لقد انطلق مارد الانترنت من الزجاجة ولن يعود اليها. وفي عالم اليوم، يسعى الجميع للامساك بناصية هذا المارد وما اوجده من فرص امام من يريد الاستفادة منها. وتأتي التجارة والاعمال الالكترونية في مقدمة ميادين التنافس التي فتحتها الانترنت لتطلق بذلك اقتصادا قائما بذاته اصبح يعرف باسم الاقتصاد الجديد. لكن التجارة الالكترونية هي مسرح لتغير سريع ولها قواعدها التي لابد من اتقانها لمن يريد دخول هذا المسرح والسيطرة على سرعة ايقاعها. ومن هنا، تنبع اهمية الكتاب الذي بين ايدينا والذي له عدة مؤلفات في مجال المال والأعمال والعولمة وما يتعلق بها من قضايا قانونية وادارية. لا شك ان الانترنت وتكنولوجيات المعلومات، هي ثورة في الطرق والوسائل التي نتواصل بها او نتعلم ونعمل من خلالها، او نتسوق او نلعب او نلهو بها. ولا شك ان التجارة هي التجارة منذ القدم، وحتى الآن، فهي لن تتغير، ولكن الذي تغير هو عامل السرعة، والوسيلة او الوسائط التي يتم استعمالها لابرام اي صفقة تجارية، فالانترنت تساعد على تسريع عقد الصفقة، وتختصر الوقت والجهد، وتقلل من حجم الاوراق والملفات الورقية، وبالتالي تعمل على خفض تكلفة التعاقد، اللهم الا من اتعاب المحامين والمستشارين القانونيين، وبالتالي فهي تساعد على تسريع نمو الاقتصاد بشكل عام. والانترنت قللت من التكلفة، وبالتالي فإن الاسعار استقرت او انخفضت مما جعل هذه الميزة، هي من اهم ايجابيات الانترنت التي تحد من التضخم او تعمل على وقفه وتثبيته عند حد معين، ناهيك عن ان دورة الاقتصاد باتت قصيرة جدا، وكل ذلك لأن الانترنت خفضت تكلفة الاتصالات، لقد افرزت العولمة ونظام اقتصاد السوق، تقسيمات جديدة تختلف عن التقسيمات القديمة، وتقوم التقسيمات الجديدة، على التكنولوجيات الجديدة حيث يلاحظ من خلال واقع التقسيم الجديد لخريطة العالم، ان شريحة صغيرة لا تتعدى نسبتها الـ 15% من سكان العالم، هي تقريبا المزود الوحيد لكل الابتكارات التكنولوجية المنتشرة بالعالم، انهم الذين تمكنوا من الاستفادة منها، وتسخيرها في جانبي الانتاج والاستهلاك بنحو 5%. اما الشريحة الكبيرة، وفيها الثلث الاكثر فقرا، فما زالت في حالة عزلة كاملة عن عالم التكنولوجيا وتشمل جنوب المكسيك وبعض جيوب اميركا الوسطى، ومعظم المنطقة المدارية في البرازيل وافريقيا جنوب الصحراء ومعظم الاتحاد السوفييتي السابق، وكمبوديا، والمقاطعات النائية في الصين، وبعض الولايات الهندية، وهي جميعها من العالم الثالث. للخروج من هذا المأزق يقترح كوفي عنان، الامين العام للأمم المتحدة، ان على الدول النامية، ان تهييء المناخ الاقتصادي والاجتماعي الصحيح من اجل استيعاب عناصر التقنية الحديثة، التي لم تكن تحت متناولها في السابق، وهذا القول ينطبق بشكل خاص على تقنية المعلومات التي لا تتطلب اعدادا هائلة من الاجهزة او قدرا كبيرا من رأس المال او حتى الطاقة (وهي نظيفة على البيئة نسبيا ايضا). والأمر الذي تتطلبه هو القوة الدماغية، وهي السلعة الموزعة بالتساوي بين الشعوب في العالم، وبتوظيف استثمار ضئيل نسبيا ـ وهو بالاساس استثمار في التعليم الاساسي وان نجلب جميع انواع المعرفة الى متناول ايدي الفقراء، وان نتيح للدول الفقيرة فرصة القفز عن بعض مراحل التطور الطويلة والمؤلمة، التي اضطر الآخرون الى المرور بها. هذا الاقتراح جميل، ولكن الاجمل منه هو الغاء الديون عن العالم الثالث، حتى لا تفلس الدول، وتكون هناك ثورات للجياع كما هو الحال في الارجنتين، والزام الشركات العالمية، ودول الشمال بدفع مبالغ تعويضية عما استنزفوه في الايام الخوالي من هذه الدول من اجل النهوض بالتنمية، بالاضافة الى اقامة الميزان والعدالة واعطاء الشعوب حقها في تقرير مصيرها كالشعب الفلسطيني، فالتنمية بدون لقمة العيش وبدون الحرية لن تقوم. من المعروف ان الولايات المتحدة تسيطر على 80% من التجارة الالكترونية في العالم، وهو ما يشكك بعالمية هذه الظاهرة، وهو يعني ان الهدف الرئيسي للتجارة الالكترونية، هو فتح مزيد من الاسواق لكل المنتجات التي تستعمل في بناء الانترنت وشركات الدوت كوم والتجارة الالكترونية، بهدف بيع هذه المنتجات من كمبيوترات وآلات طابعة، وبرامج، ومستلزمات تشبيك، وانظمة، وغير ذلك الكثير. فما معنى ان تملك وتسيطر الولايات المتحدة على 80% من منتجات البنية التحتية للانترنت والتجارة الالكترونية، والتي اصبحت ذات عمر افتراضي قصير جدا، فلا بد من تصريف لهذه المنتجات قبل ان ينتهي عمرها الافتراضي، وتصبح هالكة لا قيمة لها. تهدف الانترنت الى ربط سكان الارض بعضهم ببعض الكترونيا، وتصبح البيانات تدور عبر الكمبيوترات آلاف المرات، وتزداد قيمة الانترنت والتجارة الالكترونية، بزيادة عدد الناس الذين يرتبطون بهذه الشبكة عن طريق كمبيوترات خاصة، لكل واحد، وهو ما يجعل كل شخص مكشوفا للآخر، وتصبح الانترنت بالنتيجة هي العقل الجماعي لعموم البشر ومن يسيطر على الانترنت او على هذا الشيء المشاع كما قلنا، سيسيطر على جميع عقول البشر المرتبطين بالانترنت، فهي ثورة الثورات، وهذه الثورة ادت الى عدة متغيرات اهمها: 1 ـ المنافسة المميتة بين الشركات المتعاملة بالتكنولوجيا والشركات و الدوت كوم وهذا سيؤدي الى سقوط ضحايا كثيرين. 2 ـ الدورة الالكترونية، وهي البرامج التي تسيطر على كل جوانب، ومجالات اعمال الشركات من العمالة والانتاج الى التسويق والمحاسبة، وربط الموردين وتجار الجملة والتجزئة والعملاء بحيث اصبحت الشركة، انسانا آليا، يقوم بكل هذه الوظائف، تماما مثل ما حدث في عمال الحاويات ففي عام 1970 كانت تحتاج السفينة الى 108 عامل لافراغ حمولتها خلال 5 ايام، ثم جاء عصر استعمال الحاويات على السفن، فأصبحت السفينة تحتاج الى 8 عمال فقط لافراغ السفينة في يوم واحد اي بانخفاض بنسبة 98.5% في ايام العمل بالنسبة للعاملين، وهذا ما ادى الى صراع بين النقابات العمالية واصحاب الشركات. 3 ـ الانتاج لصالح الغير، فالهند تستطيع توفير اعداد كبيرة من مواطنيها للوظائف المتعلقة بالبرامج وتكنولوجيا المعلومات لصالح الشركات الغربية، ويفترض احد الخبراء ان نحو 5 ملايين وظيفة من وظائف الشركات الغربية سوف تذهب الى الهند، والتي يصل متوسط الراتب شهريا فيها 20 الف يورو سنويا. 4 ـ تسريع دورة الشراء بين الشركات من خلال الشبكة الرقمية، وربط الموردين بها كما هو الحال بالنسبة لجنرال موتورز وديمر كرايزلر للسيارات، حيث اعلنوا عن ربط 10 آلاف من الموردين في شبكة واحدة على الانترنت، حيث يشمل هذا الربط معاملات منتجات قيمتها 250 ملياراً، مما جعل دورة الشراء سريعة جدا. 5 ـ انكماش الزمن واختصار الوقت لقد استغرق الراديو حوالي 37 سنة ليصل الى 50 مليون مستمع، في حين ان الانترنت استغرت 5 سنوات للوصول الى العدد نفسه. 6 ـ شبابية الانترنت، يجب الا نغفل عن ظاهرة مهمة، وهي ان مرتادي الانترنت، هم من فئة الشباب، فهي منهم واليهم، وهي نوع من الثورة الدائمة، التي يقرر فيها الشباب الاتجاه الذي سيقصده بدون رقابة ومركزية سواء للاسرة او الدولة، ليصبح لدينا عالم الشباب الرقمي المتحرر من الافتراضات السابقة والموروث التاريخي، فقد اصبحت القوة الرقمية قوة طبيعية تجذب الناس الى تناغم عالمي اكبر، على حد تعبير خبير الانترنت روجر نيكولاس، حيث يقول ان اجهزة الكمبيوتر ستعدل وتحول على نحو كبير نوعية الحياة بوجودها الكلي لا في العلوم فحسب وانما في جميع مناحي الحياة اليومية، وهو من الفئة التي تقول ان الاطفال هم اقدر فئة على الانسجام مع تقنية المعلومات. تمجيد السرعة كعقيدة جديدة، فالاسرع يلتهم الابطأ والسرعة امر جيد وتقرب الناس من عالم الفعل والسرعة هي التي تحرر الناس من اجسادهم وتمنحهم امكانية الوصول والتواصل مع الآخرين على مدار الساعة ويقول آلين مارلين احد المدافعين عن الانترنت «الحقيقة هي ان العالم الجديد القريب منا يجلب معه فرصة قوية لولادة جديدة لمجتمع مبنى على نطاق انساني وفي ذلك العالم لن يكون الكبير هو الذي ينتصر على الصغير وانما ستكون المواجهة بين البطيء والسريع». تدار الانترنت من قبل هيئآت ومؤسسات كالهيئة المسماة بكونسوريتوم شبكة الويب العالمية والمجموعة الهندسية الخاصة بالانترنت التي يشار اليها بالاختصار IETF ومجموعة التوجيه المتمثلة في المنتدى الذي اسس عام 1991 والذي عقد في دبي في فبراير 2001، حيث اطلق الاصدار السادس لبروتوكول الانترنت IPV6 ومؤسسة الانترنت للارقام والاسماء، وهي هيئات خاصة تطوعية تنظم نفسها بنفسها ولا تخضع قراراتها لاي جهة قانونية او قضائية او اي جهة رسمية محلية او عالمية. لقد نجحت الانترنت بشكل سريع وتواصل نجاحها لانه لم يكن بالامكان فرض اي نوع من انواع الرقابة عليها فكانت شبكة حرة، غير خاضعة لشرط او قيد او رقيب، وهذا لا يعني ان الانترنت محررة من التنظيم واللوائح والبروتوكولات وعلى غير العادة، فقد بدأ تنظيم الانترنت من القاعدة وليس القمة حيث تشكلت مؤسسات وهيئات للانترنت كالهيئة التي تعرف باسم كونسوريتوم شبكة الويب العالمية، بالاضافة الى مجموعة الهندسة الخاصة بالانترنت التي تقوم بتطوير المعايير التقنية للانترنت، ومنها اتفاقيات الاتصالات، حيث يتم الموافقة على تلك المعايير من هيئات عليا تشرف على مسألة تسجيل الاسماء والارقام. لقد كان مهندسو هذه الشبكة، قد وضعوا قواعد اساسية، لضبط ما يقال على الشبكة، وكانت القاعدة الاهم هي «ان كل فرد من المجموعة يستطيع ان يقول ما يشاء وان كل ما يقال ليس له صفة رسمية». وقد استمر هذا المبدأ في المجموعة الخاصة بهندسة الانترنت بالاضافة الى مبدأ الاغلبية، ونتج عن هذا المبدأ مبدأ اخر وهو ان كل فرد يستطيع ان يكون عضوا في هذه المجموعة، بدون بطاقة عضوية وبدون رسوم، وبدون اتصالات سرية، بل مجرد اشتراك من خلال البريد الالكتروني لموقع المجموعة الهندسية، وهذا لا يمنع من ان تتفاعل وتلتقى المجموعة بالواقع الفعلي ويتم انتخاب الاعضاء على اساس لما لهم من الاهمية والوزن والاحترام، والذين يقومون بتقديم اقتراحات بشأن المعايير، حيث يتم بعد ذلك الاستماع الى وجهات نظر الجميع فاذا توصلت المجموعة الى قرار يقوم فريق البحث الهندسي، بمسألة التعميم العلني والعام ومن ثم الموافقة عليه بعيدا عن البيروقراطية وتتم الاجتماعات بالاغلبية المطلقة. السؤال الذي سوف يبقى من دون اجابة، هل سيتمكن المجتمع الدولي من الوصول الى اتفاقيات ملزمة بشأن معالجة التخريب والاختراقات والفيروسات سواء كان ذلك على المستوى التقني او التشريعي. لا يوجد مالك للانترنت ولا مشغل لها فهي كالهواء مشاع لكل الناس وعرفنا انها تدار من قبل هيئات ومجموعات تطوعية تنظم نفسها بنفسها دون اي مرجعية لاي جهة قانونية او قضائية، فانه ينبغي ان نعرف حدة المنافسة على الانترنت. فما ان انطلقت ثورة الانترنت في اواخر القرن العشرين من الولايات المتحدة الاميركية والتي لاتزال في الصدارة من حيث التجارة الالكترونية وتكنولوجيا المعلومات حتى بدأت الشركات من اوروبا واليابان بالمنافسة ومع ذلك فانها ضعيفة فأميركا مجتمع حر وبرجماتي وذو بيئة مجهزة ومنشطة للابتكار والاختراع والتجديد وبشكل خاص مع وجود وادي السليكون في كاليفورنيا. وتحاول بعض الشركات الاوروبية واليابانية اللحاق بالشركات الاميركية، لان الشركات الوليدة في اوروبا لا تستطيع ان تقتصر على الاسواق المحلية، فلابد لها ان تتعولم وتمارس عملها عالميا وهو ما يجعلها في موقع منافس للشركات الاميركية، التي خرجت من القارة الاميركية الى العالم هذا بالاضافة الى ان الشركات التي توفر المعدات وبرامج للانترنت لازالت متمركزة في اميركا امثال اي بي ام واوراكل وصن وسيسكو. تتمتع اوروبا بميزة وهي ميزة المنتجات الخاصة بالاتصالات اللاسلكية والتي تتقدم بها على الشركات الاميركية، امثال شركة اريكسون ونوكيا وفودافون وسيمينز وفيليبس، اما بالنسبة للشركات اليابانية فهي لاتزال بحاجة الى الكثير حتى تلحق ليس بالاميركيين بل وبالاوروبيين. لاشك ان الانترنت منجم معلومات ومنجم ذهب وبشكل خاص الشركات التي تصنع البيئة التحتية الاساسية للشبكة فالشركات التي تصمم وتبني البوابات الالكترونية ومواقع التجارة الالكترونية والتي تزود القطاع المصرفي والمالي ببرامج انظمة معالجة سواء للاحتفاظ او اجراء العمليات المصرفية عبر الشبكة هي المستفيد الاول من ذلك ونسوق على سبيل المثال كيف استفادت شركة صغيرة من هذا المجال وهي قصة الطلاب الجامعيين الخمسة الاصدقاء الذين اسسوا عام 1994 شركة بروكات انفوسيمنز في المانيا حيث اصبحت خلال فترة قصيرة مرشحة للتفوق على مثيلاتها من الشركات الاميركية. فقد استطاع هؤلاء الاصدقاء ان يمولوا انفسهم بأنفسهم في السنتين الاوليتين من خلال الاستشارات وفي عام 1996 انتجوا اول نسخة من برنامج «تويستر» الذي يتيح للانظمة المصرفية الداخلية اجراء العمليات المصرفية عبر الانترنت واثناء السنوات الاربع اللاحقة قاموا بتطوير المنتج نفسه مع مجموعة من التقنيات المنقحة ليصبح الشريك المفضل للمصارف وشركات التأمين، وتجار التجزئة والمفرق عبر الشركة. وقد حققوا ايضا ميزة عالمية من خلال توصلهم الى شيفرة عالية الجودة لضمان درجة اعلى من الامن للعمليات المصرفية، مستفيدين من القوانين الاميركية التي تمنع تصدير هذه التكنولوجيا الى خارج الولايات المتحدة حتى عام 1997، ومع ذلك ما زالت مثل هذه الشركة الوليدة تحت اختبار هل تنجح في المجال العالمي والدولي؟ فلابد لها ان تقوم بالتواجد على حد تعبير كلاوس كلينفيد، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز في الولايات المتحدة وذلك تحقيقا لرؤية الشركة، والتي تتلخص في عدم الاقتصار على الوجود في السوق المحلية، بل يجب ان تكون بين شركات القمة العشرين في قطاع التقنية العليا. سبق ان اشرنا في الجزء الثاني من مؤلفنا العولمة التجارية والادارية والقانونية ان الموجة موجة معلومات وثورة في الخدمات وان كان ذلك صحيحا في العقدين الاخيرين من القرن العشرين فان هذه الموجة اصبحت محيطا من المعلومات حتى اصبح القرن الحادي والعشرون هو عصر المعلومات وعصر تدفق المعلومات الحر، وبدون قيود اللهم الا بعد احداث 11 سبتمبر 2001م حيث فرضت الولايات المتحدة بعض القيود على تدفق المعلومات عبر الانترنت والتي يشكل عرضها للجمهور على الشبكة تعريض الموظفين والعسكريين الى الخطر. واصبحت تمارس هيمنتها ونفوذها عن طريق الشركات والمحاكم من اجل تملك الانترنت حتى لا تبقى الانترنت مشاعاً للبشر وهو ما يجب مقاومته بثورة مضادة، فهذا الابتكار الانساني المشترك يجب ان يبقى كالهواء غير مملوك لاحد.