مفاهيم النسبية التي مؤداها ان كل منتج ثقافي مشروط بظروف انتاجه الثقافية واللغوية، والزمانية والمكانية، واذا كانت الاجابة عن سؤال منبع الدلالة في الماضي اجابة قاطعة تقول انها تنبع من المتكلم، أو من قصد المتكلم في ايصال رسالة معينة، فقد اصبحت الاجابة اليوم مفتوحة، تتراوح بين الخيارات الثلاثة الآنفة. ومن خلال المقدمات السابقة تصل الباحثة في الفصل السادس الى الحديث عن النص الاصلي والنص الموازي انطلاقا من ان الفهم ليس من المعطيات المباشرة للتواصل مع النص، اذ كثيراً ما نخطيء الفهم، او ان الكلمات قد لا تعني الشيء نفسه بالنسبة لمختلف الناس، فعالم الخبرات البشرية اكثر اتساعاً من عالم اللغة. ومن بين الشروح المتعددة لنصوص التراث الادبي العربي تقف الباحثة عند مثل تطبيقي لدراسة منهج ابداع مثل هذه النصوص الموازية، وهو شرح الشريشي على مقامات الحريري، الذي جاوز الالفي صفحة في خمسة مجلدات، من خلال تحليل تفصيلي لهذا الشرح الذي ابدع في نظر المؤلفة صيغة متكاملة من شرح النصوص الادبية تفوق بعض شروح الشعر التي اشتهرت في التراث فتقف عند منهج الشريشي، مستخلصة اياه من تقديمه المطول، وتبين كيف عمد الى تأصيل النص الذي يبغي دراسته، وهو ما يعرف بتحقيق المتن، ليصل الى العمل الاساسي وهو الشرح الموازي للمتن، والذي اهتم بالمستوى البلاغي للنص، وبذخيرته الكبرى من الاقوال والامثال والاخبار والنوادر والقصص والمواعظ، ومختارات كثيرة من الشعر العربي وخاصة الاندلسي وكان هذا في المستوى اللغوي، لكنه ـ اي الشارح ـ تجاوز هذا المستوى أو اطار النص ليربطه بالعالم الخارجي، او عالم الاشياء التي تشير اليها العلامات، اي المشار اليه فنظر جغرافيا الى موضوعه ليصله بالشرح، فتحدث عن المدن والامصار والحكام وتقلبات العصور، واهتم بأخبار الرجال والنساء الذين ورد ذكرهم في المقامات وعرّف بالامكنة واقدارها واشخاصها وبالمشاهير من الادباء والابناء، ذاكراً انسابهم وامكنتهم وأخبارهم وحرفهم وآثارهم ومدنهم. وهكذا بينت الباحثة لنا في معرض حديثها عن الشرح الاستطرادي المتمم لمتن الحريري ان من اوصاف النص الفني ومميزاته انه لا ينتهي بانتهائه ولا ينغلق على نفسه ولا يتحدد بحدوده بل انه يتشعب خارج كلماته والفاظه وصوره، بأن يستدعي غيره من النصوص التي دارت حول الموضوعات نفسها، فالادب سلسلة متواصلة من النصوص لها علاقة وثيقة بعضها ببعض، وتنعطف الباحثة الى الحديث عن منهج الشريشي في شرحه مستخلصة اياه من التطبيق، فتنظر في الخطوات الاجرائية التي قام بها، بدءاً بالشرح الداخلي للمتن المتضمن شرح المفردات وما فيها من آليات الترادف والتعريف والاشتقاق ورد المعنى الى الاصل والاستشهاد والتفسير المجازي وشرح العبارات وصولا الى الشرح الخارجي للمتن وهو ربطه بكل الظواهر الخارجية المحيطة به وقوفا عند التفسير من خلال ظاهرة التناص. في الفصل السابع والاخير من الكتاب تتناول الباحثة القراءة في التصوير والادب، فتتحدث عن العلامات في اللغة والعلامات في التصوير، ومن اجل توضيح افكارها تتوسع في مفهوم القراءة ليشمل كل الاشياء التي حولنا، وليس مجرد قراءة نص ادبي او كتاب او صحيفة وتنطلق في ذلك من تعريف واسع للقراءة من انها خبرة محددة في ادراك شيء ملموس في العالم الخارجي، ومحاولة التعرف على مكوناته وفهم هذه المكونات ووظيفتها ومعناها، لكنها تؤكد مع ذلك انه ليس كل ادراك قراءة، ولكن القراءة لابد ان تبدأ من نقطة هذا الادراك لواقع محسوس، ثم تضيف هذا الواقع الى ما هو قابل للقراءة وما هو غير قابل للقراءة، والفصل في ذلك هو ان القراءة قبل كل شيء عملية واعية، اي ان الادراك العفوي لمعطى ما لا يمكن ان يعد قراءة هذا بالاضافة الى ان القراءة عملية معقدة ومركبة وذات مراحل ومستويات متعددة. ان القراءة هي الكفاءة التي يكتسبها البشر لحل لغز الرسائل المختلفة التي تبث اليهم في محيط حياتهم وتفصل عقب ذلك في الطرائق التي تستقبل بها الكلمة والصورة متحدثة عن البعد الصوتي للغة في مقابل البعد البصري للصورة ومقارنة بين العلامة اللغوية والعلامة التشكيلية، وكيفية فك الشفرة أو الانتقال من الدال الى المدلول، وتنبه الباحثة من المستوى الخطر في القراءة وهو مستوى التفسير، فليس كل نص ادبي قابل للتفسير ولا كل لوحة ايضا، هناك نصوص ناصعة شفافة تفرض علينا دلالتها منذ الوهلة الاولى فالنصاعة والوضوح من مقوماتها الاساسية وانا نقتلها قتلا اذا ما حاولنا تفسيرها، فالعمل الابداعي بطبيعته يثور بالشروح والتأويلات، وقد يذهب الى حدود لا متناهية في تحديها والخروج على سطوتها واذا كانت الباحثة ترفض لي عنق النصوص فإنها لا ترفض بأي شكل من الاشكال محاولة تعميق الفهم الاولي للعمل الابداعي، فهذا التعميق هو الطريقة الذهنية لاختبار العمل الفني ومعايشته، وقد يصاحب التلقي، او يتبعه فيعطيه ابعاداً جديدة، وعلى اية حال فعندما تتم القراءة نكون وجهاً لوجه مع العمل الابداعي، لذلك يقال ان القراءة نشاط انفرادي، حيث يجد القاريء نفسه في عزلة مع المقروء، ولكن هذه العزلة في الواقع عزلة وهمية، اذ يحيط بالعمل الابداعي والقاريء غلاف كثيف من القيود والاغلال والمحظورات والافكار المسبقة والآراء والتفسيرات والتأويلات الى غير ذلك من الاصوات التي تعلو او تخفت، وهذا ما يتعارف عليه باسم المجال الثقافي الذي يظل القاريء مرتهنا به، فيأتي انتاج العمل الابداعي واستقباله ايضا منبثقاً من هذا المجال بكل ما فيه من نسبية وتنوع وانفتاح على العمق والسعة، الامر الذي يجعل التأويل بحد ذاته فضاء رحبا للنص الادبي، تنتفي قيمته اصلا بانتفاء وجود مثل هذا الفضاء. محمد عبدالواسع