يطمح هذا الكتاب لجعل النقد الأدبي عملية مماثلة لعملية الابداع، وهذه العملية لا تتم الا اذا تحرر الناقد من أسر المفاهيم الجاهزة والمسبقة التي يسقطها على النصوص الأدبية، بغض النظر عن اختلاف هذه النصوص، ويؤكد ان المفاهيم الجاهزة ومن ثم الأحكام الجاهزة هي عملية تجاوزها الزمن، وكانت وليدة لحظة تاريخية وثقافية من حيث هي مفاهيم ترى في الايديولوجيا اداة منهجية في التفسير. ويشير المؤلف د. رمضان بسطاويسي أستاذ علم الجمال بجامعة عين شمس الى أنه قد استفاد في محاولته في هذا الكتاب «الابداع والحرية» لجعل النقد عملية مماثلة لعملية الابداع استفاد من الفكر الفلسفي الراهن، وفلسفة التأول، ولاسيما عند الفيلسوف «رورتي» الذي سبقه في هذا المضمار الفيلسوف المعروف «رولان بارت» في كتابه الهام «أساطير». ويحدثنا المؤلف ان محاولته هدفها تطوير ما يسميه «بالنقد الثقافي» الذي يقوم بتأويل النصوص من منطلقات أوسع من النقد الأدبي بالمفهوم الضيق، فالنقد الثقافي يستفيد من العلوم الانسانية والاجتماعية في فهم ظاهرة الأدب فهو يستفيد من الفلسفة وعلم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع والمنظور الثقافي، بمعنى الخروج من أفق التخصص الضيق الى رؤية النص من منظور أشمل، مبتعدا عن الصيغ والقوالب الجاهزة في تفسيره، فما كان يطلق عليه «المنهج» أو المنظور الذي يدرس النص من خلاله، أصبح في الحقيقة عائقا عن اكتشاف النص وما يثيره من أفكار. يتكون الكتاب من مقدمة وأربعة أبواب، في الباب الأول يتناول المؤلف انطولوجيا الابداع من منظور ثقافي ويتحدث عن دلالات الصمت في الفكر الديني والفلسفي، ومفهوم الجنون في الفكر العربي، والخطاب الثقافي للابداع الأدبي عند نجيب محفوظ. وفي الباب الثاني يتناول ثقافة ما بعد الحداثة والعولمة، ويتساءل: هل العولمة توصيف مرحلة جديدة أم فلسفة جديدة؟ ويناقش اشكالية العلاقة بين العولمة والثقافة الوطنية كما يتحدث عن جماليات الشعر وما لحقها من تغيرات في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة. أما الباب الثالث فيخصصه بسطاويسي للعلاقة بين الجسد والابداع، أو تجليات الجسد في الابداع العربي، وأخيرا يأتي الباب الرابع ليقدم مجموعة من الدراسات في علم الجمال. وطالما ان الابداع هو صنو الحرية، والحرية هي الشرط الأساسي لوجود الابداع، الأمر الذي جعل المؤلف يعنون كتابه بالمفردتين معا.. الحرية والابداع، فإن الصمت هو دليل افتقاد الحرية وهو عنوان موت الابداع كما يري بسطاويسي وهو أي الصمت «صورة من صور رفض الحوار، وهذا الرفض يدل على اللامبالاة، واللامبالاة متساوية مع التمويه والتشويه والزيف الفكري» أما الجنون في الفكر العربي فإن قد يصبح وصفا أو تعبيرا عن مخالفة الناس في عاداتهم والاتيان بما ينكرون. وفي الفصل الثالث يقدم المؤلف دراسة هامة عن الخطاب الثقافي للابداع الأدبي عند نجيب محفوظ ويرى فيها ان الخطاب الثقافي الذي تطرحه أعمال نجيب محفوظ يجسد الفلسفة بالمفهوم المعاصر التي لم تعد تقتصر على التصورات المجردة وإنما تعكس الواقع المعيش، ولهذا فإن أعمال نجيب محفوظ بهذا المعنى تقدم فلسفة أو خطابا ثقافيا عبر عن فاعليات اجتماعية في الواقع وتطرح برنامجا أو مشروعا يمكن ان ينهض الواقع على أساسه، وقد كان نجيب محفوظ حريصا على تقديم رؤية للتيارات الثقافية التي تتحرك في الواقع الاجتماعي دون الوقوع في أسر التفسير المسبق. وفي الباب الثاني يرصد المؤلف ويحلل مجموعة من الاطروحات الفكرية التي تناولت العلاقة بين الثقافة العربية والعولمة لكنه يخلص الى القول بأن الثقافة الوطنية والهوية القومية الآن في موقف «اختبار قاس» نتيجة للتطور التكنولوجي الاتصالي المعلوماتي الهائل، وهذا التطور سوف يكشف عن الطريقة التي تتعامل بها الثقافة الوطنية مع طرق التفكير وطريقة الحياة وانفاق الوقت والمشاركة في صنع القرار الثقافي والسياسي والاجتماعي، وهذا الاختبار يمكن ان يدعم الثقافة الوطنية اذا حاولت ان تعدل من سلوكها ليتفق مع الفطرة الانسانية، ويوسع من مجال المشاركة السياسية والاجتماعية ويعدل من التفكير ليكون صالحا في عالم يقترب فيه الانسان من حل كثير من الغاز الكون وأن يفهم الدين بوصفه عقيدة ومسئولية والتزاما. أما اذا لم تحاول الثقافة الوطنية ذلك فإنها تحاصر نفسها في وقت أصبح فيه من غير المتاح لأي انسان أو أي دولة ان يعزل نفسه عما يحدث في العالم. وينقلنا المؤلف الى صورة الجسد في الثقافة المعاصرة حيث يتم النظر اليه ـ الجسد وليس المؤلف ـ بشكل تجريدي وكأنه مادة ما ويتم تفريغه من طابعه الرمزي وهذا يعني تفريغه أيضا من البعد الاخلاقي للجسد الأمر الذي جعل الكثير من النصوص الحداثية وما بعد الحداثية تنتهك الجسد وتقدمه بلا أي أبعاد رمزية أو أخلاقية. فتحي عامر