مع روتين الحياة الوظيفية الذي يتسم بالعمل منذ اللحظات الاولى لبدء الدوام الرسمي وحتى الدقائق الاخيرة، يشعر بعض الموظفين برغبة جامحة للتغيير من ذلك النمط المتسم بالتعب والارهاق، وهذا التغير الذي يحلم به أولئك قد لا يتجاوز الرغبة، في التنقل بين الاقسام على سبيل ممارسة اعمال مختلفة واكتساب مهارات جديدة ولكن هناك نماذج من الموظفين ممن تسرقهم الاحلام لابعد من ذلك بحيث نراه يتصور نفسه في موقع المسئول الذي يأمر وينهي، وان هذا الحلم ـ الذي يعد حقاً مشروعاً للجميع ـ يرغب به الكثيرون لسبب واحد فقط وهو اعتقادهم بأن منصب المسئول او المدير به من الاعباء الوظيفية ما قل ودل، فالمدير لا عمل له سوى التوقيع على بعض الاوراق الرسمية واستقبال الزوار، وتصفح الجرائد وشرب الشاي والقهوة، وانه ـ بحسب ما يظنه قصار النظر ـ يكون متواجداً في مكتبه لمدة لا تتجاوز الساعتين أو الثلاث على احسن تقدير، لذا فما دام هنالك في المجتمع من يتصور ذلك المنصب بتلك الصورة، فلقد اردنا الوقوف على حقيقة الامر، لذلك توجهنا الى دوائر مختلفة وتحدثنا مع المسئولين في مواقع متعددة، لتظهر لنا اموراً قد لا تخطر ببال احد، سجلناها لكم في هذا التحقيق الذي نهدف من ورائه الى اظهار الصورة الحقيقية لذلك المنصب الذي نطمح ويطمح اليه عدد غير قليل من صغار الموظفين وكما يقول المثل السائد «اسأل مجرب» فالمجرب هنا هو الاقدر على شرح ماهية المتاعب التي يواجهها والتي للاسف الشديد لم تجد من يكتب عنها. بداية تحدثنا مع بطي الظفري ـ مدير الادارة العامة للتفتيش الجمركي بمؤسسة الموانيء والجمارك والمناطق الحرة ـ حيث يقول ان موقع المسئولية ليس مجرد كلمة تنطقها الافواه فحسب، فالكثير من افراد المجتمع من الموظفين الذين نراهم بدأوا للتو حياتهم الوظيفية يعتقدون ان هذا المنصب يعني الراحة بل واننا نرى بعضهم يعطونه ابعاداً اخرى مغايرة للواقع، وهم بذلك لا يدركون مدى الاعباء والمسئوليات الملقاة على عاتقنا مما يجعلنا كما يقول المثل «في وجه المدفع» بمعنى ان اي خطأ يرتكبه احد الموظفين الذين نرأسهم يتحول تلقائيا الينا، حيث من المفترض ان نراقب سير العمل وان نشرف على جميع التعاملات التي هي ضمن اختصاصنا، وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية في عملنا كمدراء أو رؤساء اقسام، وفي سياق رده على سؤال حول ماهية الصفات التي من المفروض ان تتوافر في من يصل لهذا المنصب يقول ان صفة القيادة تعد من اهم الاساسيات التي يفترض ان تتوفر في المسئول، ثم يأتي عقبها صفة اتخاذ القرار ولا ننسى الامانة التي تعتبر من ابرز الصفات الهامة في العمل، مضيفا ان هذا المنصب كغيره من المناصب التي تتطلب في احيان كثيرة انتقاء اشخاص أو اصدقاء بعينهم، وذلك لاهمية عدم خلط العمل وواجباته بالصداقات أو العلاقات الاجتماعية لان من يخلط بين الاثنين يكون قد أجرم بحق نفسه ومصداقيته في اداء عمله بأكمل وجه بما يتوافق مع القوانين المعمول بها، واخيراً فإن منصب الرئيس أو المسئول او المدير هو مبتغى كل موظف ولكن لا يصل اليه إلا كل مقتدر على اداء مهام ذلك المنصب بحيث يعطي كل ذي حق حقه. نقلة كبيرة وفي السياق ذاته تقول لطيفة خادم ـ رئيسة قسم البحث الاجتماعي بجمعية بيت الخير ـ بدأت مهام عملي كرئيسة للقسم منذ قرابة السنتين، والحقيقة انها كانت نقلة كبيرة لي، حيث زادت مسئولياتي بشكل لم اكن اتوقعه واصبحت محاسبة على كل صغيرة وكبيرة في العمل، فمتابعة امور العاملات بالقسم ليس بالمسألة السهلة مطلقا، ورغم علمي بصعوبة رئاسة قسم إلا انني كنت اطمح اليه فالمسمى الوظيفي بحد ذاته له نكهة خاصة وله وزنه بين الافراد ولو تحدثنا عن العمل في المناصب القيادية لرأينا ان المرأة اقدر بها من الرجل، وذلك يعود لعدة اسباب منها ان المرأة بمقدورها ان توزع الادوار بين الموظفين بشكل افضل، كما انها معروفة بكثرة العطاء والبذل، وهذا بدوره يرجع لطبيعتها الانثوية ودورها كأم وزوجة في بيتها، وعلاوة على ذلك فللمرأة طريقة خاصة في التعامل سواء مع الموظفين او المراجعين، اما فيما يتعلق بأسلوب التعامل فإنني اقول بأنني لا اتبع اسلوباً خاصاً يعتمد على الحديث الودي الخالي من الحزم المستمر، لانني أؤمن بأن مثل هذا الاسلوب يقربني من العاملين بالقسم، حيث انني لا اتصور ان اي موظف يكون بمقدوره ان يقدم عملاً جيداً في الوقت الذي يشعر فيه بأنه يعمل في صراع دائم أو انه مراقب، وعلى الرغم من ذلك فإن التعامل بأسلوب رسمي في بعض الاحيان واجب ومهم شريطة ان يكون حتمياً وفي اطار محدود، ومن جهة ثانية فإن النفوس لابد وان تتغير طبقا لتغيير المكانة والوظيفة فهذه هي طبيعة النفس البشرية ولكن على المرء ان يكبح جماح نفوذه وان يحوله الى كل ما من شأنه ان يواكب ويفي بمتطلبات العصر والعمل في آن واحد حتى لا يخسر الافراد الذين يتعامل معهم أو حتى يخسر وظيفته واحترامه لنفسه وللآخرين. متطلبات هامة وعقب ذلك توجهنا الى الادارة العامة للدفاع المدني بدبي حيث التقينا بالملازم اسماعيل عبدالله احمد ـ مدير فرع التفتيش بالادارة والذي اوضح لنا انه يعمل في هذا المنصب منذ حوالي سنتين، بعد فترة عمل في قسم الكمبيوتر بنفس الادارة تخللتها آمال وطموح كبيرة للوصول الى المنصب الذي بمجرد ذكر اسمه فإن وقعه يكون كبيراً على المستمع والنفس البشرية، والحقيقة ان تحقيق ذلك الهدف كان يندرج تحته عدد من المتطلبات الهامة التي متى ما عرفها وعمل بها الموظف فإنه لابد وان يحصد ثمار كده وتعبه، فالموظف العادي مطالب بتطوير نفسه علميا وذهنيا وعمليا حتى يصل الى ما يطمح اليه، وهذا التطوير يجب ان يكون ممزوجاً بالثقة في النفس بمعنى ان تكون لدى الموظف قناعة بأنه سيحقق شيئاً من احلامه وانه سيبلغ الغاية التي رسمها لنفسه، ثم وضع خطة هادفة ودقيقة لكيفية الوصول لمراده، مضيفاً انه على الرغم من انني وصلت الى ما كنت اطمع اليه إلا انني لاحظت ان مسئولياتي زادت كما كانت عليه حين كنت موظفاً عاديا، وبعد ان كنت انفذ الاوامر اصبح من متطلبات وظيفتي ان آتي انا بالاوامر التي تتناسب مع سير العمل وان اتخذ قراراتي بنفسي، وعقب ان كنت مسئولاً عن نفسي اصبحت اجد نفسي مسئولاً عن جماعة عليّ ان اصل بهم الى بر الامان دوماً، ومما هو جدير بالذكر ان من يصل لمنصب قيادي يجد نفسه بعد ان كانت علاقاته محدودة قد زادت تلك العلاقات وانه اصبح قريباً من المجتمع بشكل اكبر، اضافة الى قربه من الدوائر الاخرى، وهذه ميزة اجدها جيدة، وعلى الرغم من ذلك فالمرء عليه ان ينتقي وبشكل دقيق اصدقاءه، وان مهام العمل الجديد يجب ان تعتمد على سياسة الباب المفتوح مع المراجعين اما عن الموظفين فإن عليه ان يحاول قدر استطاعته كسر كافة القيود معهم وان يتعامل معهم بالحسنى، وهنالك نقطة هامة يجب عدم اغفالها وهي ان يتمالك المدير او المسئول نفسه وقت الغضب وهذا امتحان صعب يجب اجتيازه دوما قدر المستطاع، ثم ان عليه ان يكون متفهما لاقصى درجة ممكنة وان يعطي العمل كامل حقه بمعنى عدم الخلط بين العمل والحياة الخاصة، علما بأن الدرجات العلمية تعد من مكملات الشخصية القيادية وليست شرطاً اساسياً وكذلك فإن الاعتراف بالخطأ فضيلة بينما الاستمرار فيه خطأ اكبر، وانني انصح جيل شباب اليوم بأن يكتفوا بما هو موجود من وظائف حاليا، ثم عقب ذلك عليهم ان يثبتوا لانفسهم مدى قدرتهم على الوصول للمناصب الاعلى وذلك ما لن يتحقق إلا بالعطاء والامانة في العمل والقدرة على ملء الشاغر. الحافز المعنوي ومن خلال جولتنا الاستطلاعية التقينا حسن الكثيري ـ مدير جمعية حماية المستهلك ـ والذي اعرب لنا ان هنالك الكثير من الاشكاليات التي تعترض مفهوم المدير او المسئول حيث يوضح لنا ان مفهوم الادارة بشكل عام يحتاج الى تطوير واعادة نظر وتأهيل مستمر، حتى ينتهي اللغط المتعلق بالخلط بين المناصب وبالتالي تفويض الصلاحيات كما ان معوقات العمل بذلك المنصب متعددة جدا، ويحتاج من يصل اليه الكثير من المميزات العملية، لان تفويض السلطة لشخص بعينه ليس بالامر الهين مطلقاً فالهدف من المدير ليس مجرد ان يكون تنفيذيا فحسب بل عليه ان يعمل على التطوير والمتابعة ووضع السياسات العامة بالقسم الذي يرأسه ومتى ما توفرت هذه الميزات استطاع كافة الموظفين ان يستمروا في العمل حتى في ظل غياب مديرهم، لانه في اللحظة التي يتوقف فيها القسم عن العمل بحجة عدم تواجد المدير، فإن ذلك سيؤثر تلقائياً على الاداء والخدمة وتخليص المعاملات التي تنصب في النهاية في مصلحة المستهلك، ومن هنا تأتي اهمية الرغبة في التغيير ووضوح الرؤية لدى كل العاملين بدءاً من الاعلى للادنى والعكس اي ان العملية بمجملها يجب ان تكون متبادلة بين كافة الموظفين بغض النظر عن مسمياتهم الوظيفية، وان ما نلحظه في عدد من المديرين انهم وللأسف الشديد يبدون اهمية للحوافز المادية ويعتقدون انها السبيل الوحيد لان يعمل الموظف بشكل جيد دون ان يضعوا بعين الاعتبار ان الحوافز المعنوية هي اهم بكثير لانها تشعر الموظف بكينونته واهميته، ومن هذا المنطلق نستطيع ان نقول ان المدير عليه ان يتصف بعدد من الصفات الهامة والتي ارى ان اهمها الابداع والمبادرة والحماس والطموح، كما ان عليه ان يدرك جيدا انه مهما بلغ من منصب الرئاسة فإنه ولابد ان يأتي يوم يجد نفسه فيه مدانا امام من هو اعلى منه لذا فإنه عليه العمل بالشكل الصحيح الذي يدير فيه قسماً أو مؤسسة بما يتوافق مع القيم والقوانين المتعارف عليها. ثقافة مجتمعية وبتواضع شديد وصدر رحب يؤكد صلاح سيف بن ضاعن ـ نائب مدير الادارة الفنية ومسئول عام الجودة بجداف دبي ان المنصب الذي يشغله يعني له المسئولية بكافة معانيها طالما انني اقود اكثر من 100 موظف في محيط الجداف، وهذا يترتب عليه الاشراف على الامن العام بهذه المنطقة وانني افتخر بهذا المنصب الذي اعده ايضا تشريفاً كبيراً لي وثقة بقدراتي وكفاءتي، والحقيقة ان هذه الدرجة الوظيفية تجعلني دوماً في وجه المدفع، بدليل انه يفترض بي ان اتحمل اخطاء غيري من الموظفين الذين ارأسهم، وعليه فمسئولياتي اكبر من مسئولية اي موظف عادي، وهذا يتطلب مني الكثير من الحرص والانتباه والتواصل مع العاملين بالقسم، والواقع ان الوصول لاي منصب قيادي يستلزم الكثير من الطموح والصبر وقبلها الثقة بالمولى ـ عز وجل ـ والاستعانة به وبتوفيقه، حيث ان المثابر في عمله لابد وان يجني ثمار كده وتعبه، دون اغفال نقاط عديدة قد تؤخر الصعود في السلم الوظيفي، حيث ان المرء عليه ان يأخذ بعين الاعتبار المكان الذي يعمل فيه، فلو اخذنا مثلا بعض المؤسسات التي تقل بها نسبة التوطين فإن المرء او المواطن باستطاعته الوصول بسرعة للمنصب الذي يطمح اليه، بعكس بعض الدوائر الكبرى والتي تزيد فيها نسبة التوطين، حيث نرى ان المنافسة تكون كبيرة فيها، وهنا على المواطن ان يثبت قدرته على الترقي عن طريق الجد والمثابرة المستمرة، مضيفاً ان المناصب القيادية اليوم لم تعد حكراً على الرجل دون المرأة، بدليل اننا نجد المرأة وقد تقلدت مناصب عليا في يومنا هذا ومن هذا المنطلق نقول ان الجنس لم يعد عائقا وان الوصول هو للاكفأ فحسب، وفيما يتعلق بالشهادة الدراسية فإن ما نستطيع ان نقوله هو انها تختصر المسافة في تحقيق الاحلام لانه من البديهي ان من يحمل الشهادة لابد وان يكون اكثر ابداعاً وكفاءة في اداء الاعمال الموكلة اليه، سوى في حالات بسيطة لم تكن فيها الشهادة مقياساً. ويستطرد بن ضاعن ان ثقافة المجتمع فيما يتعلق بالمنصب القيادي قد تكون قاصرة لانهم ينظرون اليه نظرة مغايرة للواقع ولكن من خلال تجربتي الشخصية فإنني اقول ان وصولي للمنصب زاد من دائرة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية فهو عرفني بأفراد لم تكن تمتني بهم أدنى صلة، ورغم ذلك فإن هنالك من أراه ينظر اليّ كمنصب وليس كشخص وهذا ما احاول ان اتحاشاه قدر المستطاع وهذا يعود الى التجارب الكثيرة التي مررت بها ومخالطتي الدائمة لأفراد المجتمع، وعلى صعيد خاص فإن كثرة تحملي لاخطاء الموظفين والضغط النفسي الذي قد امر به احيانا لابد وان يؤثر على حياتي الخاصة فالنفس البشرية تتأثر ومن غير الممكن ان نقول العكس وهنا يأتي دور الزوجة التي من المفروض ان تتفهم طبيعة عمل زوجها، وهنا نعود الى النقطة الهامة وهي ثقافة المجتمع لان الزوجة جزء لا يتجزأ من المجتمع، ومن هنا ايضا يأتي دور وسائل الاعلام في توضيح الضغوطات التي يتعرض لها كل ذي منصب قيادي، فأغلب أفراد المجتمع يعتقدون ان رئيس القسم أو المدير انما هو في راحة بينما العكس هو الصحيح. الرجل أقدر وكذلك تقول مسئولة قسم السيدات بمصرف ابوظبي الاسلامي اعمل في هذا المنصب منذ حوالي تسعة أشهر وارى انه عبارة عن سلسلة من المسئوليات والتعب، حيث انني اعمل جاهدة على جعل هذا القسم من افضل الاقسام الموجودة بالمصرف وذلك بما يتوافق مع اللوائح والقوانين علاوة على الضغط النفسي والمعاناة التي نلقاها من خلال التعامل مع بعض العملاء أو تحمل اخطاء الغير من الموظفات العاملات بالقسم، والحقيقة ان الوصول للمنصب لا يكون بين ليلة وضحاها بل ان الموظف يمر قبله على عدد مما اسميه بالاختبارات او المراحل، بدءاً بالتدريب المكثف وانجاز المعاملات في اقصر وقت ممكن، وهذا بحد ذاته يعد كالحرب النفسية التي يفترض معها التحمل والصبر علماً بأنني وبمجرد ان وصلت الى هذا المنصب فإن اول ما خطر ولايزال يخطر ببالي هو ان اعود موظفة عادية نظراً للاعباء الملقاة على عاتقي والتي لا استطيع معها حتى مجرد اخذ اجازة اضطرارية بسيطة واعتقد ان الرجل اقدر من المرأة على الصمود في المنصب القيادي نظراً لكونه لا يتحمل مسئوليات البيت والابناء بعكس المرأة المتزوجة بشكل خاص والتي نرى ان لديها الكثير من المسئوليات الخاصة والزوجية والاسرية التي قد يحاسب عليها الزوج زوجته اذا ما قصرت بها، ومن ناحية اخرى فقد لاحظت ان زياراتي الاجتماعية قد تأثرت سلباً بعد عملي كمسئولة للقسم حيث اصبحت اجد صعوبة في زيارة الاهل وغيرها من العادات الاجتماعية التي كنت قد تعودت عليها مسبقاً، ولكني اقول اخيراً ان هذه هي ضريبة من يصل لمنصب يكون هو المحاسب فيه على اي خطأ مهما كان بسيطاً. تحمل الاخطاء ومن جهته يقول نبيل عبدالرزاق مساعد المدير بسيتي بنك ـ- ان الموظف العادي يقوم باداء المهام الموكلة اليه خلال فترة الدوام الرسمي لانه غير مطالب سوى بتنفيذ الاوامر والارشادات اما المسئولة عن القسم او المدير او غيرها من الوظائف القيادية الاخرى فإن مهمة العاملين بها هي اكبر واعمق من ذلك، ومن خلال تجربتي الشخصية فإنني مسئول عن حوالي ثمانية من الموظفين وهذه المسئولية تشمل تحمل اخطاءهم في كثير من الاحيان وانني استغرب تلك النظرة الخاطئة التي تقول بأن المناصب العليا تعني مناصب راحة، ولكنني اتصور ان هذه النظرة القاصرة ليست سوى من موظفين لم يعانوا ولم يشعروا بمعنى تحمل المسئولية، والحقيقة ان الوصول لاي منصب في اي مؤسسة أو دائرة خاصة كانت او حكومية تتطلب اضافة لتحمل المسئولية، التزاماً تاما بالدوام الرسمي والاهتمام بالوظيفة وعدم ابخاس حقها مهما كانت الاسباب، وعلى اي موظف مهما كانت وظيفته بسيطة ان يتصور نفسه بمنصب المسئول عن نفسه وأدائه، علما بأن الترقي في السلم الوظيفي لا علاقة به البتة بكون الموظف رجلا او امرأة لان الوصول دوما للأقدر والأكفأ، وعلى السياق ذاته نقول بأن الشهادة رغم اهميتها الا انها ليست سببا في الوصول للمنصب الذي قد يطمح اليه الموظف بدليل اننا نرى اناسا يعملون في وظائف مغايرة تماما للتخصص العلمي في شهاداتهم الا انهم استطاعوا بفضل الله ـ تعالى ـ اولا وبفضل كفاءتهم ومثابرتهم الى الوصول لأرقى المناصب، وكذلك الحال بالنسبة لمن يعمل في نفس مجال دراسته ولكنه لم يحقق اي نجاح يذكر، اما على الصعيد الاجتماعي فإنني ارى ان الوظيفة العليا قد تسرق صاحبها من اهله او اصدقائه نظرا لاضطراره المكوث في العمل الى ما بعد ساعات الدوام المعروفة، وعليه فإن الأهل يجب ان يقدروا ذلك وأن يعملوا على بث روح الحماسة والتشجيع في نفس الموظف، لأن المصلحة أولا وأخيرا تنصب على العائلة والبيت، وهذا بحسب اعتقادي افضل من التذمر من كثرة اعماله وانشغاله الدائم عنهم. مصاعب متباينة وعلى المنوال ذاته يتحدث عارف محمد قائلا: ان لكل عمل مصاعبه وتحدياته ولكنها تتغير وتتباين طبقا للمنصب الذي يشغله الموظف فكلما كان المنصب عاليا زادت تلك المسئوليات أي ان العلاقة بينهما طردية، ومع ذلك فالموظف العادي قد لا يشعر بهول الاعباء الملقاة على عاتق المسئول، الذي يضطر الى اعادة قراءة كافة الاوراق بعد مغادرة الموظفين للتأكد من صحتها وسلامتها، لأن خطأ واحدا قد يكلف المرء الكثير، فالمسئولية تشمل امورا متعددة قد يغفل عنها البعض وهي ليست حكرا على شخص بعينه، لأنها تنتقل من واحد لآخر حسب متطلبات العمل، ومن هذا المنطلق فإن المرء طالما انه يتقلد منصبا قياديا فإنه عليه ان يعمل بجد واخلاص واتقان كي يؤدي واجبه على اتم وجه، وبالمناسبة فإن البعض يتصور ان بالشهادة وحدها يمكنه تحقيق طموحه دون ان ينظر لعدد من الأمور الاخرى التي هي اهم بكثير كالكفاءة والقدرة على القيادة واعطاء كل ذي حق حقه، والعمل باخلاص، لأن الاخلاص بدوره يولد حب العمل وبالتالي العطاء بلا حدود وانني انصح جيلي من شباب اليوم ان يبدأوا من الصفر فهذا افضل بكثير من بدء العمل في منصب كبير ثم بدلا من الصعود يحدث الهبوط تدريجيا، ومن خلال تجربتي الشخصية فقد بدأت العمل بما كان متوفرا من الوظائف حتى وصلت اليوم بمنصب كان ضمن أحلامي، لكنني ما زلت اطمح في الكثير الذي أؤمن أنه لن يأتي إلا بعد طول صبر وكفاح، فالوظيفة امانة في أعناقنا وعلينا ان نعمل بكامل جهدنا لكي نحافظ عليها