للزمن وضع عجيب في حياة الإنسان، فكل شيء تقريبا يحيط بالبشر أمكن الامساك بقوانينه، وفك طلاسمه، ورفع الستار عن مغزاه، إلا أنه الوحيد ، الذي يحتاج إلى اكثر من قراءة شعورية. وبعيدا عن تحليقات الفلاسفة، وطروحات العلماء، نجد ان الزمن يدخل غالباً في دائرة الاحساس فقط، فلا يمكن القبض عليه سوى بالنظر الى عقارب الساعة، ولا ادري من الذي اطلق على هذه الجزئية المعدنية اسم العقارب؟ وما معنى هذه التسمية؟.. لا تهمنا الاجابة، قدر لهاثنا صوب ذلك الحنين الذي يكتنفنا حين ننظر، ولو قليلا، إلى الوراء، لنجد الذاكرة وقد اهتاجت بالحسرة والمرارة على هذا المتنائي بلونيه الواضحين غير القابلين للمساومة. ولا يمكننا مصادقة الزمن، ومداعبته، ودعوته إلى رحلة وجدانية مترعة بالماضي والحنين، الا بامتشاق القلب وارتعاشاته والجسد بطفولته الشفيفة.. واذا كان من حق الانسان ان يمتلك ذاكرة وذكريات الا ان الغريب ان يكون هذا الماضي المفوض الوحيد عن الحب والبساطة والبراءة، فتلك رائحة تقتحم انفك، لتنزرع تفاصيلك في ذاك المكان البعيد الشاهد على واقعة شذاها الاولى، وهذه اغنية تزلزل ضلوعك بوقار الكلمة، ومخملية الموسيقى وذاك شوق ينتابك حين ترى عجوزاً وقد فاضت ملامحه بتعاريج الطمأنينة، وخطوط البركة. خواطر كثيرة حطت طيورها على شباك اللحظة وانا اشاهد احد الافلام القديمة.. ورغم حفظي تماماً لهذه الافلام، لكنني وجدت نفسي وكأني اراها لأول مرة، وجدت نفسي اضحك وابكي، ارقص واغني وادوخ على ايقاع الابيض والاسود ورغم سذاجة هذه الافلام وفقر حبكتها، وافتقادها للغة السينمائية المتطورة، الا ان زمنها اخترق المسام، وصال وجال في شرايين كل من كنت في صحبتهم، كنا نستدعي الماضي البعيد بكل منغصاته وافراحه، حكينا عن الحب والمحبوبة التي تكتفي بأقل القليل كدليل على صدق حبيبها، وكيف كانت امهاتنا تسهر على ترقيع ملابسنا البسيطة، وكيف كنا نغار على ابنة حارتنا من مشاغبات الغرباء، وان حقائبنا المدرسية كانت مصنوعة من القماش الغليظ، ومع ذلك لا ننسى واجباتنا، ونرتعب من مدرسينا.. وكيف كنا نخاف على البطل الخير في الافلام من ان يصيبه مكروه.. وان طبيخ اليوم يخلو من رائحته القديمة، وكيف احساسنا بأن زوج الحمام في الماضي كان (ثلاثة). وما ان انتهى الفيلم والليلة معاً، ركنت رأسي على احد الحوائط متسائلاً: وماذا في الحاضر، حتى ينتهبنا الماضي بهذه الضراوة الطريفة؟ فلقد انتشرت وسائل الراحة المادية والخدمية والمعرفية والتكنولوجية لذلك نزعم ان المسألة برمتها تكمن في التوق الى الصدق والصراحة والوضوح، فالأبيض والاسود لونان ارتبطا تحديداً بالقول المستقيم والمشاعر الحقيقية، لكن يبدو ان قوس قزح افرط في عدد ألوانه فاصطبغ الكلام والافلام بشتى درجات التلون، وكافة صنوف التداخل بين الابيض والاسود، اذن ثمة حنين نعايشه دائماً لادانة انفسنا وارواحنا التي تلوثت بالبهرجة والزخرفة اللونية، والمراوغة الكلامية.. لا ادري هل هذا الشوق العارم والمحكوم بالأفلام القديمة حالة من التطهر، والتملص من الحاضر، ولو لدقائق معدودة؟ عموماً، مهما قلنا عن زمن الابيض والاسود فسوف نفشل في توضيح ايقاعاته المتنوعة في حياتنا.. لقد اراح القديس اوغسطينوس رأسه حين سأله احد مريديه عن الزمن، فأجاب اعرف عندما لا تسأل!! مجدي أبو زيد