«رجل بات في عداد الأموات» هذا ما يقولونه في شعبة المخابرات العسكرية عن عرفات. «لقد حسم مصيره» وهذه هي «فترة ظلامه». وتتلاحق العناوين في الصحف: «تمرد الضباط ضد عرفات»، «رجوب انتصر على عرفات»، صور التظاهرات الشعبية ضد السلطة تحتل شاشات التلفزيون. مصر والأردن تعرضان لدينا كمن تتنكران لعرفات، والجمهور المتأثر يعتقد أن عرفات يسير حقا في الطريق نحو إنهاء دوره التاريخي. من المؤسف فقط أن عرفات، الذي حول الوهن إلى مصدر لقوته يعتقد غير ذلك. صحيح أن شعبيته هبطت في الشارع الفلسطيني بعد عملية «السور الواقي»، لكن قلة من الفلسطينيين اتهموه شخصياً بهذا السقوط. وقد عادت شعبيته إلى الاستقرار الآن، خاصة في أعقاب مهاجمة بوش له. بشكل عام تسمع الانتقادات ضد عرفات من قبل جهات هامشية، ويتم تضخيمها من قبل إسرائيل وحماس. عرفات لم يقصد حقا، تنحية الرجوب أو طيراوي، وإنما، فقط، توفير الشعور بحدوث تغييرات واستغلالها لاستخلاص المطالب الأميركية بإجراء الاصلاحات. المقربون من عرفات يتحركون حوله في مسارات تدجين، بحيث يقرب جبريل الرجوب منه اليوم، ويبعده غداً، وهكذا دواليك. والحقيقة هي أنه حتى بعد «تنحيته» شارك الرجوب في أهم الاجتماعات التي عقدت بين عرفات وبين رئيس جهاز المخابرات المصري. وهكذا تخدم كل حكايا التمرد هذه عرفات شخصياً في خلق «رائحة» الاصلاحات، لكن ما تغير في الواقع ليس كبيرًا. فالتعيينات الجديدة التي شملت تعيين سلام فياض وزيراً للمالية وعبد الرازق اليحيى (قائد «جيش التحرير الفلسطيني» ورجل الرئيس منذ زمن) وزيراً للداخلية، والتي اعتبرها حتى شارون بمثابة تغيير، تثير السخرية. كلاهما باهتان ومخلصان لعرفات بشكل أعمى. وعملياً يواصل عرفات السيطرة على الأموال وعلى الأجهزة العسكرية. لم يشهد الشرق الأوسط الحديث أبداً أي انقلاب شعبي ضد حاكم. لقد وقعت عدة انقلابات عسكرية، قادتها نخبة معينة ضد نخبة أخرى، لكن الشعب لم يثر أبداً. ولذلك فإن التظاهرات ضد السلطة تهدف فقط إلى لفت انتباهه إلى المصاعب الاقتصادية. كما ثبت أن أمنيتنا بأن تقف مصر والأردن ضد عرفات، كانت مبكرة جداً. لقد أرسل مبارك موفده إلى هنا كي ينقذ عرفات، وليس لكي ينحيه (فهو يعرف أنه إذا قامت أميركا بتنحية عرفات اليوم، فإنه يمكنها مواصلة العمل غداً). وإذا كانت لدى عرفات مشكلة ما، فهي بيولوجية فقط: لقد بلغ الـ 73 من العمر هذا الأسبوع، لكنه ما زال أكثر شباباً من شارون وبيرس. ويمكن للتقديرات القاتلة بشأن عرفات أن تتسبب بالاضرار. فاذا بات «في عداد الأموات» لا يمكن مطالبته بإجراء إصلاحات بنيوية، ولا مكان لمناقشة مسألة طرده من هنا. وهكذا يحدث أن تحرر هذه التقديرات عرفات من المسئولية وتمنحه الحصانة في مواجهة الخطوات العسكرية الإسرائيلية. إن مجرد اطلاق التصريحات الإسرائيلية بأنه قد انتهى، تجعل الفلسطينيين يعتبرون ذلك هزيمتهم النهائية، الأمر الذي يعزز مكانة عرفات بشكل أوتوماتيكي في بيته. وهكذا يحدث التناقض: فالجهات التي تتحدث عن وهن عرفات، كأمنية، تساهم عملياً في تقويته.إستمرارا لمسيرته التي حققها يقوم عرفات الآن، بتغيير أساليبه في سبيل تخدير إسرائيل وأميركا، وكي يستعد للانتخابات التي يخطط لها في الشتاء. بعد ذلك «سيرجع» مدعوماً بغالبية تفوق 90%، كقوة بارزة وشعبية بحيث لا يمكن تجاهله. الرجل الذي اخترع نفسه المرة تلو الأخرى، ينوي القيام بذلك مرة أخرى الآن، ومن المؤكد أنه ينوي الخروج من اليرقة، التي يقبع فيها اليوم، لينطلق كالفراشة.