صدر في السنوات الاخيرة العديد من الكتب والدراسات العربية التي تبحث في القضية الكردية وعلاقة الاكراد بالدول والشعوب ، المعنية بقضيتهم، وقد تراوحت هذه الكتب بين محاولة تشخيص القضية الكردية وعلاقتها بالتطورات والأحداث الجارية في المنطقة وآفاق هذه القضية وابعادها الاقليمية في ضوء مسيرة هيمنة القطب الواحد. كتاب: «القضية الكردية بين الواقع والطموح» للباحث السوري ممدوح الزوبي واحد من الكتب التي رصدت هذه القضية وآفاقها في ضوء اعتقال عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، احتوى الكتاب على مجموعة من الفصول والعناوين إلا انه يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول: يتعلق بخلفيات اعتقال أوجلان ودور العديد من الدول في عملية الاعتقال بعد أن أصبح أوجلان رجلاً مرفوضاً من قبل «النظام الدولي الجديد» ومصدراً للتوتر في العلاقات التركية بدول الجوار الجغرافي، الثاني: يتعلق بالكرد كقومية وشعب وهوية وثقافة ووجود تاريخي توزع بين العديد من الدول، ومع ان كل عنوان من العناوين المذكورة يحتاج إلى كتاب أو بحث مستقل فإن الباحث جمع كل ذلك في كتاب لم يزد عدد صفحاته على مئة وخمسين صفحة من القطع الوسط. يرى الباحث بأن اعتقال أوجلان والانعطاف الذي حصل في مسيرة حربه بعد ذلك كانا من متطلبات أو ترتيبات «النظام الدولي الجديد» ومع ان هذه الرؤية نابعة من قراءة واقعية لمجرى الأحداث والتطورات الجارية في العالم فإن طريقة تناوله لقضية أوجلان جاءت في صيغة عاطفية ثورية، إذ اتسمت مادته بالتقريرية نظراً لاعتماد الباحث في مادته على التقارير الاخبارية التي بثتها وكالات الانباء عقب اعتقال أوجلان والملابسات التي رافقت ذلك بسبب تعدد الاطراف التي شاركت فيها والغموض الذي يكتنف دور كل طرف. وعلى الرغم من هذا الطابع التقريري فإن الباحث نجح في تقديم قراءة واقعية لقضية اعتقال أوجلان بوصفها دراما سياسية نتجت عن اصطدام الأماني الكردية بالأيديولوجية الاتاتوركية التي حولها جنرالات الجيش إلى سيف لاجتثاث الحركات القومية والدينية في البلاد. يخلص الباحث في نهاية هذا القسم إلى التأكيد على ان القضية الكردية في أبعادها السياسية والأمنية والاجتماعية تتجاوز أوجلان/ الرمز ـ الزعيم ـ المتمرد... فهي قضية شائكة، موغلة في القدم، أثبتت التجربة التاريخية من جهة عقم الأساليب الأمنية الاقصائية في معالجتها، ومن جهة ثانية أثبتت عمق تعلق الاكراد بموطنهم التاريخي، وقدرتهم على استئناف النضال والعنف في سبيل مطالبهم السياسية وحقوقهم القومية. وفي القسم الثاني يعرض الباحث أهم النظريات والأبحاث التي تتعلق بأصل الأكراد وبنيتهم الاجتماعية ومناطق انتشارهم ووضعهم في الاتفاقات والعلاقات الدولية، مع سرد لأهم الانتفاضات والثورات التي قاموا بها خلال القرنين الماضيين. وفي الواقع، الجهود التي بذلها الباحث في هذا الصدد من خلال الرجوع إلى المصادر التاريخية ومحاولة تقديم مضمون مختصر للنظريات والأبحاث التي حاولت تحديد أصول الشعب الكردي، ابتداءً من الروايات التي تشبه الأساطير وانتهاء بالدراسات التاريخية التي كتبها المؤرخون الروس واليونانيون والأوروبيون.. هذه الجهود تكشف عن قصور عربي في هذا المجال، يتمثل في غياب الدراسات العربية عن الأكراد الذين يعيشون منذ الأزل إلى جانب العرب، يشاركونهم وحدة الانتماء الحضاري، فضلاً عن وحدة الدورة الاقتصادية والاجتماعية في قلب منطقة تتجاذبها التيارات الدينية والقومية، واشكاليات العولمة ومصالح الاطراف الاقليمية والدولية، ولعل غياب مثل هذه الدراسات هو الذي دفع بالباحث إلى الاعتماد على المصادر المترجمة، وبما ان معظم هذه المراجع مترجمة وقديمة فإن المعلومات التي أوردها الباحث حول عدد الاكراد والمجتمع الكردي والبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحزبية هي معلومات قديمة غير كافية لبناء رؤية شاملة عن القضية الكردية خاصة وان الباحث تجاهل عن قصد أو غير قصد وضع الاكراد في العراق وسوريا بينما خصص فصولاً عن أكراد تركيا والعراق والاتحاد السوفييتي السابق! إلا ان كل هذا لا يقلل من أهمية الكتاب بعد ان بلغت القضية الكردية مستويات أمنية وسياسية واجتماعية لم يعد بالامكان تجاهلها أو القفز فوقها، نظراً لخطورة ذلك على الأمن القومي العربي، ما لم تكن هناك سياسة عربية حيال القضية الكردية. كتاب «القضية الكردية بين الواقع والطموح» محاولة لتأسيس رؤية عربية تجاه القضية الكردية التي هي قضية عربية بشكل أو آخر، نظراً لارتباط هذه القضية بمضمون العروبة، ومصالحها وأمنها القومي». هدى كنعان